مازن عرفة: «الغرانيق»

حجم الخط
1

 

يجازف السوري مازن عرفة باقتراح مزيج روائي بالغ الثراء والتعقيد والتنوّع، ومحفوف بالمزالق والفخاخ استطراداً، لأنه إنما يزجّ المطلق في قلب الملموس، والمجازي في صخب الواقعي، والفانتازي في منطقة اشتباك الحلم بالحقيقة؛ وكلّ هذا في مسعى تلمّس شخص الدكتاتور، الواحد الواضح أو المتكاثر المتغاير. صحيح أنّ سوريا، بل الانتفاضة الشعبية فيها، لا يجرى إيضاح تمثيلاتها المختلفة حتى قسم الرواية الثالث، بعد «كآبة» و»سادية» وقبل رابع ختامي بعنوان «جنون»؛ إلا أنّ حصيلة سردية زاخرة، تروي عن وقائع وأمكنة وشخصيات ذات هوية سورية طاغية وجلية، لا تكفّ عن التأشير والتعيين والإيعاز على امتداد 356 صفحة.
صحيح أيضاً أنّ مفردة الغرانيق، في أصلها التراثي والدلالي المستقرّ، لا تكاد تخرج عن مفهوم تكريس الوثن المعبود، الزائف غالباً؛ إلا أنّ عرفة ينجح ــ ببراعة ومشقة، ليس دون منح الفنّ الروائي الكثير من حقوقه ومتطلباته ــ في تعريف قارئه على النماذج المعاصرة من الغرانيق، ضمن أمثولة قديمة/ متجددة حول السلطة والعنف والقهر والاستبداد، ثمّ حول تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية، وجنرال الأمن والأمير الجهادي، والعقائد الهلامية التي تتجمع بينهما كما المياه الآسنة في مصبّ مستنقعي مشترك. وصحيح أخيراً، بسبب من هذا تحديداً، أنّ نموذج «الشبيح» في سوريا المعاصرة يجد أوضح نظائره الموازية في نموذج الداعشي.
أصدر عرفة رواية سابقة بعنوان «وصايا الغبار»، وله «سحر الكتاب وفتنة الصورة» و»تراجيديا الثقافة العربية».
هنا فقرات من «الغرانيق»:
«أقف في طرف زقاق مع مجموعة من الشباب لنستطلع الوضع قليلاً في الشارع قبل أن نبادر لفعل شيء. هالني المشهد الذي أراه بين زخات الرصاص التي تنصبّ باتجاهنا. أرى ناراً ملتهبة تتصاعد من محالّ تجارية، ومن منازل تقع فوقها، ومن سيارات مركونة على جانبيّ الشارع، ناراً، فدخاناً أسود يغطي الفضاء بموجاته الكثيفة ورائحته الكريهة. أشمّ منه رائحة الهلع والموت، وألمح الخراب من بين سحبه التي يتلاعب بها الهواء، فتتراءى من ورائها خيالات أشباح مجنونة تروح وتجيء، وهي تطلق النار، صراخ غزو عابث يتعالى في الفضاء، يختلط بعويل نسوة وأطفال.
كان مؤيدو الزعيم الجنرال وشبيحته يتقدمون في الشارع الرئيسي، وهم يصدرون صراخاً بدائياً، معظمهم إما أفراد من الميليشيات الحزبية، أو عناصر في وحدات أمنية عسكرية خاصة، أو هم من المراهقين أولاد العسكر المتعصبين، قدموا من حيّ سكن العسكر، وجميعهم يحملون السلاح ويتقنون استعماله. يطلقون رصاص بنادقهم في كل اتجاه. يطلقون ويرقصون رقصة الموت الوحشية، حيث تستيقظ غريزة سفك الدماء من خزانها البدئي العميق».

نوفل، بيروت 2017

مازن عرفة: «الغرانيق»

اشترك في قائمتنا البريدية