هي بجسمها النهري قوّة برّ، ولكنها بسواحلها قوة بحر، وتضع بذلك قدماً في الأرض وقدماً في الماء. وهي بجسمها النحيل تبدو مخلوقاً أقل من قوي، ولكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأساً أكثر من ضخم. وما زالت تلك بالدقة مشكلة مصر المعاصرة. ففي عصر لم تعد فيه «أم الدنيا»، فإنها تبدو اليوم وقد أصبحت مشكلة سياسية للعالم ولنفسها. فهي أصغر من أن تفرض نفسها على العالم كقوة كبيرة، ولكنها أيضاً أكبر من أن تخضع لضغوط العالم لتنكمش على نفسها كقوة صغيرة، أعجز عن أن تلفظ العدو الإسرائيلي ولكنها أكرم من أن تركع له. ولمصر أبعاد إقليمية أربعة تجسم وتختزل توجهها الجغرافي بدقة وحساسية.
بعدان قاريان: الأفريقي والآسيوي، وبعدان إقليميان: النيلي والمتوسط. الأبعاد الأولى تجعلها أفريقاسية تواً، ولكن المتوسطي يجعلها أورافريقية أيضاً.
وكما أن تعدد هذه الأبعاد يعني تعدد الجوانب وثراء الشخصية لا انفصامها، فإن مصر لا تشعر بينها «بدوار جغرافي» قط، وإنما تظل في التحليل الأخير وفي نواتها الدفينة هي مصر، مصر العربية فقط ودون ازدواجية. كيف ولماذا؟
فرعونية هي بالجد، لكنها عربية بالأب. غير أن كلا من الأب والجد من أصل مشترك ومن جد أعلى واحد. فعلاقات القرابة والنسب متبادلة وسابقة للإسلام بل وللتاريخ. وما كان الإسلام والتعريب إلا إعادة توكيد وتكثيف وتقريب. ولهذا فإن التعريب، وان كان أهم وأخطر انقطاع في الاستمرارية المصرية، إلا انه لا يمثل ازدواجية بل ثنائية. فلا تعارض ولا استقطاب بين المصرية والعربية، وإنما هما اللحمة والسداة في نسيج قومي واحد.
ومصر بالذات محكوم عليها بالعروبة وبالزعامة، ولكن أيضاً بتحرير فلسطين، وإلا فبالإعدام، فمصر لا تستطيع أن تنسحب من عروبتها أو تنضوها عن نفسها حتى لو أرادت ـ كيف؟ وهي إذا نكصت عن استرداد فلسطين العربية كاملة من البحر إلى النهر وهادت وهادنت وخانت وحكمت عليها بالضياع، فقد حكمت أيضاً على نفسها بالإعدام، بالانتحار، وسوف تخسر نفسها ورصيدها، الماضي كالمستقبل، التاريخ والجغرافيا.
لكن مصر، رغم ثلاثية النكبة فالنكسة فالكارثة العظمى، لا يمكن أن تركع وتستسلم للعدو تحت أي شعار زائف أو ستار كاذب. ومصر مستحيل أن تكون خائنة لنفسها ولشقيقاتها، وليس فيها مكان لخائن أيا كان موقعه كما اتهمها البعض مؤخراً. ورغم كل شيء، فإن كل انحراف إلى زوال، ان عجز الشعب المغلوب على أمره عن كسحه إلى سلة قاذورات التاريخ، فلسوف يفعلها التاريخ نفسه.
غير أن على مصر، كما على العرب، أن ترتفع إلى مستوى التحدي والمسؤولية: الأولى بأن تعطي العرب قيادة عبقرية جديرة قادرة لا قيادة قميئة عاجزة خائرة، والثانية بأن تعطى مصر كل شحنة وطاقة من القوة المادية والمعنوية تدير بها الصراع. إن مصير مصر ومكانتها في العالم سيحددها مصيرها ومكانتها في العالم العربي، ومصيرها ومكانتها في العالم العربي سيحدده مصير فلسطين.
ولقد خلق البترول العربي نمطاً جديداً، وإن يكن ثانوياً ومؤقتاً، من توازن القوى السياسية داخل العالم العربي. وهذا الاختلال أثار وعرى كل كوامن الحساسيات الوطنية بين العرب، حتى ليوشك أن يتحول إلى عامل تفريق وتمزيق للعرب بعد أن كانت مأساة فلسطين عامل تجميعهم. وبين هذا وذاك فإن فلسطين نفسها مهددة بخطر الضياع المطلق، ولكن كذلك مصر، فضلاً عن العرب عموماً.
فحجم مصر بين العرب مهدد في عصر البترول الخرافي بالتضاؤل النسبي (لا المطلق): الدخل القومي والموارد والإنتاج، الموقع الاستراتيجي وقناة السويس، الرقعة الزراعية، حتى عدد السكان… الخ. وليس أمام مصر من فرصة ذهبية لاستعادة كامل وزنها وزعامتها إلا بتحقيق نصر تاريخي مرة واحدة وإلى الأبد بتحريرها فلسطين كاملة، تماماً مثلما فعلت مع الصليبيات والمغوليات في العصور الوسطى.
ولن تصبح مصر قط دولة حرة قوية عزيزة متقدمة يسكنها شعب أبي كريم متطور إلا بعد أن تصفى وجود العدو الإسرائيلي من كل فلسطين. فبهذا، وبه وحده، تنتقم لنفسها من كل سلبيات تاريخها وعار حاضرها. والى أن تحقق هذا فستظل دولة مغلوبة مكسورة راكعة في حالة انعدام وزن سياسي تتذبذب بين الانحدار والانزلاق التاريخي، دولة كما يصمها البعض شاخت وأصبحت من مخلفات التاريخ تترنح وتنزاح بالتدريج خارج التاريخ. وذلك ـ نحن نثق ـ لن يكون.
«شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان»، 1980.
الجغرافي الملحمي
في افتتاح تفريعة قناة السويس، لجأ عبد الفتاح السيسي، إلى الاستشهاد بالمفكر والجغرافي المصري الكبير الراحل (1928 ـ 1993)؛ معتبراً أنّ التوسيع الأخير إنما يحقق حلم حمدان، بالنظر إلى أنّ القناة هي «نبض مصر». تناسى السيسي، بالطبع، أنه على رأس نظام عسكرتاري انقلابي عدّه المفكر الراحل بين الأسوأ في تاريخ أنظمة الاستبداد الشرقية: «كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب، ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم، وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب، كثيراً ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي، وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري، أي أنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج، والحل العسكري مع الشعب في الداخل، فكانت دولة الطغيان عامة، استسلامية أمام الغزاة، بوليسية على الشعب».
والحال أنه ما من باحث في الجغرافيا الاستراتيجية نذر نفسه لكشف الغطاء عن الوجه العبقري لهذا المكان، مصر، مثل حمدان؛ خاصة في عمله الفريد «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان»، السفر الواقع في 4000 صفحة من استقصاء علاقات الجغرافيا والتاريخ والانتخاب الطبيعي والجيو ـ سياسي، وثقل المحيط والموضع والموقع، وفلسفة المكان والكائن، في الزمان الفعلي الجارح والواضح. وكان حمدان قد وضع أكثر من ثلاثين مؤلفاً في الجغرافيا التاريخية والسياسية والقومية والاقتصادية والمدينية والتخطيطية والسكانية، وفي الفكر الجغرافي كما يتقاطع ويتلازم مع العلوم الأخرى. ولكنّ «شخصية مصر» انفرد، كما يليق بعمل فذّ استثنائي، بحمل الرسالة المعقدة التي نشأ حمدان وعاش ومات (وحيداً منعزلاً، في بيته الوحيد المنعزل) لتعميقها وإيصالها على النحو الذي يتوجب أن تصل فيه.
والخطّ الناظم الذي هدى حمدان في استقرائه لشخصية مصر هو التفاعل المتبادل العميق بين بُعدين أساسيين مكوّنين: الموضع والموقع. أما الأوّل فهو البيئة بخصائصها وحجمها ومواردها في ذاتها، وهي بمعنى آخر البيئة النهرية الفيضية بطبيعتها الخاصة، وجسم الوادي بشكله وتركيبه، أو «الجغرافيا الملحمية» باختصار. وأما الثاني فهو حالة نسبية تتحدد وفق توزيعات الأرض والناس والإنتاج من حول مصر، والعلاقات المكانية التي ترتبط بها، الأمر الذي يجعل الموقع «خاصية محلية داخلية ملموسة، وفكرة هندسية غير منظورة».
مدهش، إلى هذا، أنّ «شخصية مصر» لم يقع أسير المنهج الأحادي في دراسات مماثلة، هامة بدورها؛ كتبها بعض أساتذة حمدان (سليمان حزين، حول البيئة والموقع في مصر)؛ وفي مآزق كتب تأسيسية أخرى تتلمذ عليها، مثل «تكوين مصر» لشفيق غربال، و»أصول المسألة المصرية» لصبحي وحيدة، و»مصر ورسالتها» لحسين مؤنس، و»سندباد مصري» لحسين فوزي.
ليس أقلّ إدهاشاً موقفه المعادي للصهيونية، أو «الصهيونيات» كما أسماها، والتي وضعها في مصافّ «أسوأ من صليبيات جديدة، فما كانت الصليبيات في العصور الوسطى إلا استعماراً استغلالياً تخفّى وراء الصليب. أما الصهيونيات التي تتخفى وراء النجمة السداسية فاستعمار استيطاني استهدف اقتلاع وتصفية الشعب الأصلي تصفية جسدية، ويعمل على تهديد الأرض وتغيير طبيعتها ومعالمها إلى الأبد. وبالمقارنة، فإنها تجمع بين أسوأ ما في الصليبيات وشرّ ما في المغوليات الوثنية من تخريب وبربرية، والتي كان طوفانها المدمر أكبر خطر تعرّض له العالم الإسلامي في العصور الوسطى».
ترك حمدان مجموعة كبيرة من المؤلفات، لعلّ أبرزها، بعد «شخصية مصر» أعمال مثل «أنماط من البيئات»، «المدينة العربية»، «الاستعمار والتحرير في العالم العربي»، «اليهــود أنثــروبولوجياً»، «بين أوروبا وآسيا: دراسة في النــظــائر الجغرافية»… وقد توفي إثر نشوب حريق غــامـض في بيته، الأمر الذي أثار ترجيــحــات حول اغتياله بيد المخابرات المصرية، أو المخابرات الإسرائيلية، لأسباب متقاطعة.
جمال حمدان