لم يبق سوى أن نقرأ وننظر وننتظر

حجم الخط
0

 

إنهم يستطيعون أن يكتبوا بأنفسهم عن أنفسهم. وبما أن أفواههم مشرّعة حتى الأذنين فإنهم يستطيعون أن يقولوا ما يشاؤون. لم يحصل لي أن كتبت عن أحد، وما كتبته مجرد خيال، لا علاقة له بواقع هؤلاء الذين يثرثرون.
لست كاتباً، وإنما أنا مجرد إنسان يحاول أن يعطي انطباعات عن العالم، مثلما سبق للآخرين أن أعطوا انطباعاتهم، مثلما سوف يعطي الآخرون انطباعاتهم في المستقبل القريب أو البعيد.
سوف تشيخ الكرة الأرضية، ويشيخون. وسوف يموتون مثلما مات السابقون الذين كانت لهم حضارات. مات أنبياؤهم وأولياؤهم الصالحون، وجاءت الرسالات السماوية، ومن يدري، فبعد أن ينقرض هؤلاء بعد ألف عام أو ألفين، فقد يُبعث زرادشت آخر وماني آخر. وأتساءل أحياناً لماذا ولد هذان الشخصان في أذربيجان وانتقلا إلى إيران ثم عادا إلى أذربيجان، وبالقرب منهما أفغانستان وأوزبكستان، ولماذا تنتهي أسماء كل هذه الدول بالألف والنون، كلها دول لمّت شملها ما عدا واحدة اسمها كردستان، ولا يستطيع المرء أن يعرف ماذا سيحصل لهذه الدولة.
على كل حال، سوف تنقرض كل الدول أو تندمج فيما بينها، وقد يتصاهر الهوتو والتوتسي، وقد يصبح الأفريقي الأسود أبيض، والآسيوي الأصفر أو الذهبي أسود. وقد تبيّض وجوههم أو تصفرّ أو تحمرّ في الدنيا قبل الآخرة، أي بعد ألف أو ألفي سنة، لا يهم.
أنا لست كاتباُ، ولم أحلم بأن أكونه ذات يوم. إنني أعرف أن كثيراً من الناس يحلمون بأن يكونوا كتاباً أو رسامين أو مغنين أو ممثلين أو فاضحي عوراتهم حتى يقال بأنهم موجودون وأنهم أنجزوا شيئاً في هذه الحياة. وإنهم سوف يظلون موجودين. هذا هراء، ولهذا لم أفكر في الكتابة ذات يوم، لا من أجل إثبات الذات ولا من أجل الخلود. لكن لا بأس! لماذا لا يستغل الإنسان الفرصة إذا ما أتيحت له حتى ولو بابتسامة ماكرة؟ أن توجد أو لا توجد، فتلك مسألة لا تعني أحداً إلا أنت. كل إنسان لا يهتم إلا بنفسه ولا يعجبه إلا طنين راسه، وإن كان يعتقد بأن الآخرين يهتمون به.
عندما يكتب الكاتب فإنه يعتقد أن كل الناس يهتمون بما يكتب. وفي الحقيقة فإنهم عندما يقرأونه، فإنما ليبحثوا عن أنفسهم وعن مثالبهم الخفية في ما يكتب. ولذلك لم أفكر في الكتابة على الإطلاق لأنني لا أبحث عن مثالب الناس. كيف يمكن لإنسان أن يكتب وهو دائماً حذر، قلق، خائف حتى من ظله أحس بذلك في انطباعاتي عندما أعيد قراءتها.
وقــالت لــي تلك الــحــذرة، القلقة، الخائفة من ظلها:
ـ حبيبي! إنك تقرأ كثيراً وأراك أحياناً تسوّد بعض الأوراق. فلماذا لا تكتب كتاباً فتصبح مشهوراً، ونصبح أغنياء. وإذ ذاك لن أكون مضطرة للحاق بأختي في سويسرا، سوف نتزوج وأبقى معك في المغرب حتى تدفئني وأدفئك.
ـ كوني متأكدة انني لو كتبت كتاباً، فغنه سوف يكون ردئياً، وعندها لن تحبي كاتباً فاشلاً، فالمرأة لا تحب غلا الرجل الناجح، أقصد الرجل الذي يملأ جيوبه ليغلق أفواه الآخرين التي تتكلم كثيراً.
ـ كــم أنت عنــيد! لك أفكار جيدة تستطيع أن تكتبها.
ـ سوف نكتبها جميعاً إذا ما وجدت لي عمن نكتب. لقد كُتب كل شيء ولم يبق لنا سوى أن نقرأ وننظر وننتظر ماذا سوف يحصل فيما بعد.
ـ لست متفقة معك. إنك كاتب وإن لم تكن تعترف بأنك كاتب.
ـ اعرف أن كتابة كتاب واحد، خير من كتابة ألف كتاب. إن ألواحاً قديمة سوف تظل خالدة في أذهان الناس، لكن ما الذي استطاعت أن تغيره كل تلك الكتب أو الأفكار المكتوبة على الجلود أو الأحجار في سلوك الناس؟ لقد تغطرسوا منذ عهد أطلنطا الغارقة، وهيربيديس التي تنام تحت الأنقاض على ضفة مصب نهر اللوكوس. بكل تأكيد لقد كان من بين أولئك الناس حكماء ومفكرون، ولكن لم يفهم أحد كلامهم، كانوا غرباء عن الآخرين لكن الله دفن الجميع تحت الأنقاض. هل زرت مدينة العرائش، فهي مدينة يسكنها أحياء، يستأنسون برائحة أجدادهم الأموات في هيربيديس. سوف تنقرض مدينة العرائش. وقبل أن يموت جميع سكانها سوف يأتي أحفادهم يشوون سمك المحيط الأطلسي، ويشربون النبيذ في دار إسبانيا، وبعد أن يموتوا، سوف تتوالد الأسماك وتنبت كروم أخرى. وهذه الأشياء ـ ما دمت تصرين على أن أكتب ـ هي التي يجب أن أكتب عنها.
ـ حبيبي، إني أعرف أنك قادر على أن تفعل الكثير، كن حكيماً منبوذاً، فأنا لا يهمني الأمر، إذا ما نبذوك فإني سوف أظل بالقرب منك، حتى نموت سوية. حتى نلتحق بسكان أطلنطا أو هيربيديس التي نزلت عليها لعنة الله فأصبحت كومة من التراب، أقصد أصبح سكانها المتغطرسون كومة من التراب.
ـ ومنها خلقناكم وإليها نعيدكم.

فقرات من الفصل V، من «أفواه واسعة»، طبعة 2007.

سيرة القاع والهامش
في صبيحة يوم 25 أيلول (سبتمبر) 2009، صدرت صحيفة «التجديد» المغربية، الناطقة باسم «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي، وعلى صدر صفحتها الأولى مقال يطالب بسحب رواية «محاولة عيش»، للكاتب والروائي المغربي الكبير الراحل محمد زفزاف (1945ـ2001) من المنهاج التعليمي للسنة التاسعة الإعدادية في المدارس المغربية. هي رواية «تدور في الحانات والبارات، وتحرّض على تعاطي الخمر والتدخين والزنا وعقوق الوالدين»، قال الكاتب؛ ومضى أبعد، في هجاء حميد، ابن الثامنة عشرة، الشخصية الرئيسية في الرواية: وتساءلت: «اكتشف ذاته واكتشف العالم من حوله من خلال علاقته الجنسية بمومس، بل تقدم له الرواية الاستسلام للخمر كحلّ للمشكلات النفسية التي تعترضه». يومذاك تولت صحيفة «الاتحاد الاشتراكي»، الناطقة باسم حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» وناشرة معظم كتابات زفزاف، الردّ على «التجديد» عبر ملفّ شامل حول الرواية، ألمح غلى عودة محاكم التفتيش، وشدد على الفارق بين أحكام القيمة في المدونة السلوكية والأخلاقية العامة، ومنطورات الفنّ والإبداع والتخييل.
لكنّ الواقعة كانت واحدة من مؤشرات عديدة، ومتعاقبة، حول الموقع الإشكالي الذي يحظى به أدب زفزاف؛ خاصة في أنه أشبه بسجلّ مفتوح لشخصيات الهامش والقاع والباطن والسطوح الخافية من الحياة اليومية المغربية، حيث الفقر والانكسار والاغتراب والضياع، وحيث وطأة الواقع تتجلى في معطياتها القصوى الأوضح. ولعلّ ما كان يزيد في حدّة أنساق الاستقبال المحافظة، على غرار ما فعلت «التجديد»، هو أنّ قصص زفزاف القصيرة وروايته، وقسط كبير من أشعاره أيضاً، يوحي بالسيرة الذاتية؛ الامر الذي كان «يخدش الحياء» التقليدي، إذْ يبدو أشبه بالتسجيل المباشر، الواقعي والتوثيقي. ولعلّ زفزاف، نفسه، استمرأ هذه الحال من الشدّ والجذب مع القارىء، حين كان يصرّ على المزج بين صوت السارد وصوت المؤلف، ويعتمد طرائق ماكرة في التمويه بين هذا وذاك.
في حياته، نشر زفزاف عشرات الأعمال، بين قصة قصيرة («حوار في ليل متأخر»، «بيوت واطئة»، «الأقوى»،»الشجرة المقدسة»، غجر في الغابة»، «ملك الجن»، «ملاك أبيض»)؛ ورواية («المرأة والوردة»، «أرصفة وجدران»، «قبور في الماء»، «الأفعى والبحر»، «بيضة الديك»، «محاولة عيش»، «الثعلب الذي يظهر ويختفي»،)؛ فضلاً عن الشعر والمقال.

نصّ: محمد زفزاف

اشترك في قائمتنا البريدية