في كتاب رجا شحادة «لغة الحرب ولغة السلام»:: السلطة الفلسطينية أخطأت في تكتيك مفاوضات السلام وتجاهلت حاجات الفلسطينيين المقيمين

حجم الخط
0

 

تحدّث رجا شحادة، المحامي الفلسطيني المدافع عن حقوق الإنسان ومؤسّس منظمة «الحق» الفلسطينية في كتابه الصادر مؤخرا بالانكليزية بعنوان: «لغة الحرب ولغة السلام» عن الفوارق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في استخدام الشرائع والقوانين لتحقيق غاياتهما في المفاوضات بحيث تنجح الدولة العبرية في ذلك برغم تجاوزاتها لهذه الشرائع، فيما تفشل القيادة الفلسطينية، مع ان الحق إلى جانبها، لأنها تطالب بأمور يصعب تحقيقها في المدى القصير ولأنها تركزُّ على العموميات على حساب الخطوات الواقعية.
وأشار في هذا المجال إلى المواقف من قضيتي القدس والضفة الغربية حيث فشلت سلطة الرئيس محمود عباس في طرح حلول عملية لهاتين القضيتين عبر القنوات القانونية، فيما استخدمت إسرائيل تكتيكات وأساليب ملتوية للمزيد من السيطرة على المدينة المقدسة والضفة.
فإسرائيل، حسب قوله، لم تُعلن في أي مناسبة أنها ستستولي على الضفة الغربية، ولكنها فعلت هذا الأمر واحتلّت الضفة تدريجيا. أما بالنسبة لمطالبة السلطة الفلسطينية بالإعتراف بها كدولة، منذ عام 2012، فكان التوقيت في هذا المجال غير مناسب لأن هذه المطالبة تمّت في وقت لم تكن السلطة تملك سيادة على أي جزء من فلسطين ولا أي تحكّم في حدودها. وبالتالي، فان إسرائيل نشطت ونجحت في فرض مشروعها من الأسفل عبر قرارات إدارية داخلية نفذّتها، فيما تحركت السلطة عبر نظريات فوقية برغم صلابتها بدت صعبة التنفيذ وفارغة من الفحوى التطبيقية.
ورأى شحادة ان «اتفاقيات أوسلو» جعلت السلطة الفلسطينية أكثر إتكالاً على إسرائيل مما صَعب عليها إتخاذ القرارات الحرّة كالإنتماء إلى «المحكمة الجنائية الدولية» والمطالبة بمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن الجرائم التي ارتكبت وتُرتكب في الأراضي الفلسطينية من دون ردور فعل قاسية من جانب إسرائيل.
واعتبر الكاتب انه بدلاً من ان تحقق «اوسلو» الاستقلال الفلسطيني فانها انشأت شبه دولة فلسطينية يدير كل قراراتها شخص واحد وهو نفسه الذي فاوض على اتفاقيات اوسلو ووقّع عليها.
وعندما تألفت حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية في الأشهر الأخيرة، بعد فشل المفاوضات مع إسرائيل، كان بامكان بنيامين نتنياهو، حسب شحادة، ان يستفيد من الوضع الجديد لو كان بالفعل يسعى إلى السلام، لأن أي اتفاق سيتم إبرامه سيحظى بموافقة جميع الأطراف الفلسطينية الفاعلة في الضفة الغربية وغزة، ولكن، بدلاً من ذلك، صَعَّدَ رئيس الحكومة الإسرائيلية مواقفه وشَبَّهَ منظمة «حماس» بتنظيمي الدولة والقاعدة وطالب محمود عباس بإقالة هذه الحكومة، متذرعا بان وجود «حماس» فيها يشكل خطرا، ليس على إسرائيل فقط، بل على أمريكا والعالم الحرّ مدعيا أن دولته قادرة على مواجهة الإسلام المتطرف.
وأشار شحادة إلى المراوغة والتناقض في مواقف نتنياهو قائلا ان إسرائيل في الماضي القريب كانت تَعتَبرُ «منظمة التحرير الفلسطينية» عدّوها الرئيسي ولم تحسب لـ»حماس» الحسبان. واتُهمت المنظمة بانها تسعى إلى تدمير إسرائيل. أما الآن، وتحت قيادة محمود عباس، فان منظمة التحرير اعترفت بإسرائيل وقررت نبذ العنف واعتماد المفاوضات كالسبيل الوحيد لتحقيق السلام، وبرغم ذلك فان إسرائيل تعرقل التفاوض معها. وكل ذلك يشير، حسب الكاتب، إلى ان إسرائيل لا ترغب في السلام، بل تسعى إلى تعطيله. فحسب بنيامين نتنياهو، لا يمكن لمحمود عباس ان يدّعي انه يرغب في السلام، بعد الآن، لانه تشارك في حكومة واحدة مع «حماس» وعليه ان يختار بين «حماس» وإسرائيل.
وبما ان شحادة فلسطيني مقيم في رام الله، فانه نبّه إلى ان «اتفاقيات أوسلو» لم تلغِ قدرة إسرائيل على تطبيق قراراتها الداخلية الإدارية التي تؤثر سلبا على حياة السكان الفلسطينيين بالقوة، لأنها أبقت على سلطة عسكرية إسرائيلية في معظم المناطق، ولم يستدرك المفاوضون الفلسطينيون أهمية هذا الموضوع لانهم ظنّوا ان اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير سيعطيها حق تقرير المصير في شتى الأمور. ولكون المؤلف محام ومؤسس لمنظمة «الحق» فانه أسف لأن تقارير مؤسسته حول الممارسات الإدارية الداخلية لإسرائيل لم تؤخذ في الإعتبار من جانب المفاوضين الفلسطينيين، وبينها قرارات إسرائيل تعديل طرق السير (المواصلات) في الضفة الغربية سعيا لوصل المستوطنات الإسرائيلية ببعضها دون الإكتراث لتأثير ذلك السلبي على المواصلات بين المدن والبلدات الفلسطينية المجاورة.
وذكر في هذا المجال ان لجنة فلسطينية تأسست لمعالجة هذه التجاوزات وطالبت برفع هذه القضايا إلى «محكمة العدل الدولية» في لاهاي، ولكن منظمة التحرير لم تأخذ الموضوع بالجدّية اللازمة إذْ كانت منشغلة بأمور اعتبرتها أكثر أهمية. وتزايدت، نتيجة لذلك، عمليات الاستيطان التي أصبحت على ما هي عليه الآن. والمؤسف ان الإسرائيلين كانوا يحضّرون لتكثيف حجم مستوطناتهم وأعداد مستوطنيهم منذ تلك الفترة، حسب المؤلف.
واتخَّذ شحادة موقفا متشددا من اتفاقيات أوسلو انطلاقا من هذا الواقع، حيث قال انه بعد مرور عشرين عامًا على اتفاقيات أوسلو فان السلبيات التي أحدثتها تبرز الآن أكثر من أي وقت مضى، فقد أصبحت القدس أشبه بمحمية يهودية يصعب على المسيحيين والمسلمين الدخول إليها وممارسة عباداتهم فيها وانطلقت تهديدات المستوطنين المتطرفين الداعية إلى تهديم «قبة الصخرة» والمعالم المقدسة الأخرى.
هذه الصورة القاتمة التي عرضها رجا شحادة في كتابه عوَّضَ عنها بما اعتبره بوارق أمل في المستقبل إذ قال في فصل الكتاب الأخير ان المستقبل هو للشباب على جانبي الصراع، ففي الجانب الفلسطيني سيتعلم أبناء الأجيال الآتية الدروس من أخطاء آبائهم واجدادهم وخصوصا من توالي الهزائم والنكبات التي تعرضوا لها لأسباب مختلفة. كما انهم سيمتلكون الشجاعة والقوة لدى ادراكهم البطولات التي قدّمها المقاومون الفلسطينيون الشجعان في المواجهات العديدة الماضية، وفي تصدَّيهم للتعديات الإسرائيلية الوحشية على غزة، خصوصا في صيف عام 2014. وفي الجانب الإسرائيلي، حسب شحادة، فان الشباب عليهم ان يختاروا ما إذا كانوا سيظلون في حالة تأهب للحرب وخوف من المقاومة الآتية من الطرف الآخر أو إذا سيتوصلون إلى الاعتراف بوجود الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم وحقوقهم الأخرى عموما.
يتضمن الكتاب ثمانية فصول يتناول كل منها مرحلة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني منذ النكبة وحتى الآن. الأول يتطرق إلى مرحلة 1948 والثاني إلى 1967 والثالث إلى اتفاقيات مدريد وأوسلو والرابع إلى بناء جدار الفصل العنصري. وبعد ذلك يركز الكاتب على مفاوضات 2013 وأسباب فشلها، ويكرّس الفصل السابع للحرب الإسرائيلية على غزة في صيف 2014 والمآسي التي أحدثتها وبطولات المقاومين فيها ويختم بفصل بعنوان: البحث عن السلام.
يُذكر أن كتاب شحادة استند في أجزاء منه إلى محاضرات ألقاها الكاتب في الذكرى العاشرة لوفاة المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد في جامعة كولومبيا الأمريكية والمتحف الوطني البريطاني في الأشهر الماضية.
ومن أهم ما ورد في فصوله الأولى عرض المؤلف لكيفية لعب إسرائيل والدول الغربية على الألفاظ والمفاهيم من أجل تحقيق الغايات السياسية كعدم استخدام الدولة العبرية وحلفائها لمفهوم «اللاجئين» لوصف الفلسطينيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بسبب القمع الإسرائيلي في الحقب المختلفة (ومنذ إنشاء إسرائيل) لأنّهم لو صُنفوا كلاجئين فستكون إسرائيل مسؤولة، حسب الأمم المتحدة عنهم وعن أوضاعهم اقتصاديا واجتماعيا، وبالتالي، فبدلا من وضعهم تحت مظلة «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» التي يحق لهم بفضلها المعاملة كوضع خاص، أُنشئت منظمة الأونروا التي تهتم بأوضاعهم المعيشية ولكنها لا تَستَخدِمُ مفهوم «اللاجئين» بالنسبة لهم، ولا تعطيهم حقوقهم كلاجئين التي نص عليها قانون دولي أُممي صدر في عام 1951. وهكذا فقد تمّ إنشاء مفهوم ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين يختلف عن المُطَّبق على باقي لاجئي العالم. وتَبِعت ذلك في السنوات اللاحقة قوانين إدارية متعسّفة فرضتها حكومة إسرائيل عليهم، وتشريعات عنصرية تمنع عودة الراغبين منهم إلى بلادهم وأراضيهم والمناطق التي تتواجد فيها ممتلكاتهم إذا اضطروا إلى تركها لأسباب قاهرة. أما الذين مٌنحوا الجنسية الإسرائيلية فنالوها نتيجة لرغبة إسرائيل في اظهار صورة غير صورتها الحقيقية أمام المجتمع الدولي في السنوات الأولى لإنشائها، وللظهور كدولة ديمقراطية تعامل سكانها بالمساواة بصرف النظر عن أصولهم الأثنية والقومية والدينية، حسب المؤلف.
واعتبر شحادة أن الفلسطينيين الذين فضّلوا البقاء في أرضهم برغم ما حدث فيها في أواخر أربعينيات القرن الماضي وصفوا آنذاك بالمتخاذلين أمام العدو، أما الآن، فقد أدرك معظم أبناء الشعب الفلسطيني انّهم كانوا أبطالاً تحملّوا ما يصعب جدًا تحمله، ومازالوا يتحملون التجاوزات الإسرائيلية، ولكنها صمدوا وظلوا صامدين.
وما يفعله المستوطنون الآن، بدعم من نظام بلدهم، حسب شحادة، هو التمييز العنصري والعنف بواسطة ما وصفه المحلل الصحافي البريطاني سيمون جينكنز بـ»الإرهاب عبر التخويف» للدفع نحو الهجرة وللتخلّي عن أراضيهم المرغوب إحتلالها والاستيطان فيها.
ولكن شحاده أكدّ في الفصل الثاني من كتابه ان إسرائيل كانت تأمل أن يفقد السكان الفلسطينيون الأمل، بسبب القرارات والممارسات التعسفية للمستوطنين (بدعم من الحكومة) وان يُصابوا بارهاق واحباط كبيرين يدفعانهما إلى الهجرة. ولكنهم اخطأوا في تقدير مقدرة الفلسطينيين على التكيّف مع الأوضاع الصعبة وصلابة تمسّكهم بأرضهم وصمودهم، وهي أمور تعلموها من خبراتهم في تعاملهم مع ما فرضته إسرائيل عليهم منذ إنشائها.
وكان على قيادة منظمة التحرير لدى وجودها في تونس ان تقدّر هذه التضحيات والصمود الكبير لفلسطينيي الداخل، خلال اتخاذها قراراتها وألاّ ترتكب الأخطاء والتنازلات التي انعكست وتنعكس على جميع الفلسطينيين الآن، في اتفاقاتها مع إسرائيل.
كما كان من واجب القيادات الفلسطينية آنذاك، في رأيه، ان تدرك أن إسرائيل مارست الاكاذيب والألاعيب نفسها التي مارستها في عامي 1948 و1967، في اتفاقاتها مع الفلسطينيين في مطلع وأواسط التسعينيات.
وتطرّق الكتاب إلى سياسية حكومة إسرائيل محاولة فصل الفلسطينيين المقيمين داخل حدود إسرائيل عن فلسطينيّي الضفة وغزة. بالاضافة إلى فرض تشريعات على التنقلات والتواصل الاجتماعي بين الضفة وغزة.
واعتبر ان التلاعب الذي تمارسه السلطة الإسرائيلية على سكان الضفة وغزة يُفرَض عبر تشريعات تعسفية مُغلّفة ضد فلسطينيي إسرائيل للمساهمة في ابتعادهم عن اخوانهم في مناطق السلطة الفلسطينية وخارج فلسطين.
وعَبَّر عن تشاؤمه ازاء نجاح أي مفاوضات فلسطينية مع حكومة بنيامين نتنياهو ، مهما حاولت الولايات المتحدة أو الدول الغربية فعله لانجاح هذه المفاوضات، إذْ ان نتنياهو يفعل ما بوسعه لإفشال هذه المفاوضات ويهمّه ارضاء المستوطنين والوزراء الأكثر تطرفًا منه في حكومته والذين يسكن بعضهم في المستوطنات وترتبط شعبيتهم الانتخابية بأصوات ودعم المستوطنين وبقرارات توسيع الإستيطان والإستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية.
كتاب شحادة مفيدٌ في معلوماته وسَلس في أسلوبه ويتفادى الكاتب فيه حشر التفاصيل الرتيبة بل على العكس يُدخلُ إليه اختبارات شخصية وآراء فنية في قالب سردي ممتع يعبر عن ثقافته الواسعة وخبرته العارمة.

Raja Shehadeh: Language of War, Language of Peace: Palestine, Israel, and the Search for Justice
Profile Books, London 2014
160 pages

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية