ماهر عزيز حول «أكراد العراق: الوطنية والهوية في كردستان العراق»

حجم الخط
1

 

لندن ـ «القدس العربي»: صدرت مؤخرا النسخة الورقية المعدلة والمنقحة لكتاب ماهر عزيز «أكراد العراق، الوطنية والهوية في كردستان العراق» الذي يُعتبر دراسة مهمة وربما فريدة من نوعها عن الهوية الأجتماعية والسياسية الكردية. ويذكر أن هذا الكتاب يشمل بحثا ميدانيا أجراه الكاتب في جامعات كردستان العراق في السنوات الماضية ووردت نتائجه في أطروحة دكتوراه نالها عزيز في جامعة اكستر البريطانية قبل عودته الى كردستان العراق.
ويكتسب الكتاب الذي نشرته دار «اي. بي. تاوريس» في لندن اهمية خاصة في ضوء الخلافات بين الأكراد في العراق وفي دولة عربية واسلامية أخرى (سورية، تركيا، ايران) مع الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، بالإضافة إلى مواجهة الأكراد العسكرية فيها مع تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) خصوصا في شمالي العراق وفي شمالي سورية.
صحيح أن الكاتب استند إلى حد كبير على أطروحته في جامعة اكستر لتحقيق هذا الكتاب، ولكنه، قبل ذلك، حاضر في جامعات كردستان العراق (صلاح الدين، أربيل، كردستان وهاولر). وهو الآن نائب مدير المنح والعلاقات الثقافية في وزارة التربية الوطنية والبحوث العلمية في حكومة أقليم كردستان في العراق، وبالتالي فهو يملك خبرة كبيرة في الشأن الكردي عموماً.
يشمل الكتاب قسمين: الأول نظري يتناول الهوية الوطنية الكردية في كردستان العراق ولماذا وكيف تستمر برغم «تغييب» الدولة الكردية؟ ويتطرق هذا القسم إلى النظريات الفكرية العالمية والمحلية في هذا المجال وإلى تاريخ الشعب الكردي وتطور انطلاق القومية الكردية في الحقبات المختلفة ما بين عامي 1921 و1991، وما بعد هذا «التاريخ المفصلي» في نظر الكاتب (أي عام 1991) عندما تحولت المناطق الكردية في العراق إلى أقليم كردستان وصار للأقليم مجلسه النيابي وبعد ذلك حكومته ورئيسه.
أما القسم الثاني، فيورد نتائج الدراسة الميدانية التي اجراها الكاتب في ثلاث جامعات كردية في أقليم كردستان العراق ويفسر لماذا اختار دراسة طلاب الجامعات. ويقدم تفاصيل عن منهج جمع المعلومات الذي استخدمه في الدراسة، وطبعا يقدم ويحلل بعد ذلك نتائجها.
ومن الأسئلة التي يطرحها عزيز في الدراسة سؤال حول ما ان كان شباب جامعات أقليم كردستان يمتلكون أكثر من هوية واحدة، وهل مفهوم الهوية الكردية يشكل مشكلة بالنسبة اليهم، وكيف يعرّفون عن أنفسهم أجتماعيا، وما معنى ان يُصنفوا كردستانيين، وهل هذا التصنيف هو الأهم بالنسبة اليهم؟
في الفصل الأول من الكتاب، يقول عزيز أن الأكراد هم المجموعة العرقية الأكبر حجما في العالم التي لا تمتلك دولة خاصة بها. وهذا الأمر يشكل مشكلة بالنسبة للأكراد ولدولة المنطقة عموما والعالم. ويضيف قائلاً أن الأكراد، في معظم مناطق انتشارهم عانوا من التمييز السلبي والتهميش ومحاولات إلغاء هويتهم الكردية وضمهم قسرا إلى هويات قومية أخرى لا ينتمون إليها.
وهذا الأمر حدث في تركيا وإيران والعراق وسورية. ففي كل من هذه الدول حاولت السياسات القومية للأنظمة الحاكمة دمجهم بالقوة في قوميتها، لكنها فشلت. حتى أن بعض هذه الدول رفضت الاعتراف بوجودهم كشعب مستقل الهوية الوطنية والقومية ونكّل بهم عندما اعترضوا على هذا التوجه.
ويعتبر الكاتب أنه، ومنذ عام 1990، تغيرت نظرة الأكراد تجاه أنفسهم وتغيرت أيضا نظرة العالم نحوهم. فبعد أن كان مفهوم «الكردي» مفهوما عرقيا، أصبح مفهوما وطنيا قوميا وتحول إلى «الكردستاني». وكان السبب في هذا التطورات السياسية التي حدثت في كردستان العراق في عام 1991 ثم في 19 ايار / مايو 1992، حين اجريت انتخابات تشريعية كردية، ونشأت على أثرها مقوّمات دولة كردية تضم ثلاث مقاطعات هي: أربيل والسليمانية ودهوك وحيث يقطن اكثرية أكراد كردستان العراق في مدن أربيل والسليمانية ودهوك وجزء من كركوك. كما يسكن أكراد عراقيون آخرون في الموصل وبغداد وديالى، وغيرهم في دول أخرى.
ويشير المؤلف إلى أن حرب الخليج الثانية في 1991 وإنشاء مناطق عازلة في العراق حيث يقيم الأكراد وضعا حجر الأساس لنشوء القومية الكردستانية. وبالتالي فرُض أقليم كردستان العراق كواقع سياسي «الحظر الجوي الذي فرُض منع الاعتداءات العسكرية (وخصوصا الجوية) على السكان الأكراد.
ولدى انشاء حكومة أقليم كردستان (في عام 1992) ساهمت القرارات الأدارية اللاحقة المتعلقة بهذه الحكومة (خصوصا قرار عام 2004) في تجذر القومية الكردستانية إلى درجة أكبر، حسب الكاتب.
الفصل الخامس (في القسم الأول من الكتاب) يتضمن معلومات قيمة ومفيدة، أولها أن دولة العراق هي الوحيدة التي تعتبرُ الأكراد فيها فئة لها هويتها الخاصة بين سكان البلاد.
والسياسة الأستعمارية البريطانية (في عشرينات القرن الماضي) حسب هذا الفصل كانت تشجع القومية الكردية. لكنها كانت ترفض الأستقلالية السياسية للأكراد ولم تكن واضحة، كما أنها توجهت تبعا لمصالحها الخاصة. ومن المسؤولين الاستعماريين البريطانيين في وزارة الخارجية آنذاك (كاللورد توينبي) مَنْ أيدَ انشاء دولة كردية، بينما عارض «مكتب الهند في الحكومة البريطانية» هذا الأمر بحجة أنه سيخلق مشاكل عدة بسبب تشتتت الأكراد في أكثر من بلد.
لكن المشكلة، حسب المؤلف، كانت وجود موارد نفطية في منطقتي الموصل وكركوك. ويقول في هذا المجال: «توصل مخططو السياسة في بريطانيا إلى أن افضل طريقة لأستثمار حقول النفط في (وحوالي) الموصل وكركوك كان بانشاء دولة عراقية واحدة (مملكة العراق) تضم المناطق الكردية في العراق. وبحلول عام 1925، أعلنت بريطانيا أن سياستها لا تشجع ولا تتحمل مسؤولية أنشاء دولة كردية مستقلة أو منفصلة (ص 6).
ولعل هذا المقطع (يضاف اليه مقطع آخر تلاه الكاتب مباشرة) يُعتبر من أهم ما ورد في الكتاب وما زالت آثاره باقية حتى الساعة. ويقول الكاتب فيه: «بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى والأوضاع غير المستقرة التي تلت هذه الحرب، كاد الأكراد والأرمن وأهل الحجاز أن يحصلوا على تطلعاتهم القومية عندما وعدتهم الدول الكبرى (بريطانيا وفرنسا) بامكانية نشوء دولهم المستقلة، وخصوصا الدولة الكردية.
وكان الرئيس الأمريكي آنذاك وودرو ويلسون قد وعدهم شفاهياً بهذا الأمر في خطابه عن «برنامج السلام العالمي» لعصبة الأمم. كما ورد هذا الأمر في «اتفاقية سيفر» ووقعت عليه الحكومة العثمانية ودول التحالف في 10 اغسطس / آب 1920، وورد فيه أن الأكراد سيحصلون على دولتهم بعد سنة. ولكن هذا الوعد لم يُطبّق، خوفا من هيمنة روسيا على القادة الجُدد لهذه الدول» (ص 60 ـ 61).
ويوضح الكاتب أن «اتفاقية سيفر» أعادت رسم خارطة المنطقة (الشرق الأوسط) حسب مصالح الدول الأوروبية، وتم تقسيم الدولة العثمانية على هذا الأساس ومعاقبتها على الوقوف مع خصوم أوروبا في الحرب الأولى. وهكذا نشأت دولتا تركيا والعراق: وبعد ذلك، حرر مصطفى كمال اتاتورك الدولة التركية من الهيمنة الأجنبية إلى حد ما وألغى السلطنة العثمانية وأنشأ تركيا الحديثة عام 1923.
وكادت الدولة المستقلة الكردية أن تنشأ في مؤتمر القاهرة عام 1921 حسب المؤلف بدعم من ونستون تشرتشل وآخرين. لكن بيرسي كوكس وغيرترود بيل عارضا هذا الأمر ونجحا في إبقاء كردستان ضمن العراق. (ص 61).
وبعد رفض اتفاقية سيفر في يوليو / تموز 1923، والتوقيع على «اتفاقية لوزان» بدلاً منها، تم الاعتراف بدولة تركيا بقيادة اتاتورك وتقرر التخلي عن انشاء الدولة الكردية، حسب الكتاب.
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن تعارض الدولة التركية، حسب باحثين ومؤرخين بارزين آخرين على شاكلة الدكتور رشيد الخالدي (جامعة كولومبيا الامريكية) والبروفسور حميد بوزرسلان (معهد الدراسات العليا في العلوم الأجتماعية، باريس)، نشوء الدولة الكردية المستقلة وتفضل التحالف فقط مع أقليم كردستان العراق والأكراد المتنشرين في دول عربية وشرق أوسطية أخرى. وهذا بالإضافة إلى أكراد تركيا أنفسهم وتسعى للتوصل إلى جبهة أقليمية سنّية كبيرة تقودها الحكومة التركية ويكون الأكراد تحت مظلتها.
وأي جهة كردية تعارض هذا التوجه كحزب عبدالله اوجلان (PKK) تعتبر عدوّا. ويؤكد عزيز هذا الموقف التركي في المقاطع الأخيرة من الفصل الختامي لكتابه حيث يوضح المواقف المتضاربة بين الحكومة التركية الحالية وبين قيادة اقليم كردستان العراق ازاء الـ(PKK) ويسعى إلى تفسير علاقة حكومة كردستان بحزب عبد الله اوجلان وبالدولة التركية.
فيقول المؤلف: حاولت القيادة التركية في عام 2006 ممارسة ضغوط على حكومة اقليم كردستان العراق وعلى امريكا لدفعهما لمهاجمة قواعد حزب اوجلان (PKK) في جنوب كردستان (شمالي العراق) بموافقة ضمنية ايرانية.
بيد أن القيادات الكردية في العالم وخصوصا في امريكا الشمالية وفي أقليم كردستان العراق فضّلت الحل الدبلوماسي في هذا الشأن. وحاول رئيس وزراء أقليم كردستان نشيرفان بارزاني الوساطة بين الحكومة التركية والـ(PKK). لكن تركيا رفضت، علما أنها رفضت سابقا وساطة نائب رئيس الوزراء العراقي الكردي برهم صالح ووساطة وزير الخارجية العراقي السابق (الكردي ايضا) هوشيار زيباري.
وأدى ذلك إلى صدور موقف واضح من رئيس أقليم كردستان مسعود البرزاني ومن رئيس حكومته، برفض قاطع لأي عملية عسكرية ضد (PKK) في أقليم كردستان العراق. وبالتالي وقفت أمريكا مع القيادة الكردية وعدلت تركيا عن ضغوطها وطلباتها.
وفي محاضرة ألقاها المفكر الكردي البارز الدكتور حميد بوزارسلان في «كلية الدراسات الشرقية والأفريقية» (SOAS) في جامعة لندن مؤخراً قال إن القيادة الكردية فوجئت عندما هاجمتها قوات «الدولة الأسلامية (داعش)، المدعومة من تركيا. ودُهشت لوقوف تركيا على الحياد، وكأن الأمر لا يعنيها. واعتبر أن ذلك كان جزءاً من المشروع التركي باعادة كردستان لموقع تقع فيه تحت المظلة التركية أملاً في خلق حلف سياسي عسكري بقيادة تركيا في المنطقة يواجه الأحلاف ذات التوجهات العقائدية المختلفة.
وهذه أمور مهمة جدا تطرق إليها الكاتب عزيز في كتابه بشكل غير مباشر في الصفحات الأخيرة منه. لكنه ركّز أكثر مما يجب في استنتاجاته على دور الزواج من ابنة العم كمشكلة اجتماعية في العالم العربي عموما وفي المناطق القبلية في الشرق الاوسط أو تلك التي تبقى فيها الرواسب القبلية، مع أن هذه مشكلة اجتماعية أساسية ولكنها ليست الأهم في تفسير الوضع الخطير الحالي في المنطقة.
الأمر الأهم في استمرار معاناة الشعب الكردي وتهميشه وعدم حصوله على الدولة الكردية التي يستحقها ربما هو استمرار المعارضة التركية لهذا المشروع وبقاء رواسب توجهات الاستعمار الأوروبي والغربي اللذين منعا نشوء هذه الدولة في الاساس، وما زالا يفعلان ذلك، وإن كان بقالب مختلف. وينطبق هذا الأمر أيضا على أوضاع أقليات أخرى كالأرمن والآشوريين وغيرهم وعُدت بدول حرة ومستقلة ولم تحصل عليها.
بالتالي، فاذا عدنا إلى الجزء الثاني من الكتاب، حول الدراسة التي اجراها الكاتب، نجد أنها شديدة الأهمية، ولكن بعض الأسئلة بالإمكان طرحها حول موضوعيتها. فماذا كان ينتظر الباحث؟ أن يقول له الطلاب الأكراد في جامعات كردستان، وأكثرهم في مطلع عشرينياتهم من العمر، إنهم يشعرون بأن هويتهم عراقية، وهم لم يعيشوا في ظل نظام عراقي فرض الأثنية العربية الواحدة؟ وكل ما سمعوه من أهلهم وأقاربهم كان عن بطش النظام العراقي بقيادة صدام حسين بالأكراد واستخدامه السلاح الكيماوي ضدهم.
طبعا، ستكون أجوبتهم أن هويتهم هي إلى درجة كبيرة كردية ـ كردستانية وأنهم يفضلون الثقافة واللغة الكردية والعلم الكردي. وكغيرهم من طلاب الجامعات في بلدان أخرى، فهم لا يثقون بقياداتهم ثقة عمياء، لكنهم يشعرون بأن هؤلاء القادة يوفرون لهم الغطاء الأمني والسياسي الذي يمنع حدوث مجازر جديدة دموية ضدهم في المستقبل ويتمنون غياب المزيد من الخلافات بين القيادات الكردية عموماً (في العراق وخارجه).
ولعل أهم ما في هذه الدراسة هو أن طلاب الجامعات الكردية لا يعتبرون أن الإسلام يشكل العامل الاساسي في الوحدة الكردية. لكنهم مع ذلك يحترمون دينهم، وخصوصا أبناء وبنات المدن الكردية.
كما ان العامل القومي الذي، حسب ما ورد في الدراسة، يتجاوز في أهميته العامل الديني في توجهات الطلاب والطالبات الأكراد عموما. وهذا أمرٌ يختلفون فيه عن نظرائهم في بلدان عربية إسلامية أخرى كليبيا وغيرها، حسب دراسات أخرى أُشير إليها في الكتاب.
وبالإضافة إلى ذلك، فمن الأمور المهمة التي أوردتها الدراسة، عدم انتساب الطلاب والطالبات إلى الأحزاب الكردية الرئيسية أو غيرها. وبرغم ذلك، فإنهم يصوّتون لهم في الانتخابات التشريعية.
ولعل من الأمور اللافتة للنظر في الدراسة أن الجيل الجديد من الأكراد ما زال يعتنق التوجه القائل إن الأكراد يمثلون إثنية مختلفة عن الإثنية العربية في لغتها وعاداتها وتاريخها وهويتها، كما أنها تختلف أيضا عن التركية والفارسية. وبالتالي فإنهم يرفضون دمج هويتهم الحضارية في أي اثنية أخرى.
ولهذه الأثنية، حسب معتقداتهم، الأرض المحددة التي تنتسب إليها. ومن الضروري ألا يحاول أحدٌ أن يسلبهم هذه الأرض التي وُعدوا بأنها ستصبح دولتهم ومقرا لممارساتهم وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم بحرية. ولهذا، فإنهم يكرهون كل مَن حاول ويحاول سلبهم هذه الحرية، ويتعاطفون مع من سعى ويسعى إلى إعادتها إليهم.

Mahir A. Aziz: The Kurds of Iraq: Ethnonationalism and National Identity in Iraqi Kurdistan.
I. B. Tauris, London 2014
256 pages.

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية