كيف ولماذا يسهل اختراق المنظمات المتطرفة؟

حجم الخط
2

 

يحتار من يراجع كتاب «حياتي داخل منظمة القاعدة» لكاتبه الجاسوس المزدوج الدنماركي مورتن ستورم (بمعاونة تيم ليستر وبول كرويكشانك) اذا كان العمل يتناول رواية بوليسية جاسوسية أو يعرض وثيقة هامة عن عمل الاستخبارات الأجنبية داخل الحركات الإسلامية المتطرفة بواسطة أشخاص أجانب يدعون الانتماء الى الإسلام واعتناق الجهاد الإسلامي العنيف، ولكنهم بالفعل يعملون لاستخبارات بلادهم او للاستخبارات الأمريكية والاوروبية، وربما الاسرائيلية.
ان انجاز مورتن ستورم، الدنماركي الضخم الجثة والأحمر الشعر، الذي نشأ في بيئة فقيرة وصعبة في بلده، حيث أدمن المخدرات ودخل السجون وشارك في عصابات، كونه ساهم في سفراته المتكررة الى اليمن في تحديد موقع القائد البارز في منظمة «القاعدة» انور العولقي مما سهل مهمة المخابرات الامريكية في اغتياله بواسطة طائرة من دون طيار في اواخر ايلول/سبتمبر عام 2011.
واذا حاولنا تقييم أهمية هذا الكتاب، فلعل أهم ما فيه انه يوضح سهولة اختراق مثل هذه المنظمات المتطرفة التي تظن بانها تحمل راية ايديولوجية ودينية سامية وتقنية عالية في سرية عملياتها بينما هي بالفعل مطية لأجندات خارجية، وليست أكثر من دمى يديرها (وفيما بعد يخترقها) محركوها ويقضون عليها.
في الفصل العشرين المعنون «استهداف العولقي» يقول الكتاب ان رجلي المخابرات الدنماركيين اللذين اشرفا على استقطاب ستورم ابلغاه بأن المخابرات الأمريكية مستعدة لاعطائه خمسة ملايين دولار أمريكي اذا ساعدهم في التوصل الى تحديد تنقلات وسكن انور العولقي، الذي كان ستورم قد خدعه وأدعى بانه صديق مقرب منه ومن أفكاره وتعاليمه ومستعد لتقديم الخدمات اليه.
ويفضح الكتاب دوافع الجهات التي رغبت بالتخلص من العولقي، في الفصل العشرين نفسه، حيث يشير مقطع في الصفحة 832 الى ما يلي: «كانت هنالك أسباب عديدة لاسكات العولقي. وساهم انطلاق (الربيع العربي) في الأشهر الأولى من عام 2011 في خلق المزيد من الدوافع. فقد انتقلت حالة عدم الاستقرار في المنطقة الى اليمن مما ساهم في ضخ المزيد من الاوكسجين للجهاديين الراغبين بالقيام بعمليات ميدانية.
ففي المناطق الجنوبية والشرقية في اليمن تنتشر القبائل، ادركت منظمة (القاعدة) ان الرئيس صالح لا يرى الأمور بمنظار صحيح وكل ما يهمه هو بقاؤه في السلطة وفي وقت تقلصت فيه شعبيه، وهذا الأمر سهل على القاعدة استقطاب المقاتلين من أبناء المقاتلين».
ويضيف الكتاب في الصفحة نفسها انه في مطلع ايار/مايو 2011، اغتيل زعيم «القاعدة» اسامة بن لادن وأصبح انور العولقي أحد المرشحين الأساسيين لخلافته، وبالتالي العدو الأساسي لأمريكا ولحلفائها في المنطقة.
وقد تم الاتصال بين ستورم والعولقي سعيا من ستورم لتحديد موقع العولقي عبر سفر الجاسوس الدنماركي الى اليمن واجراء الإتصال بالعولقي وتأمين تزويد زوجته الاوروبية ايرينا هوراك، التي غيرت اسمها الى أمينة، بحاجياتها من الملابس الخارجية والداخلية الاوروبية، وأنواع من المأكولات اشتاقت الى تذوقها وحرمت منها خلال زواجها من العولقي، الذي كانت لديه زوجتان عندما قام ستورم بالوساطة بينهما للزواج. كما قال ستورم ان العولقي كان يرغب بالنساء الأجنبيات نظرا لانه درس في أمريكا وحصل على شهاداته في أبرز جامعاتها، وعاش في اوروبا وصادق نساء أوروبيات وأمريكيات قبل عودته الى اليمن للقيام بعمله الجهادي والتبشيري انتقاما من المعاملة السيئة التي لقيها في أمريكا (هو وغيره من العرب والمسلمين) بعد هجمات 11 ايلول/سبتمبر2001 على نيويورك وواشنطن وتحول جميع هؤلاء الى مشتبه بهم.
الفصول الأولى من الكتاب شديدة الأهمية من منطلق سوسيولوجي، اذ انها تفسر كيف يمكن لشاب أوروبي كستورم من طبقة فقيرة معزولة وغير قادرة على مواكبة التطور الاجتماعي والاقتصادي في بلدها، الانتقال من شوارع الدنمارك (أو غيرها من الدول الاوروبية) حيث كان يمارس مهام «القبضايات» على باقي السكان، برفقة شلة من أمثاله، وحيث كان يسعى الى ان يصبح بطلا في الملاكمة، ان يصير ركنا من أركان الدعوة الجهادية الإسلامية المتطرفة في العالم ويحظى بثقة قادتها؟.
ويلقي اللوم في هذا الشأن على مبشري الإسلام المتطرفين في الدول الغربية وغيرها (على شاكلة عمر بكري فستق) الذين يستقطبون هؤلاء الشباب الساعين الى الإنتماء الاجتماعي والتوجه الايديولوجي في مجتمعات متفككة ومادية غير عادلة. كما يوضح الكتاب بان استغلال هؤلاء الشباب، كمورتن ستورم وغيره، لا يأتي فقط من قبل هذا الداعية الاسلامي أو ذاك، بل أيضا من استخبارات الدول التي يعيشون فيها.
مورتن ستورم يظهر في الكتاب وكأنه كان يفتش عن الطريق الصحيح، وظن انه عثر عليه ولكنه اكتشف بعد ذلك، انه سائر في طريق سيؤدي الى قتل الأبرياء من أبناء بلده وممن قد يعتنقون المبادىء نفسها التي حاول اعتناقها. وما المقطع التالي من الفصل العاشر من الكتاب بعنوان «السقوط» إلا البرهان عن ذلك. فبعد اتصال المخابرات الدنماركية معه، سأل نفسه (ص711) هل بالفعل هؤلاء الدعاة على شاكلة عمر بكري ودعا بريكستون في بريطانيا الذين يأججون ويحمسون الآخرين على الموت ثم يتراجعون كالجبناء عندما تقع المعركة، هم بالفعل صادقون؟ هل أنني اعتنقت هذا الضرب من الجهاد بسبب أوضاعي الشخصية ورغبتي في مكافحة تجاوز العدالة؟ هل فهمي للإسلام كان خاطئا؟ وهل دفعني اشخاص كأنور العولقي الى فهم خاطىء ومشوش لهذا الدين؟ أو أنني بالفعل لم أفهم حقيقته بسبب تواضع فهمي؟».
وهنا يضيف ستورم (ص811 ـ 911) «بدأت آنذاك في اعادة النظر في التبريرات التي قدمت لي حول ضرورة قتل المدنيين في بعض الحالات التي كنت قد قبلتها سابقا بسبب انتمائي العقائدي، وخصوصا فيما تعلق بتبرير هجمات 11 ايلول/سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن وتفجيرات (بالي) في اندونيسيا والقطارات في مدريد (2004) ولندن (2005)، وادركت ان هذه العمليات كانت جرائم عنف موجهة ضد أشخاص مدنيين عاديين، وربما ستحدث يوما ما ضد أولادي واصدقائي وأبناء وطني. وقررت آنذاك ان البركان الكامن في قلبي قد انفجر في وجهة أخرى، وعندها قررت العمل لمنع حدوث ذلك، وللدفاع عن الأبرياء».
ولعل الكتاب يحاول جعل مارتن ستورم شخصية بطولية يتمنى الشباب الاوروبي المتجه والمتحمس نحو العمليات الجهادية في اوروبا والعالم الإقتداء بها، والقيام بالتحول الجذري في المواقف، كما فعل ستورم، ولكن مثل هذا التحول ربما صعب التحقيق من دون تغير السياسات الدولية عموما المؤيدة للارهاب التي تمارسها دول كاسرائيل وأمثالها من دون أي محاكمة او عقاب.

Agent Storm – My Life Inside Al Qaeda
Viking Books. London, 2014
404 pages

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية