في كل مرة يشرح فيها أحد ما بأن ليست لإسرائيل استراتيجية، الآذان تُصّم. لا توجد استراتيجية هي إحدى العبارات التي تقول شيئاً وتقصد شيئاً آخر. أنت تقول: لا توجد استراتيجية. أنت تقصد: هم لا يفعلون ما اعتقد أنه يجب أن يفعل. هي تقول: لا توجد استراتيجية، هي تقصد: انت لا تفعل ما اعتقد أنه يجب أن يفعل.
لإسرائيل توجد استراتيجية. في غزة أيضاً توجد لها استراتيجية. يمكن الجدال إذا كانت صحيحة أم لا، يمكن اقتراح بديل لها ـ من جزيرة في البحر وحتى أبراج تنبت في الهواء ـ ولكن يمكن الهدوء بالنسبة لمسألة إذا كانت موجودة. بالمناسبة، توجد لإسرائيل استراتيجية، هكذا يخيل لي، بينما ليس لها في أمور أخرى مزعومة، وعلى رأسها مسألة العلاقات مع الفلسطينيين. ما هي الاستراتيجية؟
الانتظار إلى أن يتعبوا. نابوليون كانت له استراتيجية مشابهة: «لا تزعج عدوك عندما يرتكب الاخطاء».
هذه استراتيجية ليست سهلة التحقيق، ولا سيما ليس في دولة حرة وعصبية مثل دولتنا. الصبر هو للدكتاتوريات. في الدول الديمقراطية يريد الناس أن يروا عملا وإلا فإننا سنصوت لأحد آخر، ناهيك عن التغريدات المنفعلة في التويتر. انتظرنا يومين وحماس لا تزال في غزة؟ «لا توجد استراتيجية». مرت ساعتان ولا يزالون يطلقون الصواريخ؟ «لا توجد استراتيجية». يتبين ان الغزيين يعانون، ولكنهم لا يسارعون إلى رفع علم أبيض؟ «لا توجد استراتيجية».
المداولات عن الاستراتيجية تميل لأن تعاني من عدة إخفاقات كامنة فيها عميقا. أحدها ـ الانتفاخ الفارغ. الاحاديث عن الاستراتيجية تبدو محترمة حتى عندما كل ما يسمع فيها هو كليشيهات مضغت حتى أصبحت دقيقا. (إسقاط حماس، خوض مفاوضات، إنسحاب أحادي الجانب، إنسحاب بالتوافق، ضم بالتدريج، بالا ـ بالا ـ بالا). الثاني ـ تسييس مكشوف. الاحاديث عن الاستراتيجية هي غطاء رقيق لمناكفة من يوجد في الحكم (إذ أن نقول أن لديه الاستراتيجية ونحن لا نتفق معها ـ يبدو اقل اقناعا). الثالث ـ غموض فكري. في أحيان قريبة «الاستراتيجية» ليست إلا بديلا عن «الايديولوجيا». الاستراتيجية، للافراد، للمجتمعات أو الدول، تنشأ عن وضع أهداف. من يضع أهداف إسرائيل بشكل ما يستخلص منها استراتيجية ما، ومن يعرضها بشكل آخر يستخلص استراتيجية أخرى (ما يعيدنا إلى نقطة سابقة: ليس لديك استراتيجية هو بديل غير ناجح على أنني لا اتفق معك ـ أيديولوجياً).
ولكن الاخفاق الاساس للمداولات حول لا توجد استراتيجية هو إخفاق الفخار. وهذا فخار يختبىء وراءه تواضع. هذا يعمل على النحو التالي تقريبا: «ليس الواقع هو المشكلة، نحن المشكلة» ـ قسم التظاهر المعذب. «لو فقط كانت لنا استراتيجية، لما حصل كل هذا» ـ قسم التفاخر الذي في جذر ادعاء لا توجد استراتيجية. بكلمات أخرى: ادعاء لا توجد استراتيجية يعتمد على فرضية خفية وكأن كل شيء في ايدينا. إذا كان هناك شيء ما لا يتدبر لنا جيدا، يبدو أننا نفعل شيئا ليس على ما يرام، إذ انه لو كنا فعلنا كل شيء على ما يرام، لكان كل شيء على أي حال على ما يرام. غزة كانت ستشفى، الضفة كانت ستهدأ، والفلسطينيون كانوا سيحبون السلام وجيران طيبون، والسوريون كانوا سيكفون عن ذبح الواحد الآخر، والمصريون كانوا سيدفئون السلام، والإيرانيون كانوا سيذيبون المدافع وينتجون المزامير.
لإسرائيل توجد استراتيجية، فرضية العمل الاساس فيها مختلفة: غزة عالقة، ولن تخرج من هذا قريبا. الفلسطينيون غير مستعدين لجيرة طيبة ـ على الاقل ليس في الشروط التي نبدي نحن الاستعداد لعرضها.
سوريا هي حفرة أفاعٍ يجب تغطيتها. استراتيجية إسرائيل تفترض بأن لإيران أيضاً توجد استراتيجية: التقدم ببطء، بثبات وبمثابرة إلى الاهداف التي حددتها لنفسها. وأمام هذه الاستراتيجية، ما يوجد لإسرائيل أن تعرضه هو استراتيجية موازية: الصد بصبر، الامتناع عن الأخطاء العضال، وعدم البحث عن حلول سهلة لواقع مركب.
ان الضعف الاساس لهذه الاستراتيجية واضح: فهو يكشف إسرائيل وزعماءها أمام ادعاء متكرر بأن ليست لها استراتيجية، ولهذا فان للمبادرات المختلفة والمتنوعة لمحبي الخير أو الشر بتكليف من أنفسهم، والذين يعرفون دوما على نحو افضل كيف يحسنون الوضع فقط إذا ما سمح لهم بتحميل استراتيجية ما. لهذا الضغط أيضاً يوجد لإسرائيل جواب: الصد والصبر. هذه هي الاستراتيجية.
معاريف 31/5/2018
لدينا خطة
شموئيل روزنر