نوري الجراح «قارب إلى لسبوس
… وكما لو تجسد أمامنا حياً، زُحَلُ «غويا» وهو يأكل ابنه من أجل سلطته؛ كما لو وضع هوميروس أقدامَنا المتعثرة على دروب فزع الطرواديين الهاربين من مدينة تتناثر قطرات دمائها متقصفةً في الحريق، بحثاً عن سراب ملاذ؛ في غيابٍ بحري لا تضيء أبعاده سوى الآمال الكابية لأضواء كواكب بنات نعش؛ يرتدي الشاعر السوري نوري الجراح في مجموعته الشعرية الجديدة «قارب إلى لسبوس» أقنعة العرافين ورواة التراجيديا اليونانيين، ووجوه وأصوات الضحايا، والمكلومين السوريين، حيث: «دمي منشدي الأعمى»؛ ويرتدي، يا للهول كذلك، أقنعة الجلادين الوحوش الذين تقطر من دماء أجسادهم المجلودة بأوهام التاريخ دماء ضحاياهم:
«في باحة الأموي أقفُ
وأجلد نفسيَ بالسلاسلِ
أجلد وأجلد وأجلد حتى لا يبقى في جسدي مطرحٌ وليس فيه جرحٌ
يصرخ: يا حسين…
وبسيف ذي الفقار أدمي جمجمتي.
من أنا؟»
في باحة الأموي،
أخيراً،
في باحة الأموي
جسدي يشطر التاريخ،
جسدي يمكن نصل الملهاة من نسل معاوية ويزيد».
ولا يرتدي الشاعر هذا، من أجل أن يصف، حيث يعز وصف مأساة شتات السوريين تحت نصال التقطيع والتهجير على دروب الدماء فحسب، وإنما لكي يضع أيضاً بأسلوب سلفه لقيانوس السميساطي، مرآةَ شكرٍ ضخمة ساخرة للتاريخ، وأمام العالم، على حسن مشاهدته لجثث أطفال السوريين تتناثر في غبار المجازر، وتتقاذفها الأمواج بصمت على شواطئ الملاذ: «شكراً لكم/ شكراً لهذا البحر/ شكراً لأزمير الحزينة/ شكراً لتلك الموجة العذراءِ/ حملتني من يديْ أمي/ لتعيد الأرض لي/ لتكون الأرض، كل الأرض، منذ اليومَ قبري.». ولكي يضع أيضاً مرآة وداع يبدو هادئاً بإيقاع لهجة العراف تيريزياس، لـ: «خشب اللوز، للصدف من دمشق في خشب اللوز»، لكنه الوداع الأخرس المهول بقارعة هذه اللهجة حيث: «البوابات سُدت بالمصارع وحامت على الأقواس نسور زاعقة»، في حصارات الدم، حصارات الدم. وفوق كل ذلك لكي يقدمَ الفني الذي يسير فوق صراط فخاخ تغريبة كبرى يدرك الجراح بخبرته الشعرية الطويلة جيداً كما يبدو، حتمية ابتلاعها لما لا يرتقي إلى مستواها من نصوص، ولمن لا يكون دم المغربين في قصيدتها: «دم الضوء وحروف اللغة».
باقترابٍ أكثر من سراب شراع قارب الشاعر إلى لسبوس، وابتعادٍ أكثر بلوح ثلج عن حريقه الدامي الذي أشعله، لاستجلاء القيم الفنية في المجموعة، يمكننا رؤية ولمس وسمع وربما شم تهيكل القصائد الست التي تكونها في بنية بسيطة، تتغلف بتكسراتِ شراعٍ يغيب في الأزرق الشبحي الفيروزي وفق تصميم وإخراج الفنان خالد الأنصاري، وتتوضع متشابكةً مع لوحاتٍ مفزعةٍ بشخوصها الشبحية الغرقى والطافية بطائرات ورقية بالأبيض والأسود للفنانة السورية ريم يسوف، لتخلق وتبث بهذا التلاحم الفني الرفيع روح الغياب التي تسيطر على القارئ في المجموعة.
في هذه البنية غير الهندسية التي تتناثر مكوناتها في الظاهر مثل أمتعة ركاب تخلفت عن قارب غرق لتوه واختلطت دون ترتيب بالجثث، يفتتح الشاعر مجموعته بقصيدة «قارب إلى ليسبوس»، التي تحتل أكثر من نصف المجموعة، وُيتبعها بخمس قصائد تحت عنوان قصائد أخرى، مكللةً بتيجان عناوين متألقةٍ، وتنبض بذات الروح: «جهة الجبل، الوصول إلى أثينا، أنشودات وسوناتات، ثلاث طفلات، والقصيدة ما بعد الأخيرة»، وتتخلل دواخل القصائد عناوينَ تقسمها إلى مقاطع، يختمها مقطع «لم أكن في دمشق»: «وصلتُ إلى نهاري على حصان قتيلٍ/ وصلتُ/ ورأيتُ النهر محترقاً/ والأشجارَ هاربةً على الوادي/ السماءُ أطبقت على الأرض/ والفتى الصريع سد بقامته باب البيت».
وما يلفت الانتباه في هذا الترتيب الذي يبدو زمنياً، مع بعض تقديمات قصائد على قصائد كُتبت بعدها، هو انتظامه في بنية عميقة تجري فيها إعادة تكوين مأساة الشتات بستّ نصال، تقطر منها دماء السوريين التي تتكرر كمفردات لا تكاد تخلو منها قصيدة. وما يؤكد هذا الانتظام هو إدراك الشاعر بوضوح لما يستخدم في تسيير قاربه من أدوات؛ فإضافة إلى سير القصائد الخمس بذات الروح مع القصيدة الأولى الأساس (لمَحْوَرة المجموعة حول الشتات السوري، ونقله من أبعاده البسيطة المنظورة كتهجير قسري فاجع لشعب أعزل أمام الصواريخ والبراميل المتفجرة، إلى أبعاد الرؤية التاريخية لعلاقات هذا الشعب مع محيطه الذي أصبح يشكل الملاذ، والرؤية المستقبلية لمصير المهجرين داخل هذا الملاذ)؛ يخطو الشاعر خطوة أبعد في تطوير البعد التراجيدي الذي بدأه في قصيدته السابقة لهذه المجموعة: «الأيام السبعة للوقت». وعلى غرار أسلافه الذين اخترعوا الأبجدية، وتركوها للعالم على ألواح، ينشر الشاعر أشرعة قاربه السرابي المأمول إلى لسبوس، على ألواح يفتتحها بلوح إغريقي يرتدي فيه قناع شاعرة الإغريق سافو، التي تنوح متألمة ومتحسرة من منفاها في صقلية، على أشقائها السوريين «الخارجين من لوح الأبجدية المكسور»، السوريين الذين شهدتْ نقل عنب شامهم، من داريا، ودوما ووادي الشآميات اللواتي تضوع أياديهن بالأدهان الطيبة، إلى بلادها؛ وتشهد الآن نقل أطفالهم على متن أمواج بحرها «جثثاً بلا وجوه»… ويُلحق الشاعر بهذا اللوح ستة ألواح يعرض فيها عمق جراح شتات السوريين التي تشكل مأساة العصر، ويختمها بلوح إغريقي تلوح فيه يد سافو مودعةً ضحايا الشتات ولكن مع ترك وصيتها المتضمنة رؤية الشاعر لمصائر أشقائها في هذا الوداع: «أيها السوريون الهلاكيون، السوريون المرتجفون على السواحل، السوريون الهائمون في كل أرض، لا تملؤوا جيوبكم بتراب ميت، اهجروا الأرض تلك ولا تموتوا. موتوا في المجاز، ولا تموتوا في الحقيقة. اتركوا اللغة تدفنكم في أوصافها، ولا تموتوا وتدفنوا في ترابٍ. ليس للتراب ذاكرة سوى الصمت. أبحروا في كل جهة، وفوزوا بضجة أرواحكم. ووراء العاصفة والهشيم انهضوا في كل لغة وكل كتاب وكل أجل وكل خيالٍ، واضطربوا في كل ترابٍ، وانهضوا كما ينهض البرق في الأشجار».
ويُدخل الشاعر في تطوير البعد التراجيدي في قصيدته، ما يتكامل مع هذا البعد بإثراء هادئ يركب للقصيدة أجنحة التخييل، مثل استخدام أسطورة قدموس السوري، الذي هام بخطى الفاجعة دون جدوى بحثاً في مدن الإغريق عن أخته التي منحت قارة أوروبا اسمها، ولم يبق منه الآن «سوى حطامٍ في قارب»، وأكاذيب حماية إله البحر الغادر بوصيدون، وأوهام عودة عوليس إلى إيثاكا، وغسل دم هابيل من يد قابيل، وفكر وفلسفة وسخرية السوري الفراتي لقيانوس السميساطي، واستيهامات قارة البشرية الضائعة أطلانتس، والكثير الكثير الفاجع في خطاب التحسر على سوريا التي تنتهك تحت الأنوار الساطعة لسماء الأمم الغادرة:
«قلب من لم يدمى بعد،
قلب من لم يدمى لأجلك يا سوريا،
هل بقي قلبٌ لم ينزف اسمك الجميل بين الأسماء
الأمم أخرجت النصال من الخزائن
جنود العماء يجمعون أجمل صِبيتك وبناتِك ويحزون رقابَهم
في آنية
ويملؤون بها السلال».
ويُجري الشاعر هذا التطوير، بأسلوبه المميز في قصيدة النثر التي بقي على وفائه لها أيضاً في هذه المجموعة، طازجةً ومتألقةً وتحلق بأجنحة إيقاع التفعيلة إن اقتضى ذلك النشيد، مع غلبة إيقاع تردد الموج الذي تتراقص على انسفاحات زبده، بما يحمل للشاطئ من أمتعة تختلط بالجثث، لغةُ القصائد، بمفردات الشاعر المتلاحمة بموضوعها.
«قارب إلى لسبوس» مجموعة شعر متميزة، ليس على صعيد الأعمال الأدبية التي تناولت المأساة السورية حيث يصعب على أي عمل فني استيعاب وتجسيد هولها، دون الوقوع في فخاخ المحدود وقصقصة أجنحة غير الحامل لمفاتيح الرؤية فحسب، بل مميزة أيضاً على صعيد أعمال الشاعر نفسها، لمن يتابعون تجربة نوري الجراح الذي فرض شعره باحترام على حداثة قصيدة النثر.
نوري الجراح: «قارب إلى لسبوس»
منشورات المتوسط، ميلانو 2018
134 صفحة
المثنى الشيخ عطية