لندن ـ «القدس العربي»: يتساءل بعض متابعي السياسة اللبنانية والعربية عن الأسباب التي تدفع حلفاء المملكة العربية السعودية في لبنان إلى تفضيل دعم المرشح سليمان فرنجية لرئاسة جمهورية البلد على حساب المرشح العماد ميشال عون.
التحليلات بالنسبة لهذا الموضوع متنوعة، فمنها سياسي ربما يعود لكون العماد عون عارض اتفاق الطائف الذي تم ابرامه في السعودية لايقاف الحرب الأهلية اللبنانية في نهاية ثمانينات القرن الماضي ولم يتخذ فرنجية مثل هذا الموقف، ومنها شخصي يشير إلى عدم وجود تناغم بين شخصيات قادة السعودية وامرائها مع شخصية عون التصادمية والانفعالية وطريقته الشعبوية في التعبير عن مواقفه. وهناك مَنْ يعتبر أن عون لن يرضى بتسويات إقليمية وصفقات قد يكون فرنجية، بتحالفه مع الرئيس نبيه بري والزعيم وليد جنبلاط، أكثر ميلاً لقبولها.
ولعل أحد المصادر المفيدة في هذا الشأن الكتاب الذي كتبته عمة سليمان فرنجية، صونيا فرنجية الراسي، منذ عام ونيف، وأوردت فيه مذكراتها ومذكرات عائلتها خلال المفاصل الرئيسية التي مر بها بيت فرنجية القيادي الزغرتاوي منذ ايام والدها الرئيس الراحل سليمان فرنجية (حكم لبنان ما بين 1970 و1976) وشقيقه المحامي حميد فرنجية، الذي حُرِم من الرئاسة عام 1052، مع انه كان يحظى بتأييد أكثرية النواب، بسبب تدخل خارجي فرض الرئيس كميل شمعون في هذا المنصب.
الكتاب بعنوان: «وطني دائماً على حق» وهي الجملة الشهيرة التي كانت شعار الرئيس سليمان فرنجية الأب.
نقطة ارتكاز مذكرات صونيا فرنجية هي ان والدها كان الصديق اللبناني الأقرب إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي كان يستمع إلى آرائه ويحميه من خصومه، ويقدّر مواقفه المناهضة لإسرائيل وحلفائها في لبنان، وان هذه الصداقة بدأت عندما اضطر فرنجية الاب إلى اللجوء في اللاذقية بعد مجزرة مزياره في احدى كنائس زغرتا التي حدثت في أواخر خمسينات القرن الماضي بين مؤيديه ومؤيدي الرئيس الأسبق كميل شمعون حيث صدرت مذكرة توقيف بحقه. واستمرت صداقة حافظ وسليمان في أصعب مراحل الحرب الأهلية اللبنانية، وساهم فرنجية بفضلها في ترطيب أجواء الحرب بين الجهات المتنازعة.
وفي تلك الحقب التاريخية (أي الخمسينات حتى التسعينات من القرن الماضي) لم تكن العلاقة الجيدة مع سوريا تتناقض مع السعودية. وبالتالي، فان السعودية كانت تنظر إلى فرنجية الأب كحليف عربي رافض للتنازل أمام إسرائيل والرضوخ لمشاريعها، خلافا لما فعله زعماء مسيحيون آخرون من قيادات بعض أحزاب ما سمي «الجبهة اللبنانية». (الكتائب والوطنيون الأحرار وحلفاؤهم).
وتشير الكاتبة إلى ان آل فرنجية عانوا ما يشبه الكارثة عندما اغتالت جهة متشددة في حزب الكتائب شقيقها طوني فرنجية وزوجته وطفلتهما جيهان في منزلهما في ليلة 12 ـ 13 حزيران/يونيو 1978. وتتهم المؤلفة إسرائيل بانها كانت وراء هذه العناصر غير المنضبطة خشية منها من ان يصبح طوني رئيسا للجمهورية بعد الرئيس الياس سركيس، وان يتابع نهج والده في التحالف مع القيادات الطرابلسية والبيروتية المسلمة (رشيد كرامي وصائب سلام والمثالهما) في منع قيام دولة مسيحية مؤيدة لإسرائيل في شمال لبنان. وتخصص الفصل الثاني من الكتاب لهذه الواقعة الأليمة وتفاصيلها وكيف بدأت بحادث فردي وتطورت لتصبح قضية كبرى تبعتها (بعد أربع سنوات) عملية اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، الذي كان قائدا للميليشيات الكتائبية، يعاونه القائد العسكري الآخر في هذه الميليشيات الدكتور سمير جعجع.
وتشير إلى ان شقيق بشير الجميل الأكبر أمين، الذي أصبح رئيسا للجمهورية بعد اغتيال أخيه، اختلف في مواقفه عن بشير. فلم يكن تصادمياً عنيفاً، ونال احترام آل فرنجية كونه حذّر هذه العائلة من امكان حدوث مواجهة دموية ضدهم قبل حدوثها، كما اتخذ مواقف مقبولة فلسطينياً لدى تنسيقه مع القائد الفلسطيني ابو اياد لمنع حدوث المجازر ضد الفلسطينيين في معركة «تل الزعتر» وساهم في اخراج عدد من الفلسطينيين من المخيم تجنبا لامكان قتلهم بطريقة وحشية كما حدث فيما بعد في مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982.
وتقول صونيا فرنجية في الفصل الرابع من الكتاب (ص 547 ـ 548) ان والدها سليمان الأب اتصل بالرئيس أمين الجميل وهنأه بعد انتخابه رئيسا للجمهورية، واضعاً نفسه تحت تصرفه، مع ان تلك المبادرة كانت صعبة عليه عاطفيا، فهو ومنذ العام 1978 (عام مقتل ابنه طوني) لم يتكلم مع أحد من عائلة الجميل. ثم تزيد قائلة انه بعد زيارة أمين الجميل إلى امريكا وفرنسا في تشرين الثاني/نوفمبر 1982 حيث طلب المساعدة لاخراج القوات الأجنبية العسكرية من لبنان (خصوصا القوات الإسرائيلية) صرّح والدها قائلاً: «كانت زيارة الجميل ناجحة وهذا ما بلسَم قلوبنا. إلا انني أشدد على أهمية المطالبة بانسحاب الإسرائيليين أولا والسوريين آخرا».
ولكن سليمان الأب رفض رفضاً قاطعاً الاعتراف باتفاق 17 ايار 1983 الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل خلافا لمواقف معظم الدول العربية بما في ذلك سوريا والسعودية. وتقول الكاتبة أن والدها سماه «سلاما مقنعاً من طرف واحد وسيؤدي بحسب رأيه إلى تقسيم لبنان وتوطين الفلسطينيين فيه». وتم الغاء اتفاق 17 ايار في آذار/مارس 1984.
وبالنسبة لعلاقة آل فرنجية بالسعودية فقد توثقت، حسب الكتاب، من خلال صداقة آل فرنجية مع نائب رئيس الوزراء اللبناني السابق عصام فارس، وهو أحد كبار أثرياء لبنان، وحقق معظم نجاحه التجاري عبر علاقته مع الدول الخليجية وخصوصا السعودية.
ففي مؤتمر حوار تم تنظيمه في أواخر عام 1983 في سويسرا (حسب الفصل الأخير من الكتاب) وشارك فيه الرؤساء أمين الجميل وبيار الجميل وكميل شمعون وسليمان فرنجية ورشيد كرامي ونبيه بري وصائب سلام ووليد جنبلاط ونائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، تقول الكاتبة انه وفي جناح الفندق المخصص للرئيس فرنجية «تربّعت على الطاولة باقة ضخمة من الزهور أرسلها الأمير السعودي بن سلطان إلى والدها».
وتضيف صونيا فرنجية في الفصل نفسه (ص 581): «عدنا من لوزان بشعور غريب وهو ان اصدقاءنا القدامى قد استعجلوا فجأة في ان يتخلصوا منا. فبعد الغاء اتفاق 17 ايار بات الجميع يحاول ان يقضم أكبر قدر ممكن من صلاحيات المسيحيين». فبعد الطروحات حول تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية واعطاء المسلمين المزيد من المناصب، (حسب قول المؤلفة) تقرر تقديم منصب نائب رئيس مجلس الوزراء إلى الطائفة الشيعية. وقد انزعج زوجها الدكتور عبدالله الراسي (الذي أصبح فيما بعد نائبا ووزيراً) من خسارة طائفة الروم الارثوذكس (التي ينتمي إليها) المنصب الوحيد المتبقي لها، والذي خصصه الدستور غير المكتوب لها منذ البداية، فاتصل هو وصديق له بالأمير السعودي سعود الفيصل (وزير الخارجية الراحل في المملكة) وسأله الصديق إذا كان رفيق الحريري يتكلم باسم المملكة العربية السعودية أو باسمه الشخصي في مجال تبديل الهوية الطائفية لهذا المنصب، فدعم الأمير سعود الفيصل عودة هذا المنصب إلى الروم الارثوذكس وتم التراجع عن القرار وعادت نيابة الرئاسة إلى تلك الطائفة المسيحية. وتسلمها لاحقا النائب عصام فارس.
ربما كانت هذه التفاصيل في كتاب صونيا فرنجية ليست كثيرة الأهمية بالمقارنة مع أمور أخرى أكثر أهمية وردت في الكتاب ولكنها مهمة بالنسبة إلى التأكيد بأن علاقة آل فرنجية وآل الراسي مع عصام فارس ومع المملكة العربية السعودية وامرائها كانت (وربما ما زالت قوية)، خصوصا ان الدكتور الراحل عبدالله الراسي، زوج المؤلفة، يُقال انه عالج صحياً بعض كبار الأمراء وبينهم من هم في السلطة حاليا.
غير ان المؤلفة، ومن دون شك، لعبت دوراً رئيسيا في المراحل الصعبة التي مرت بها عائلتها، وكانت دائما إلى جانب والدها وما زالت حتى الساعة متألمة جداً ليس فقط بسبب اغتيال شقيقها طوني الذي كانت مقربة كثيراً منه، بل للطريقة البشعة التي قُتل فيها مع زوجته وابنته الطفلة جيهان.
وتستشهد في هذا المجال بقول للرئيس الراحل كميل شمعون عندما حاول أحد السياسيين تبرير هذه الجريمة سياسيا. فردّ عليه شمعون (برغم انه كان خصما لفرنجية) قائلاً: نحن لا نقتل الناس وزوجاتهم وأطفالهم وهم نائمون بسلام في بيوتهم». ثم يضيف بأنه لم يعلم أن نجله داني وعائلته سيلقون المصير نفسه، ربما عن طريق الأيدي الآثمة نفسها.
وفي آخر مقطع من الكتاب، تقول صونيا فرنجية عن والدها: «خلال حياته كلها وخصوصا بعد رحلتيه إلى سويسرا، نجح أبي في تحقيق معجزتين: مصالحة اللبنانيين في ما بينهم وابقائهم عرباً، وكما قال عنه وليد جنبلاط: «فرنجية أكثر مارونية من مار مارون، وأكثر عروبة من صلاح الدين». كمسيحي، منع فرنجية لبنان من الاتحاد بإسرائيل، وكلبناني ناشد أبناء وطنه اعتناق الشعار الأعز إلى قلبه: «وطني دائما على حق».
يبقى السؤال التالي: هل وإلى أي مدى يختلف المرشح للرئاسة النائب العماد ميشال عون قائد التيار الوطني الحر، عن سليمان، حفيد الرئيس الراحل سليمان فرنجية، في وطنيته ودعمه للجهات المقاومة لإسرائيل، وهو المرشح الآخر لهذا المنصب؟ هذا أمر على نواب لبنان وشعبه اتخاذ قرارهم حوله في الأيام أو الأسابيع أو الأشهر المقبلة. فهل سيتمكنون من فعل ذلك بمفردهم؟
صونيا فرنجية الراسي: «وطني دائماً على حق»
دار نوفل بيروت 2014
584 صفحة
سمير ناصيف