كين سيلفرستين في «عالم النفط السري»: فضائح سماسرة النفط في الترويج للأنظمة الديكتاتورية

حجم الخط
0

 

من الصعب على الناقد اختيار الفصل الذي سيسعى للتركيز عليه لدى مراجعته كتاب «عالم النفط السري» لكاتبه كين سيلفرستين. فسيلفرستين، الصحافي والباحث المرموق الذي كان زميلا في قسم الأخلاق الصحافية في جامعة هارفرد الأمريكية، ثم أصبح رئيسًا لتحرير مجلة «هاربر» في واشنطن وعمل كأحد مسؤولي صحيفة «لوس انجليس تايمز» قرر في كتابه الصادر عن «دار فيرسو» في لندن ونيويورك فضح أرباب الفساد وداعميهم في عالم الصفقات النفطية العالمية عبر أبحاث ومقابلات ودراسات مكثفة ومعمّقة، مما جعل كتابه مرجعا في هذا المجال.
في مقدمة الكتاب، يشير سيلفرستين إلى ان النفط وثروات الطاقة الطبيعية ما زالت على رأس لائحة المواد المطلوبة عالميا، وقد تتصاعد أهمية هذا القطاع في السنوات والعقود المقبلة بسبب الطلب المتزايد عليه من دول كالصين والهند وغيرها، وحتى من أمريكا نفسها وحلفائها الأوروبيين.
ويؤكد المؤلف ان الفساد يتفشى بشكل غير مقبول ومن دون ضابط فعلي بين الذين ينظمون عمليات الطاقة وقادة الدول المنتجة والمستهلكة. ويتفاقم الأمر لدى تجار النفط والسماسرة الذين يسهلون تبييض الأموال الضخمة في المصارف العالمية بوسائل ملتوية. وينتقد الكاتب بشدّة المسؤولين السياسيين السابقين الذين يجنون المليارات من الدولارات مقابل أعمال بالترويج والعلاقات العامة الكاذبة التي تنفي وجود الفساد في هذا البلد أو ذاك. ويندّد ببعض المؤسسات الصحافية وبعض مراكز الأبحاث والجامعات البارزة التي تتلقى الدعم المادي الكبير من هذه الجهات.
ويذكر الكاتب أسماء بعض كبار المثقفين والأساتذة والصحافيين ورجال الأعمال والسياسيين السابقين الذين قاموا بمثل هذه الأدوار، ويخصصّ لعدد منهم فصولا محدّدة في كتابه، وبينهم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ونجل الرئيس جورج بوش الأب وشقيق الرئيس جورج بوش الأبن نيل بوش.

توني بلير

الفصل الخامس من الكتاب يتطرق إلى كيفية استخدام رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير للمناصب التي اُعطيت له بعد خسارته منصبه الحكومي، وبينها مبعوث «اللجنة الرباعية» المكلّفة معالجة القضية الفلسطينية عبر المفاوضات، للقيام بعمليات تجارية وصفقات نفخت ثروته بالملايين وجعلته أحد أثرياء بريطانيا. وخطة عمله كانت البدء بتقديم الخطابات (التي يقبض ثمنها بسخاء) ثم مصادقة الزعماء، أو إعادة توثيق صداقته بمن تعاون معهم خلال رئاسته حكومة بريطانيا، وبعد ذلك تُفتَح الطريق أمامه وأمام مؤسسته وشركائه في شتى المجالات لتسهيل المشاريع النفطية.
أكثر ما يهم قادة الدول النفطية الغنية المحيطة ببحر قزوين، حسب المؤلف، تبييض صفحاتهم ونفي صفات الديكتاتورية والقمع والتفرد بالقرارات عنهم برغم صحّتها. وكان بلير أحد أفضل منفذي هذا الدور منذ عام 2007. فكان يلقي خطابات، تشمل أفكارا بديهية وسطحية ويتحدّث في مواضيع تقنية يعرف القليل عنها، خصوصا في دول آسيوية، ويلقي المواعظ حول أفضل الوسائل لتحقيق الديمقراطية (علمًا انه الشريك الأساسي لجورج بوش الابن في الحرب على العراق عام 2003) ثم يقبض الأموال الضخمة من قادة هذه البلدان ومؤسساتها. ومعظم دول بحر قزوين حققت ثرواتها الضخمة بسبب ثروتها النفطية. ومن كبار زبائن «مؤسسة بلير وشركاه» الرئيس الكازخسستاني نازارباييف الذي دفع لبلير ما يوازي 25 مليون جنيه استرليني لتبييض صورته عبر مقابلات ومقالات نظّمها بلير وشركاؤه عن بلده مع انه، من كبار ديكتاتوريي العالم ويستأثر بالسلطة في بلده لفترة طويلة من دون محاسبة. ولم يتورع بلير عن وصف هذا القائد بانه يمارس إصلاحات ديمقراطية أفادت عملية التنمية في بلاده فيما كانت تقارير منظمة «هيومن رايتس ووتش» تؤكد انه ينكل بخصومه السياسيين وان ثروة بلاده تعود إلى نفطها وليس إلى عمليات التنمية فيها.
ويتطرق الكاتب إلى علاقة بلير مع القائد الليبي السابق معمر القذافي، فقد تصادق بلير معه خلال رئاسة بلير للحكومة وبعد ذلك، عقد ستة لقاءات مع القذافي بعد تخليه عن منصبه الرئاسي الحكومي، وحتى عام 2009، وأوقَفَ الزيارات عندما بدأت الانتفاضة ضد الزعيم الليبي التي أدت إلى مقتله وسقوط نظامه.
كما عمل بلير مع رئيس اذربيجان حيدرآلييف، ووصفه بالقائد الذي يملك رؤية ايجابية لمستقبل بلده، فيما أشار معارضو آلييف إلى ان سجلّه في حقوق الإنسان والتعامل مع معارضيه من الأسوأ في العالم وانه يدير بلده كما كان ليونيد بريجنيف يدير الاتحاد السوفييتي، ولكن الفارق ان آلييف يريد تبييض صفحته أمام الرأي العام الغربي عموما ولذا استقدم توني بلير للترويج له.

ايلي خليل وجيلبير شاغوري

ايلي خليل، منظم الصفقات الضخمة اللبناني المولود في نيجيريا، يقوم بدور الوسيط بحيث يصادق رؤساء ومسؤولين كبارًا في دول أفريقية، ويخلق علاقة شخصية معهم تتيح له تأمين حصصهم المالية ومقتطعاتهم من العمليات النفطية الضخمة وغيرها في مقابل حصول شركات تعمل معه على مشاريع نفطية مشتركة في هذه الدول، ويحصل هو على مخصصاته. سرُّ نجاح عمل خليل، حسب المؤلف، هو قدرته على التعرّف والارتباط الوثيق برؤساء دول (افريقية خصوصا)، وهو يتمتع بشخصية تؤهله لذلك وعلاقاته تمتدّ من افريقيا إلى الشرق الأوسط وأمريكا، مع انه يفضّل الابتعاد عن الدعاية الشخصية لنفسه ويعتمد مبدأ كتم الأسرار. ولكن الفضيحة التي شاعت عام 2004 كشفت القبض على مجموعة من المرتزقة، قيل ان خليل استخدمهم للقيام بانقلاب في غينيا الاستوائية. هذه القضية دفعته إلى الواجهة إعلاميا خصوصاً ان شريكه في هذه العملية المزعومة كان مارك، نجل مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة. وقيل ان خليل سعى إلى تنصيب المسؤول الغيني السابق سيفيرو موتو مكان الرئيس الديكتاتور ثيودورو اوبيانغ مباسوغو وابنه المدلل تيودورين، المدعومين من أمريكا التي تحتكر عمليات استخراج النفط وعمليات صناعية وتجارية أخرى في هذا البلد.
ومن الأمور اللافتة، أن الكتاب يظهر ان بعض كبار قادة الدول الغنية بالنفط تمّ دعمهم من أمريكا عندما تهدّدت أنظمتهم، وغَضّت الطرف عن ممارساتهم المخالفة لشرائع حقوق الإنسان والديمقراطية ولقيم مؤسسات الأمم المتحدة، في وقت كانت واشنطن تشنّ فيه الحروب، على الــدول الــتـــي لا تطبقها أو لا تتعاون معها.
ويذكر الكاتب ان أحد منظمي الصفقات النفطية الكبرى في افريقيا، إلى جانب خليل، هو التاجر اللبناني جيلبير شاغوري، الذي كان مقربًا من الرئيس النيجيري السابق ساني اباشا وحصل منه على صفقات نفطية وأخرى في قطاع البناء، وانه وخليل التقيا في أكثر من مناسبة مع مسؤولين أمريكيين كبار خلال رئاسة بيل كلينتون واوباما. كما تبرع شاغوري بالأموال للحزب الديمقراطي الأمريكي ولمشاريع علمية وثقافية أمريكية في أمريكا ولبنان، وبينها حوالي 5 ملايين دولار لمؤسسة كلينتون، علمًا انه صديق لبيل كلينتون.
وبعد انتهاء نظام ساني اباشا في نيجيريا عاد شاغوري، إلى ذلك البلد، كسفير لمنظمة اليونيسكو(في منتصف عقد الألفين) وعاود الفوز بعقود بناء وتعمير ضخمة في نيجيريا، بدعم من أحد خصوم اباشا السياسيين.

نيل بوش

في الفصل السابع والأخير يتناول سيلفرستين دور نيل جورج بوش (شقيق جورج دبليو بوش). ويفتتح الفصل بقوله ان صناعة النفط في أمريكا تدين لعائلة بوش بسبب نشاطها وخدمتها سنوات طويلة لتأمين ونشر المصالح الأمريكية في العالم في هذا المجال.
ولهذا السبب، ما زالت بعض شركات النفط في العالم (وخصوصا الصينية منها)، تتعامل مع الرقم الصعب في عائلة بوش، الابن الأصغر، نيل بوش، الفاشل في معظم صفقاته. ومشكلة نيل صعبة بشكل خاص هذه الأيام في ظلّ رئاسة باراك اوباما في نظر الكاتب.
ونيل بوش يتنقل من مكان لآخر في أمريكا والعالم، حسب المؤلف، ليعقد صفقات نفط ويؤسس الشركة النفطية تلو الأخرى (وبعضها شركات وهمية) ولكنه لا ينجح في أي صفقة. ومن أواخر محاولاته ابرام صفقة نفطية مع الديكتاتور التركمانستاني برديمحدّوف للتنقيب عن النفط في شواطئ هذه الجمهورية الواقعة على بحر قزوين. اتى نيل إلى تركمانستان حاملاً رسالة من والده تمنّى فيها الصحة والعافية للرئيس. وبعد أكثر من زيارة في الأعوام الماضية، لم يحقق أي نتيجة في هذه الدولة.
في مقابل ذلك، فان المؤسسات الصينية توقّع اتفاقيات محدودة مع نيل بوش لأن والده فتح المجال لتنشيط العلاقات التجارية الأمريكية- الصينية، عندما كان نائبا لريغان في رئاسة الجمهورية الأمريكية (وقبل ذلك مبعوثا لجيرالد فورد). كما ان شقيق نيل الرئيس جورج بوش الابن، طوّر العلاقات التجارية الصينية- الأمريكية كما فعل عمُّهما بريسكوت بوش. وحاولت والدة نيل، باربرا، فتح المجالات أمامه لتوطيد علاقته التجارية بالصين عبر علاقات اجتماعية (هي وابنها) مع القنصل الصيني العام في هيوستون تكساس.
ولهذا، فما زال نيل يملك زبائن صينيين يسعون إلى صفقات نفطية مع دول افريقية. وقد قام بدور الوسيط بين هذه الشركات الصينية (أهمها سينوبيك) وغانا، ولكن مداخيله من هذه الصفقات تتقلص مع تقلّص نفوذ عائلة بوش في القيادة الأمريكية، ولعل الأمر سيتغيّر إذا فاز شقيقه جيب بوش بالرئاسة الأمريكية عام 2016، وإذا تمّ اختياره مرشحا للحزب الجمهوري لهذا المنصب.
أهمية كتاب سيلفرستين كبيرة كونه يظهر ان المجموعات العاملة في قطاع تجارة النفط والغاز ومشتقاتهما من أغنى أغنياء العالم، وانه رغم توزع الأدوار، فان العلاقات الشخصية مع الزعماء والقادة تلعب دورا رئيسيا في تحقيق الصفقات الضخمة، والذين يمتلكون هذه العلاقات مستعدون للقيام بأي شيء للإحتفاظ بها وتطويرها وتوسيعها. وذلك يشمل تشجيع الحروب والانقلابات العسكرية والتغاضي عن الفساد وتجاوز شرائع حقوق الإنسان والشرائع الأخلاقية عموما.

Ken Silverstein:
The Secret World of Oil
Verso, London
and New York , 2014
240 pages

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية