كانت قاعة المحاضرات تغص على اتساعها بمن توافدوا إليها بلهفة الظمآن للمطر من مثقفين وأميين وعمال وموظفين وفلاحين وحرفيين وطلاب ناجحين وراسبين، وفي طليعتهم مشوهو الحروب والعاطلون عن العمل، تركوا بيوتهم ومدارسهم ومزارعهم ومصانعهم متحدين الإنذارات الموجهة إليهم بالفصل عن عملهم، وجاؤوا للاجتماع إلى سيد من سادة الرفض والتنظير في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها أمتهم وشعوبهم وأوطانهم. وكل منهم يحمل في صدره من مرارات الماضي بقدر ما يحمل من الآمال في المستقبل، لعله يسمع كلمة صدق واحدة تعيد له ثقته بنفسه، وتنير له طريق العمل والكفاح وسط هذا الغيهب الإعلامي المترامي من المحيط إلى الخليج.
وما أن وصل المحاضر حتى هب الجميع من مقاعدهم ودوّت أركان القاعة بالتصفيق وصيحات التهليل بالكلمة المحاربة والفكر المقاتل، ورفضوا الجلوس إكباراً لعلمه واحتراماً لماضيه وكبر سنّه.
كذلك عندما تقدم عريف الحفلة من المحاضر ودعاه للجلوس وراء المنبر، رفض هو الآخر بدوره الجلوس وهم واقفون. كما رفض الوقوف وهم جالسون. وعندما اقترب منه ليهمس في أذنه بشيء ما، رفض الإصغاء إليه ودفعه بعيداً عنه وقال: لا أسرار صغيرة أو كبيرة بعد اليوم تخفى عن الشعوب. ويجب مصارحتها بكل شيء لتعرف من هو عدوها ومن هو حليفها. كما أرفض أن يقاطعني أحد وأنا ألقي محاضرتي، لأن الرفض يجري في دمي، وفي عروقي وأوردتي وشراييني، ومن رأسي إلى أخمص قدمي، وها هي الصورة الشعاعية والتقارير الطبية تؤكد لكم على ذلك.
العريف: هنالك سؤال يدور على ألسنة المثقفين…
المحاضر: أعرفه تماماً، إنني في جميع أقوالي ومؤلفاتي أرفض جميع الحلول السلمية، وقرارات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وتوصيات القمم العربية والإسلامية وعدم الانحياز، وأرفض حدود 1967، وحدود 1956، وحدود 1948، لأنها في النهاية تكريس لوجود إسرائيل كمخلب قط للاستعمار وعلى رأسه أمريكا وحلفاؤها في المنطقة.
العريف: وهناك سؤال آخر حول…
المحاضر: لا تقاطعني، كما أنني أرفض الوضع العربي الراهن وأرفض الأسس التي يقوم عليها من خلافات ومصالحات، وتصفيات واتفاقيات، ومعاهدات لا علاقة لها بالشعوب وأهداف الشعوب. إن هذا ما يريده أعداء هذه الامة، وعلى رأسهم أمريكا وحلفاؤها في حلف شمال الاطلسي. إنني أختنق. إنني أختنق من رائحة التآمر والمؤامرات.
العريف: افتحوا الشبابيك…
المحاضر: لا، إنني أرفض التهوية، وهناك ملايين العمال والفلاحين والمناضلين محرومون من النور والهواء في أعماق السجون والمناجم وآبار النفط في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. آه إنني بردان.
العريف: أشعلوا المدفأة.
المحاضر: لا، إنني أرفض التدفئة وهناك ملايين الرعاة والبحارة والصيادين يكدحون تحت الثلج والصقيع في المزارع والمعامل والمصانع، في خدمة البرجوازية والاحتكارات العالمية. لا، لا تصفقوا أرجوكم. ادخروا راحات أيديكم لحمل السلاح. لحمل العصي والحجارة. لضرب المصالح والاحتكارات الأمريكية في آسيا وأفريقيا وفي أمريكا اللاتينية، وفي كل مكان من العالم، وشكراً لإصغائكم.
العريف: عفواً أستاذ، إن الحضور لا زال متشوقاً للمزيد من هذه الدرر ويريد أن يعرف المزيد من الفظائع التي ارتكبتها أمريكا في فييتنام وكمبوديا ولاوس وتشيلي والسلفادور، لأننا نمر في نفس الظروف التي مرت وتمر بها.
المحاضر: آسف، فعندي التزامات بمحاضرات كثيرة في معظم أرجاء العالم الثالث، والالتزام شعاري كما هو معروف. وعلينا جميعاً أن نوقف المؤامرة، وننقذ الأجيال الطالعة مما تخبئه لها أمريكا من مخططات ومكائد.
العريف: رجاء أستاذ هناك سؤال من أحد المستمعين.
المحاضر: ما اسمه؟
العريف: جابر.
المحاضر: أرفض الإجابة على أي سؤال منه لأن اسمه يبتدئ بنفس الحرف الذي يبتدئ به اسم جيمي كارتر وجيرالد فورد وجورج واشنطن…
العريف: هنالك سؤال آخر من إحدى فتياتنا المشتعلات حماساً لك ولمؤلفاتك، ويتعلق بدور المرأة العربية في هذه المرحلة…
المحاضر: وما اسم صاحبة السؤال؟
العريف: نعيمة.
المحاضر: أرفض حتى الجلوس معها في كل مكان لأن اسمها يبتدئ بنفس الحرف الذي يبتدئ به اسم المدمرة نيوجرسي… على كل حال، لم تعد الشعوب بحاجة إلى أسئلة وأجوبة، فكل شيء بات واضحاً أمامها الآن. ولا عدو لها سوى أمريكا وحلفائها في العالم أجمع وإلى اللقاء على أشلائهم جميعاً.
وبعد أن غادر القاعة وهو يمسح العرق عن جبينه، والرذاذ عن شفتيه، لحق به متسول في الظلام.
المتسول: حسنة لله يا محسنين…
المحاضر: هل معك صرافة مئة دولار؟
«سأخون وطني»، 1978
حداثة فطرية
ثمة خصائص كثيرة تسوّغ تصنيف الشاعر والمسرحي السوري (1934 ـ 2006) في صفّ كبار روّاد قصيدة النثر العربية المعاصرة، وهذا أمر صار مسلّمة ناجزة، تحظى بإجماع واسع النطاق. هنالك، في هذا، ثلاثة مستويات بارزة، بين أخرى لا تقلّ أهمية بالطبع؛ أوّلها أنّ الماغوط كان المعلّم الأمهر في تفجير الطاقات الإيحائية والتعبيرية الهائلة التي ينطوي عليها النثر، بوصفه نثراً أوّلاً وأساساً. وكانت فطرة الشاعر هي فطرة الشعر الخالص، والشعر الطبيعي، والشعر الأعجوبة البسيطة التي لا يضلّ القارئ طريقه إلى عبقريتها. تلك، في الآن ذاته، كانت فطرة معمارية تركيبية تخصّ البنية ولا تسقط اعتبارات الشكل، من حيث صياغة الجملة وإيقاعات التنويع في تركيبها النحوي.
ورغم أنّ الماغوط لم يكن مصاباً بأيّ من «فيروسات» الشعر الفرنسي التي أصيب بها مجايلوه من شعراء قصيدة النثر العربية أواسط الخمسينيات، فإنّ نثره كان بحقّ «نثر الحياة اليومية»، تماماً كما حلم به الشاعر الفرنسي بودلير منذ أواخر القرن التاسع عشر. وكان قاموس القصيدة يبدو في السطح متقشفاً، أو حتى محدوداً، في المقياس الكمّي الأقصى الذي تتطلبه قصائد قصيرة أو متوسطة غالباً، تغطي حلقات عيش هذا البطل المضادّ الصعلوك الشريد، ودوائر وجوده، وأحزانه، ومراثيه، وأحلامه، وأفراحه القليلة وأتراحه الكثيرة.
المستوى الثاني أنّ الماغوط تكفّل بنقل موضوعات قصيدة النثر العربية الخمسينية من الذهني والميتافيزيقي والتأملي الصرف، وهي الموضوعات التي كانت قد تسللت وهيمنت من خلال التأثر الطاغي بقصيدة النثر الفرنسية أكثر من سواها، إلى شؤون الصعلكة والتسكع والحرمان والحزن، والرعب من رجل الأمن ومن رموز المحرّم والمقدّس سواء بسواء. ولسنا نعرف شاعر قصيدة نثر غاص إلى قاع الشارع، ونقل هواجس وأحلام ومخاوف وآمال مواطن الشارع، كما فعل الماغوط في ذلك العهد. كما لا نعرف أنّ رائداً سواه نال مثوبته الكبرى في إقبال قارئ الشارع على قصيدته، واستقبال فنّه الجديد بترحاب وإعجاب، دون جوازات مرور تنظيرية حداثية أو طليعية مسبقة الأحكام.
وفي المستوى الثالث كان الماغوط رائداً في الانتماء إلى حقبة الحديث والحداثيّ، وفي تجسيد طراز من الحداثة مركّب ومتعدد وتعددي ومستقلّ، فضلاً عن انطوائه على حسّ ما بعد حداثي مبكر، في آن معاً. وأما الفضيلة الكبرى لتلك الحداثة فهي أنها لم تكن بالضرورة مطابقة لأيّ من «الحداثات» الغربية الشائهة المشوَّهة أو الناقصة المنتقَصة، التي شاع ابتسارها وتقليدها وتكريسها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
والماغوط شاعر مقلّ، بالقياس إلى مكانته وتأثيره، فقد صدرت له ثلاث مجموعات فقط، «حزن في ضوء القمر»، و»غرفة بملايين الجدران»، و»الفرح ليس مهنتي». لكنه كتب في المسرح، والدراما التلفزيونية، والمقالة الساخرة، ورواية واحدة يتيمة. ومنذ 1970، تاريخ صدور مجموعته الثالثة، وطيلة العقود التي شهدت صمت الشاعر لصالح المسرحيّ وكاتب المقالة الصحافية؛ لم يكن مدهشاً أنّ تأثير الماغوط على أجيال متعاقبة من شعراء قصيدة النثر ظلّ عظيماً ومتعاظماً وفريداً، وعابراً للجدل المحتدم حول موضوعات هذه القصيدة، وجمالياتها وأساليب كتابتها.
محمد الماغوط