كامليا سيرة ايرانية
هل الأدب في حالات المحن والحروب والخطوب التي تمر على الكائن الإنساني ليكابدها، ينقذ ويُنجي ويكون الحامي؟ وهل الأدب الحي الذي يلامس الحقيقة ويجردها لتكون عارية وواضحة، يكون للمبدع والكاتب والشاعر والروائي حبل خلاصه ودستوره الشخصي الذي يسترشد به كضوء كشاف لينير سبيله وهو يشق موج الحياة العاتي الذي يواجهه خلال مسيرته الإبداعية؟
أجل يقول كتاب «كامليا ـ سيرة إيرانية» للشاعرة والصحافية والرسامة كامليا انتخابي فرد. هذا الكتاب المشرق والمعتم في آن، هو ما يؤكد أن بإمكان الأدب أن يكون رسالة احتجاج ورفض وإدانة لكل الممارسات اللا إنسانية التي تواجه الكائن الإنساني البسيط والمجرد من وسائل الدفاع المادية والآلية، فالأدب في مثل هكذا ظروف يكون الدرع الواقي للذات المبدعة.
الشاعرة الإيرانية كامليا انتخابي فرد، كانت في السادسة من عمرها حين سقط الشاه وجاء الخميني ليحكم بلاداً عريقة وعظيمة، ذات مجد أدبي وإبداعي وحضاري، ليحولها هو وبطانته خلال حكم ولاية الفقيه الديني إلى بقعة من الخوف والظلام والعتمة ـ التي ستحل شيئاً فشيئاً في كل مفاصل الدولة الدينية الجديدة، ليسود صوت المرشد الديني وحده، وتلغى كل مظاهر التبشير بالديمقراطية وتلغى كل خطابات التنوير الداعية إلى التحرر والسير على النهج العلماني الذي نادى به رجوي وجماعة فدائيي خلق، الذين هم من دعا إلى الثورة وفجّرها، ولكنها سُرقتْ علانية بقوة البلاغة الخمينية التي نادتْ بالتحريم ورفض الفكرة التنويرية، وصولاً إلى حشد الجموع تحت عباءته التي كانت تخبئ نهج حكم المرشد الذي يسترشد بالنصوص المذهبية والصوفية، البعيدة أشد البعد عن المنهج الواقعي والعلمي، تلك النصوص التي تصنع الفرقة وتخلق الشحناء بين شعب الأمة الإيرانية وشعوب المنطقة عامة.
كلّ صغيرة وكبيرة حدثتْ بعد الثورة الإيرانية على حكم الشاه تمر بها كامليا. إنها تؤرخ في ذكريات لا تخلو من العذوبة والرقة الشاعرية لمحطات حياتها وحياة عائلتها المنفتحة على الحياة والعالم، تؤرخ للصحافة الإيرانية في حديث شجي، كيف كانت البداية بعد الثورة، وحياتها حين شبت وكبرت لتشهد تحولات الحياة الإيرانية في حقولها الأخرى والجديدة، حياة الشعر والأدب والرسم وحياة صداقاتها الكثيرة مع بعض نساء الحكم السابق مثل فرح ديبا، أو مع الصحافية والناشطة ابداعياً فائزة هاشمي رفسنجاني ابنة رئيس الحكومة السابق في عهد الخميني. وتكشف حياة عائلتها المنفتحة على القراءة والسفر والسفور في الحياة، وحياة جيرانهم وأقربائهم، كيف كانت وكيف أصبحت. تكشف طريقة الإعدامات في السجون والمعتقلات وتلفيق التهم للشخوص الرافضين لنهج الحكم الديني الجديد، وطرق التعذيب التي تطال قطاعات واسعة ومن شتى الشرائح والفئات والطبقات المجتمعية للشعب الإيراني. كلها تُروى بقلم شفيف ودقيق وحصيف من قبل شاعرة تعرف كيف تصف وتخزن ذاكرتها الذكريات الأليمة والجميلة أيضاً.
في الفصول الأولى من الكتاب تكشف كامليا انتخابي فرد عن علاقة عمها طبيب الأسنان ببني صدر رئيس الجمهورية الأول في عهد الخميني، فهما كانا طالبين في صف واحد، ومن بعد ذلك تشاء المصادفات أن يكون المُطبّب لصديقه أيام الدراسة، فعبر هذه العلاقة كان يتوقع عمها ان يحدث انقلاب في الحكم بين ليلة وضحاها. ثم تكشف كامليا حالة التردي الاقتصادي وشروع نهج الاغتيالات لشخصيات ثورية بارزة على يد مجموعة تُسمّي نفسها بـ «الفرقان». كل هذا حدث بعد الثورة بشهور، ما استدعى ابتعاد الخميني بالذهاب إلى «جمران» وهي منطقة هادئة وجميلة وبعيدة عن مسرح العمليات السياسية. وحسب كامليا فإن هذا الاقتراح يأتي من جدها بالرضاعة، السيد الجمراني، وهو إمام جامع «جمران» فينتقل الخميني من قم إلى «جمران» القريبة من سلسلة جبال البرز الشمالية، مستريحاً وبعيداً في إقامته الجديدة، وهي مسقط رأس والدة كامليا.
تعتقل كامليا وتقاد إلى السجن، حين كانت تعمل في صحيفة «زن» الإيرانية اليومية بتهمة تهديد الأمن القومي، وتحدي نظام الحكم الإسلامي، لتنتهي تحت التعذيب في السجن الانفرادي وإلى الاعتراف بوقائع وأفعال لم ترتكبها،علها تتخلص من الشر الذي يحيق بها من كل جهة وصوب، وهي الشابة التي كان من المفترض أن تبدأ حياتها بغير السجن والإهانات والضرب والتعذيب الآلي والنفسي وهي في الطور الأول من حياتها الأنثوية.
تقول كامليا في مذكراتها الجذابة، وهي تميط اللثام عن حقيقة الثورة منذ بدايتها. أول شيء صنعه مناصرو الخميني هو وضع صورته في القمر: «في أوقات المساء كان الجميع يستديرون نحو السماء، أما نحن فلم نرَ أيّ شيء، حدقنا إلى البقع التي تغطي سطح القمر ورحنا نركز كي نرى قسمات وجه الخميني العابسة، لكننا لم نر أيّ شيء».
ثم تمضي كامليا في شرح الفصول الأولى للثورة الإسلامية في إيران، بأن الوقت كان مناسباً للانتقام من قبل فرقة الإعدام الثورية، إذ لم تكن هناك محاكم ولا محامو دفاع، كان هناك مجلس يحمل اسم العدالة الثورية يوافق على عمليات الإعدام فوراً، فتقول: «كان يكفي ذكر اسم أحد تلامذة الخميني، حجة الإسلام صادق خلخالي لكي يجعل شعر رأسك يقف، بل يشيع أنه هو شخصياً أعدم رئيس الوزراء السابق أمير عباس هويدا».
بعد مرور وقت ليس بالقليل على الثورة، تقول كامليا، ذهب الجميع باستثناء عدد قليل من الناس ممن كان غير مقتنع بالثورة الخمينية للاقتراع من أجل الإقرار بدستور جديد للبلاد، فأقر بنسبة 99 ٪ لتجري بعدها حملة اعتقالات وعمليات إعدام لا تحصى ملأت المقابر، وحين ذهبنا إلى المدارس تم الفصل بين الجنسين واصبح غطاء الرأس الزامياً، بعد ذلك جرى احتلال السفارة الأمريكية من قبل طلاب يدعون» طلاب على خطى الإمام» والمقصود بالإمام هنا الخميني.
ــ تجربة السجن
حين بلغت كامليا وخرجت من طفولتها لتتحول مثل أي كائن إلى عالم الكبار، اعتقلت واقتيدت من قبل جنديات إمام الزمان، مجهولات الاسم والهوية، كلهنّ يعملن في قسم الاستخبارات، لتقضّي قرابة الشهرين في سجن التوحيد: «داخل زنزانتي دفنت وجهي في القماش الأسود، كانت رائحة أختي كاتي حاضرة معي هناك، بل استطعت أن أحدد بالضبط اللحظة التي نثرت فيها العطر على الغطاء لأجلي لتمنحني نفحة منعشة من الحرية الموجودة خارج الأسوار».
في السجن، تتذكر كامليا أيام طفولتها والنعمة التي كانت ترفل بها والأمان والحرية، هذه الحرية التي ستفتقدها جل نساء إيران حسب قولها، فضلا عن تعددية الأحزاب التي ستُلف تحت عباءة الخميني من حزب «تودة» الشيوعي الذي سيذوق الويل على أيدي الباسيج، مكرّرين ما فعله شاه إيران بهذا الحزب العريق، انهم قساة وأفظاظ ولكنهم ينضوون تحت عباءة إسلامية كما توضح لنا ذلك كامليا قائلة: «علمت في قرارة قلبي أن أيام الدفء التي أتذكرها قبل الثورة لن تعود أبداً، ولم أعد أؤمن بالوعود التي عمي بيزان يقطعها». كان عم كامليا أحد فدائيي خلق وكان متحمّساً للثورة ولكن الحزب سيُضرب مثل بقية الأحزاب الأخرى ليفر خارج إيران، سيفر رجوي زعيم حزب فدائيي خلق وبني صدر أول رئيس للجمهورية بعد اختلافه مع المعمّمين ودولة الفقيه التي لا ترتضي المعارضة وتصحيح مسار الثورة، ويفر قادة سياسيون كبار كانوا عماد الثورة ولولاهم لما كان للثورة أن تنجح أو تتحقق.
تتذكر كامليا أيام الحرب العراقية ـ الإيرانية، والدور الذي قامت به إيران من أجل تصدير ثورتها للعراق وللبلدان المجاورة، تصف حالات الموت والخراب، إنها الحرب التي لم تبق ولم تذر، فقر واقتصاد منهار وحصار حكومي وحجْر على الحريات، إضافة إلى جو الحرب التي طحنت المدن وأرعبت الناس والآمنين.
ستخرج كامليا من السجن بعد مداهنة واعترافات كاذبة حول شخصيتها، واتهامها بالزنى والنوم مع أكثر من ستين رجلاً، استقوا اسماءهم من دفتر تلفونها ومن ضمنهم عمها الذي كان من فدائيي خلق وسيسجن جراء ذلك ويعذب، اعترفت حول فائزة رفسنجاني ابنة رئيس الوزراء السابق بأنّ لديها عشاقا، هذا الكلام قالته بموافقة من فائزة رفسنجاني التي ستقف إلى جانبها طيلة حياتها وهي التي تقول لها قولي أي شأن بخصوصي فأعرف أني الهدف وليس أنتِ. وتصف كامليا نفسها حين خرجت من السجن «كنت قد غادرت السجن في الأمس القريب، أبدو كوحش كثيف الشعر…..بينما فقدتُ نصف شعر رأسي وكان وجهي مكسواً بالبقع الحمراء وفقدتُ عضلاتي».
ــ العمل كمخبرة وعشيقة
بعد السجن ونجاتها من قبضة الإعدام، يجندها مستجوبها الذي وقع في حبها وهي تتظاهر بحبها وعشقها وجنونها به، يجنّدها كعميلة للدولة الإسلامية لتجمع معلومات وتتجسس على زملائها. مكان الاستجواب كان فيما مضى مكاناً لتدريب المواهب وتلاوة الشعر، في عهد الثورة تحوّل إلى مكان للاستخبارات ومحل استجواب لمن يشاء قدَرَه أن يكون هناك، تحت رحمة علي يونسي الذي كان مدير الاستخبارات آنذاك.
ظلت كامليا مواظبة على زيارة محقّقها، ملتزمة بمواعيده، وخلال تلك الزيارات كانت تلاقي الكثير من العنت والتصرف غير اللائق من لدن محققها، كان يمنع عليها التبرج ووضع أحمر الشفاه والعطر ويصرخ في وجهها أنه لم يحسن تجنيدها على نحو جيد، وكانت حين تذهب إلى السوق صحبة أمها وأختها وصاحباتها تتعرض للمضايقة وربما الحجز من قبل «دوريات الإرشاد» النسائية المعروفة بـ «أخوات زينب» هؤلاء النسوة اللواتي يراقبن حجاب الإيرانيات ولباسهنّ ومنظرهنّ لغاية الردع، أو أيداعهنّ السجن بسبب الخروج عن التقاليد الإسلامية للثورة.
ستعمل بعد خروجها من السجن في الصحف، تسافر تحضر مؤتمرات سياسية وثقافية وتقرأ الشعر، ولكنها في كل مرة تعود لتستجوب بعد نشر كل مقال وتحقيق صحافي، كانت الصحف الإصلاحية حينذاك تغلق بالتدريج.
تقترح كامليا على مستجوبها الذي ارتبطت به وبعد طول مغامرات ولقاءات وسفر وفق شروط وضمانات بمبالغ مالية أو بوجود عائلتها كرهينة، تقترح الذهاب إلى أمريكا للتجسّس على الإيرانيين في مؤتمر سيقام هناك، يرفض مستجوبها وعشيقها في البداية هذا المقترح، ولكنه في النهاية سيرضخ لطلبها حين تذكر له اسم حفيدة الخميني التي ستشارك فيه، فيسرّه اسمها ومركزها لغرض التجسس عليها، فيرسلها ولكنها هذه المرة سوف لن تعود. لقد فهمت الدرس بما فيه الكفاية، بعد ذلك سيحاول محققها تهديدها عبر التلفون والفاكسات بقتل أهلها، مرات يداهنها بالحب وبالكلام المعسول مستخدما كل الطرق التي بحوزته ولكنها تصرعلى البقاء في أمريكا، حتى تشاء المصادفات أن تلعب دوراً، فينقذها من هذا العذاب الرئيس خاتمي وهو رجل دين راجح ومتنوّر، تعرّفت عليه في ندوة فكرية، سينتشلها من هذا الأتون وتغلق القضية إلى الأبد.
كتاب مذكرات كامليا، من الكتب الشيّقة، عماده المعلومة الدالة بالبرهان الصادق، الموثق بأسانيد وقرائن دامغة.
كامليا ـ سيرة إيرانية»: كامليا انتخابي فرد»
إصدار: دار الساقي
عدد الصفحات: 302 صفحة
هاشم شفيق