كعكة التقاليد

حجم الخط
2

 

كان المفكرون الطوبائيون، ولا يزالون، يمدحون التعاون والتآخي واتفاق الكلمة. وامتلأت مواعظهم بذلك امتلاء عجيباً. وهم قد أجمعوا على هذا الرأي بحيث لم يشذ فيه منهم أحد إلا في النادر.
ونحن لا ننكر صحة هذا الرأي الذي يقولون به. فاتفاق الكلمة قوة للجماعة بلا ريب. ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن ننكر ما للاتفاق من اضرار بالمجتمع البشري في الوقت ذاته.
ان المجتمع البشري لا يستطيع ان يعيش بالاتفاق وحده. فلا بد أن يكون فيه شيء من التنازع أيضاً لكي يتحرك إلى الأمام. والقدماء حين ركزوا انتباههم على الاتفاق وحده، إنما نظروا إلى الحقيقة من وجهة واحدة وأهملوا الوجه الآخر. فهم بعبارة أخرى: قد أدركوا نصف الحقيقة. أما النصف الآخر منها فبقى مكتوماً لا يجرَأ أحد على بحثه.
ان الاتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً. فاتحاد الأفراد يخلق منهم قوة لا يستهان بها تجاه الجماعات الأخرى. وهو في عين الوقت يجعلهم عاجزين عن التطور أو التكيف للظروف المستجدة.
وقد أثبتت الأبحاث الاجتماعية أن المجتمعات البدائية التي تؤمن بتقاليد الآباء والأجداد ايمانا قاطعا فلا تتحول عنها تبقى في ركود وهدوء ولا تستطيع أن تخطو إلى الأمام إلا قليلاً.
وقد نجد في هذه المجتمعات الراكدة تنازعاً عنيفاً، هذا ولكن تنازعها قائم على أساس شخصي لا يمس التقاليد بشيء. كلهم مجمعون على التمسك بها لا يخرجون عنها قيد أنملة. وكثيراً ما يكون تنازعهم ناشئاً عن تنافسهم في القيام بتلك التقاليد ومحاولة كل منهم أن يتفوق على أقرانه فيها.
إن التنازع الذي يؤدي إلى الحركة والتطور يجب أن يقوم على أساس مبدئي لا شخصي. فالمجتمع المتحرك هو الذي يحتوي في داخله على جبهتين متضادتين على الأقل، حيث تدعو كل جبهة إلى نوع من المبادىء مخالف لما تدعو إليه الجبهة الأخرى. وبهذا تنكسركعكة التقاليد على حد تعبير بيجهوت. ويأخذ المجتمع إذ ذاك بالتحرك إلى الأمام.
إن المجتمع المتماسك يشبه الغنسان الذي يربط إحدى قدميه إلى الأخرى فلا يقدر على السير. والرباط الاجتماعي مؤلف من التقاليد القديمة، فإذا ضعفت هذه التقاليد، وبدأ التنازع الفكري والاجتماعي، استطاع المجتمع أن يحرّك قدميه ويسير بهما في سبيل التطور الذي لا يقف عند حدّ.
اذا رأيت تنازعاً بين جبهتين متضادتين في مجتمع، فاعلم أن هاتين الجبهتين له بمثابة القدمين اللتين يمشي بهما.

٭ ٭ ٭

ومن الجدير بالذكر أن الحركة الاجتماعية لا تخلو من مساوىء رغم محاسنها الظاهرة. فليس هنالك في الكون شيء خير كله أو شر كله. فالحركة الاجتماعية تساعد الإنسان على التكيف من غير شك. ولكنها في عين الوقت تكلف المجتمع ثمناً باهظاً، إذ هي مجازفة وتقدم نحو المجهول. إنها تؤدي إلى القلق والتدافع والإسراف في أمور كثيرة. والإنسان الذي يعيش في مجتمع متحرك لا يستطيع أن يحصل على الطمأنينة وراحة البال التي يحصل عليها الإنسان في المجتمع الراكد. إنه يجابه في كل يوم مشكلة، ولا يكاد ينتهي منها حتى تبغته مشكلة أخرى. وهو في دأب متواصل لا يستريح إلا عند الموت. ولا يدري ماذا يجابه بعد الموت من عذاب الجحيم!
إن النفس البشرية تحترق لكي تنير باحتراقها سبيل التطور الصاخب.
إذا ذهبت إلى نيويورك أو باريس أو غيرهما من المدن العالمية الكبرى، وجدت الناس هناك في ركض متواصل وحركة لا تفتر ليلاً أو نهاراً. كلهم يسيرون على عجل. فإذا سألتهم: «إلى أين؟» همهموا بكلمات غامضة واستمروا في سيرهم مسرعين.
أما في المجتمع الراكد فشعار الناس: «العجلة من الشيطان». إنهم يسيرون الهوينى ويشعرون بأن الأيام طويلة فلا داعي للهلع فيها. همّ أحدهم أن يصغي إلى قصص الأولين وأساطيرهم مرّة بعد مرّة وهو سعيد بها يشعر أنه سائر في سبيل الخلود الذي لا عناء فيه.
ابتُلي الإنسان بهذه المشكلة ذات الحدين. فأمامه طريقان متعاكسان، وهو لابد أن يسير في أحدهما: طريق الطمأنينة والركود، أو طريق القلق والتطور.
ومن المستحيل عليه أن يسير في الطريقين في آن واحد.
يخيل إلى بعض المغفلين من المفكرين أن المجتمع البشري قادر على أن يكون مطمئناً مؤمناً متمسكاً بالتقاليد القديمة من جهة، وأن يكون متطوراً يسير في سبيل الحضارة النامية من الجهة الأخرى. وهذا خيال غريب لا ينبعث إلا في أذهان أصحاب البرج العاجي الذين يغفلون عن حقيقة المجتمع الذي يعيشون فيه.

٭ ٭ ٭

يقول توينبي، المؤرخ المعروف، أن الصفة الرئيسة التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الإبداع. فالحياة يسودها التقليد بينما الإبداع يسود حياة المدنية.
وحبّ التقليد هو الذي جعل البشر يعيشون عيشة بدائية على مدى ثلاثمئة ألف سنة تقريباً.
لقد كانوا قانعين طول هذه المدة بما ورثوا عن الآباء والأجداد من عادات وأفكار. فلما حلّ الشقاء ببعضهم إثر انزياح العصر الجليدي وانسدت في وجوههم سبل الرزق، حاروا وفكروا، وأخذوا يجهدون أذهانهم للبحث عن وسيلة جديدة، وبهذا انفتح بين ايديهم باب التحضر الصاخب.
من الممكن القول بأن المدنية والقلق صنوان لا يفترقان. فالبشر كانوا قبل ظهور المدنية في نعيم مقيم. لا يقلقون ولا يسألون: «لماذا؟». كل شيء جاهز بين أيديهم قد أعده لهم الآباء والأجداد، فهم يسيرون عليه ولسان حالهم يقول: «إنا وجدنا آباءنا على ملّة، وإنا على آثارهم مهتدون».

من الفصل الأول في كتاب «مهزلة العقل البشري»، 1954

علم اجتماع سجالي

لم يحظ المؤرّخ وعالم الاجتماع العراقي (1913 ـ 1995) بأيّ طراز من الإجماع حول كتاباته، التي سعت إلى مصالحة نُظُم دراسية عديدة، ومتشابكة، في مزيج واحد: التاريخ، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والسياسة، والاقتصاد، وعلم النفس… انفضّ عنه العروبيون، لأنه خصّ العراقي بـ»شخصية منفردة» ذات سمات قياسية، شذّت في يقينهم عن القواسم المشتركة للعربي القومي؛ واستاء الماركسيون، العقائديون الجامدون بصفة خاصة، من تفضيله منهجية ابن خلدون على الديالكتيك؛ كما غضب الإسلاميون، بالطبع، من نظراته النقدية، العلمانية، إزاء التراث والنصّ الديني. أمّا الذين كانوا في صفّ حوارييه، أو الذين يطغى عندهم الإعجاب به على النفور منه، فقد وقعوا في حيرة من أمرهم بصدد أفكاره المتشددة حول بداوة العراق، بالقياس إلى موروث البلد الحضاري، والتناقض بين النهر والصحراء، والعمران والترحل؛ حيث بدا خطاب الوردي عنصرياً تارة، أو احتقارياً طوراً، أو يائساً من آفاق التطوّر، أو مشككاً حتى في مشروعية ثورات العراق المختلفة.
كذلك خاض الوردي معارك مشهودة حول العلاقة بين علم الاجتماع والأدب، أو «الأدب الرفيع» تحديداً، الذي اعتبره أسطورة يُراد منها تنزيه الأدباء عن وظائف اجتماعية مباشرة، ونفعية، لا مهرب منها في الواقع الفعلي. وقد كتب: «الشعر له ناحيتان، فنية واجتماعية. وهو في ذلك لا يختلف عن أي شيء من شؤون الحياة. فالقصيدة الشعرية هي قبل كل شيء قطعة فنية، إنما هي بالإضافة إلى ذلك ظاهرة اجتماعية لها مساس مباشر بما ينشأ بين الناس من صلات التعاون والتنازع. للباحث الاجتماعي أن يحلل القصيدة من حيث علاقتها بالمجتمع الذي ظهرت فيه، دون أن يتطرق إلى ما فيها من صفات فنية، إذ هو يترك ذلك للمختصين من الأدباء».
ولد الوردي في بغداد، ودرس فيها، ومارس مهناً مختلفة أثناء دراسته، قبل أن يمكنه تفوقه من حيازة بعثة دراسية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ومنها إلى تكساس في الولايات المتحدة، حيث أتمّ الدكتوراه، وهناك تأصل عنده موقف ليبرالي وعقلاني سوف يلازمه طويلاً. أصدر مؤلفات عديدة، لعلّ أبرزها: «مهزلة العقل البشري»، «وعاظ السلاطين»، «خوارق اللاشعور»، «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» في ستة أجزاء، «الأحلام بين العلم والعقيدة»، «منطق ابن خلدون»، «أسطورة الأدب الرفيع»، و»شخصية الفرد العراقي».

علي الوردي

اشترك في قائمتنا البريدية