مجموعة «قهقهة شقية» للقاص الليبي جمعة الفاخري: نزعة حكائية لا تنجو من براثن القول

حجم الخط
0

 

يحرص القاص جمعة الفاخري في هذه المجموعة على تقديم مدوّنة قصصيّة تتقاطع مع المنجز السابق والحالي في هذا اللون من السرد، وتنشد في الوقت ذاته إعلان خصوصيتها التي تتلمس طريقها بصعوبة شديدة، نظراً لوعورة مسالكها، وحاجتها الشديدة إلى الإدهاش بسبب قصر شريطها اللغوي، وكثرة كُتَّابها، وإمكانية التكرار فيها.

العناوين ورحلة العتبات النصية

حين لفت النقاد النظر إلى العنوان بصفته عتبة نصية؛ ربما أرادوا الإشارة إلى محوريته، وربما أدرك القاص هذا؛ فأبدى شغفاً بالاشتغال عليه، من خلال التركيز على العنوان/المفردة/ المصدري، الذي يريد أن يعطي إطلاقية للفعل، والهروب من التقييد الزماني أو الصياغي التقليدي، أو الطول المنافي لطبيعة القول، إذ تترجَّح العناوين بين التميز الذي يصعب تكراره في نص آخر، وبين عناوين مطروقة يمكن أن نعثر عليها، أو سبق أن عثرنا عليها في نصوص سابقة مثل (خيانة، حياة، استقامة، غياب، تسلل، احتجاج…). ولا يبدو أن القاص حرص في معظم نصوصه على صنع خصوصية في العناوين، إذ اكتفى بملاءمة العنوان لرسائل القصة غالباً، فوظَّف المفردة الملائمة التي قد تحقق المبالغة، أو المفارقة، أو تداعب الثيمات المبثوثة في النصوص، وأحسبُ أنّ القصة القصيرة جدّاً في كثير من تجلياتها النصية تسعى لشحن العناوين بطاقات جمالية ودلالية إضافية تشارك النص تأكيد خصوصيته، وهو ما يصعب الحصول عليه في مواضع عدة في تلك المجموعة.

شغف في الحكاية

لا تستغني نصوص المجموعة عن حكائيتها الصريحة، مبتعدة عن اجتهادات شعرية أو مقالاتية أو خاطراتية، مركزة على الحدث واضح المعالم المرتبط ببداية ونهاية، مستحضرة أدوات الحكائية من وصف وحوار ووجهات نظر، الحريصة على إيصال مقولة ما في نهاية النص. دون أن يقود ذلك الإخلاصُ للحكائية إلى الوقوعَ في براثن نافل القول، فالنصوص تعلمُ أن هويتها تكمن في تبدّ من تبدّياتها بالتكثيف، واللغة المُحمَّلة بحمولات دلالية ثرية، وتعلم أن خروجها عن التكثيف سيفقدها إحدى أبرز سماتها، غير أن هذا التكثيف بدا أنه بحاجة ماسة إلى جرعات إدهاشية وفنية.

خصوصية بيئوية

يلهث المتلقي خلف «تبْييئ» منشود يمنح المزيد من الخصوصية لنصوص المجموعة، فلا يعثر عليه، ليسائل نفسه عن أسرار ذلك ونحن أمام قاص عرف باهتماماته الشعبية والبيئوية، ليس من حق الناقد بمفهوم من المفاهيم أن يبحث عما يرتجيه، بل هو ساع لقراءة ما هو موجود في النصوص، ربما لا يعلم القارئ أن من كتب تلك النصوص قادم من ليبيا أو من بنغازي أو من أجدابيا، وقد يستعيض القاص عنه بمحاولات خجولة للتناص مع مثل «القشة التي قصمت ظهر البعير» في توظيفيْن مختلفيْن و»المتنبي» و»سيزيف» وتفاحة نيوتن في نصيْن. و»كليب والناقة» في نص عنوانه «تقارير»: «أكَّدَتِ تَقَارِيرُ صِحَفِيَّةٌ مَا يَلِيْ:/ أَنَّ كُلَيْبًا لَمْ يَقْتُلِ النَّاقَةَ../ وَالْبَسُوسَ لا تَمْتَلِكُ نَاقَةً ../ جَسَّاسًا لَمْ يحْمِلْ قَوْسًا وَلا لَهُ سِهَامٌ../ فَمَا مُبَرِّرُكَ أَيُّهَا  الْمُهَلْهِلُ، فِيْ هَجْرِ النِّسَاءِ/ وَتَرْكِ الطَّهَارَةِ.. وَمُعَاقَرَةِ الْخَمْرِ/ وَإِدْمَانِ الْحُرُوبِ ..!/ صَفْقَةٌ مَعَ الرُّوَاةِ الْمُفْلِسِينَ../ وَسَمَاسِرَةِ التَّارِيخِ../ ومُرْتَزِقَةِ الدَّرَامَا الْمَرْئِيَّةِ..».
تبدو الكثير من نصوص القاص في هذه المجموعة صلدة أمام ما يحدث، كأنها خارجة من زمان آخر، فلا تكترث بتفاصيله، ويكاد يعتقد المتابع أنها كتبت في غير هذا العقد من الزمان، إذ يحاول القاص أن يبعدها عن اليومي، لكنها بذلك تفقد شيئاً من روحها ونزقها.

صراع التقليد والتجديد

لا يفارق الكاتب الأفكار التقليدية في مناطق عدة، فالناقد- كما يرى الكاتب- «يكأكئ» حول النص، والحبيب تتركه حبيبته، والزعيم متعلق بالسلطة، ومن أجل ذلك نقتقد الدهشة التي يحققها الإبداع في كثير من نصوصه ومحاولة تفريخ الأفكار أو توليد تأويلات جديدة قليلة.
يلجأ القاص في بعض النصوص إلى اجتراح تأويلات مختلفة، فمصطلح ق. ق. ج يعني عنده: «معاناة ـ تسلل ـ أخ- خبز» في محاولة للاقتراب من عالم الإبداع القصصي الذي يتيح تقديم نصوص مختلفة. والعوالم التي تشغل بال الكاتب هي عوالم الكتابة تبدت في «خمسة» نصوص، وعوالم علاقة المرأة الرجل، وعلاقة الإنسان بظله كتب عنها «اثني عشر» نصاً، ربما كان من الأجدى كتابتها في متوالية قصصية واحدة، تتحدث عن الظل، من ذلك نص بعنوان «خيانة»: «حِينَ اعْتَصَرَنِي الْعَطَشُ الْقَتُولُ../انْفَصَلَ ظِلِّي عَنِّيْ../ رَكَضَ مُسْرِعًا../ تمَاهَى وَالسَّرَابُ الْكَفُورُ../ وَاخْتَبَأَ يَرْقُبُ مِنْ بَعِيدٍ مَوْتِي ..!».

تفاصيل من قلب وجع الواقع

الكثير من القصص ذات طابع واقعي يعتمد على التجربة المعاشة وهناك قصص ذات طبيعة مجردة تريد أن تعبر عن قناعات معينة عبر الضمائر والثنائيات والوحدة وعدم التشتت والابتعاد عن المجسَّد وفقدان التشخيص، والأسماء والمفارقة بين بدايته ونهاية النص والعنوان.
وكذلك يطمح القاص للحديث عن الفرد وموقف الجماعة منه، فهو المتميز وهم القامعون، وهم الذين يعتقلونه في نص «انكسار»: «اِعْتَقَلوا ظِلَّهُ.. وَأَطْلَقوا سَرَاحَهُ../ سَارَ قَلِيلاً ../ ثُمَّ اِنْكَسَرَ ..!!». وهم الذين يستهزئون بتميزه في «انشغال» وهم الذين «يكأكئون» حول نصه لقتله. ويتبادل الدور معهم؛ فهم الداعون لتقديس القديم وهو المُعرض في «إعراض» وهذا شأن المتميزين، أليس المتنبي أحدهم في «استجواب» وهو تاركهم؛ المنتمي لظله في «تسكع»، الراغب بالتخلص من هذا الظل في «فينيق»، والظل ذاته يعطيه الفرصة ليهين الحاكم في «تشفٍّ»، ويتيح له الظل التخلص من محاولتهم دفنه في «مرافقة» ومع أن الحسناء تفقد ظلها إلا أن ألف ظلّ يلتف حولها كما في نص «التفاف»:»صَاحَتِ الْحَسْنَاءُ: لَقَدْ أَضَعْتُ ظِلِّي..!!/ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهَا صَوْتُهَا الْتَفَّ حَوْلَهَا أَلْفُ ظِلٍّ ..!».

التخييل مخرجاً

تلجأ بعض شخوص النصوص القصصية إلى الخيال كي تحلّ مشاكلها مع الواقع، كما مع صاحب الوعود القولية الكثيرة في «خيال» ولا تتردد المرأة في الانسحاب من محل المرايا هروباً من الحقيقة، ولو أتيح للمرايا أن تغوص في أعماق من يصنعها لوجدت صورة مختلفة كما في نص في «كشف»، والفرد يريد أن يضع الجمهور في سلة واحدة فيحوّلهم إلى جماجم مسرحية في نص «أنشوطة»، وإذا لم يجد فكرة تغريه سينام في نص «فكرة» وهو الذي يستجيب لإغواء آلة الزمن التي ترميه إلى مقعده من النار في نص «آلة» وهو الباحث عن صورته الحقيقية في نص «غبار».

خيبة أمل

يخيب أمل الكاتب في «ق ق ج» خاصة من خلال التأويل الجاهل الذي يواجهه به الإعلامي، حين يكتب نصاً قصصياً يتجادل حوله الناس، فالمؤلف يموت ويبقى النص حياً، وفي «موت» تشتكي القصة من راويها معولة على متلقيها، وفي «صورتان» يحضر الغدير بصفته مرآة ويغيب هو حين تختفي، ويؤكد حتمية العلاقة بين الزمار والمزمار، وفي «تآكل» كذلك يحدث سوء تأويل من المتلقي لإطار الصورة، والخطيب لا يكترث بموقف الناس من خطبته ونعاسهم حيث يتابع بغير اكتراث، لكنهم في الوقت نفسه الجماعة الحالمة في «إمطار»، ويقدم صوراً محيرة حيث تنفتح الإشارة لكن السائق ميت، وكذلك صيغة السؤال والجواب الحواري حول كلمة «آآآخ»!
ويتناول الوفاء بين الكرسي وصاحبه بخاصة إذا كان الكرسي لمُقعد، ويضيء على موقف الجمادات من بعض تصرفات البشر؛ إذ تدور في فلكه عدد من القصص منها «عفن»: «مَسَاءً؛ كَفَّنُوهُ بِعَلَمِ وَطَنِهِ../ دَفَنُوهُ.. وَمَضَوا../ لَيْلاً ؛ زَكَمَتْ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أُنُوفَ النَّاسِ../ فِي الصَّبَاحِ كَانَ قَبْرُهُ ينَفُثُ عَفَنًا كَفَضَلاتٍ بَشَرِيَّةٍ../ فِي السَّمَاءَ كَانَ الْعَلَمُ يَتَوَارَى خَلْفَ غَيْمَةٍ دَاكِنَةٍ..». يلفظ العلم من لُفَّ به، غير مصدق للرواية الرسمية، التي تحاول تغليب الرسمي على الواقعي، ويبدو هذا النص من نصوص نادرة شاهداً على محاولة مقاربة الزمن العربي المعاصر.
أخيراً، يبدو من الواضح أن معظم قصص هذه المجموعة تحاول أن تدور في فلك الشائع من مكونات القصة القصيرة جداً، غير أنها تدرك في الوقت نفسه أن الحفر في الفن، والتدرّج في الابتعاد عن مركز الدائرة قد يكون مدخلاً مأمولاً لإعلان خصوصية التجربة في الإبداع بعامة.

جمعة الفاخري: «قهقهة شقية».
دار العالمية، الإسكندرية 2014
96 صفحة.

أحمد الحسين

اشترك في قائمتنا البريدية