«مكان ما في اللانهائي» للشاعرة المغربية رجاء الطالبي: الذات المفردة وتحديات الجمع والجموع

حجم الخط
0

 

الشعر اليوم في ظل التحولات الكبرى التي أودت بكثير من اليقينيات والمعارف المتوارثة وفي ظل الزلزال الذي خلخل سلم القيم وبعثر ترتيب المسلمات المطمئنة والمستكينة في استسلام بليد إلى المعارف السابقة والتقليدية، أصبح للشعر ماهيته الجديدة، قد لا تتغير الأغراض جملة وتفصيلا، لكن الشعر لغة وفكرة ورؤية. لذلك فالشعر اليوم يتحدد في «قول المختلف والخفي والمحجوب، يقول حقيقة أن لا شيء ثابتا، وأن الحقيقة لا تكمن إلا في تفاصيل تحولها لأنها لا زمنية». وهو ما يمكن استنتاجه بكل وضوح من شعر رجاء الطالبي سواء في دواوينها السابقة «برد خفيف» و»حياة أخرى» و»عزلة السناجب» ثم في ديوانها الجديد «مكان ما في اللانهائي». والقراءة البسيطة لمعجم مفردات العنوانين تظهر حقلا دلاليا شديد الخصوصية والنوعية، فهبوب البرد الخفيف سيؤدي حتما إلى تغيير الساكن من الحياة السابقة المستسلمة ليقينياتها المطمئنة لما حققته من رضى عن النفس، والبرد الخفيف يأخذ هنا معنى الزلزال والهزة الشعرية التي ستقلب كل شيء «بهدوء» ودون «ضجيج» كما كانت الحال عليه في المرحلة الصاخبة بالفكر الإيديولوجي الملتزم الذي توهم أنه بالشعر وبالصراخ وبالانتماء إلى جهة من الجهات الأربع يمكنه التغيير واستيقظ على حقيقة فاجعة وهي أنه لم يكن سوى صرخة في واد أشد فراغا من وادي عبقر وشياطينه الملهمة.
الشعر اليوم لا يستند إلى أي سند حقيقي أو جمعي تحده حدود متفق حولها، والقول الشعري عن الذات لا ينطلق إلا من سؤال مؤرق:» ما مصيري في هذا الوجود القبلي المحكوم بيقينيات سابقة وقد تلاشت حدودها وتفرقت حبات عقدها؟»، والجواب كان صريحا في ديوان الطالبي الجديد «مكان ما في اللانهائي»، هنا يقيم الشعر، هنا تقيم الذات الشاعرة، في اختلافها الجذري عن كل الوجود السابق (بالجمع)، مختلفة كذلك عن الموجودات المتهرِّئة التي تتحدث عن الثبات في قلب العاصفة، عن الحقيقة في صلب الضياع. لقد انتقل كل يقين اليوم إلى الضفة الأخرى الضبابية، فأين سيقيم الشاعر؟ وأين وبم سيحتمي الشعر؟ سيقيم الشاعر في اللا مكان أو في مكان ما في اللانهائي، وسيحتمي الشعر بذاته، سيقول شاعريته دون «حوامل» قبلية، دون معرفة «مدرسية» مستكينة، حتى السريالية تحولت إلى مدرسة متآكلة، حتى التفكيك اللفظي (المعجمي) لم يعد ممكنا، التفكيك الممكن هو قلب الأسئلة وتغيير زوايا النظر. الشعر اليوم يقيم في مكان ما في اللانهائي، بعيدا عن كل استكانة ومعرفة قبلية، إن الشعر اليوم يقول ذاته بذاته، أي أنه يخلق فضاءه الجديد ولغته الجديدة وبالتالي يخلق قراءه، وإن كان لا يهتم كثيرا بالقارئ، لأن القارئ هم لاحق

٭ ٭ ٭

في «مكان ما في اللانهائي» يقف الشاعر على الحدود القصوى، على الشفرة الحادة، تقول الشاعرة: «متى اخترقتِ حقول سيزان وتوغلت في ألوانه العارية،/ متى اخترت طرف الحقل الأزرق لتمشي نحو لقاء القصيدة،/ على حافة الأخدود تسيرين مائلة/ يتمايس في جسدك أزرق باطاي،/ ضوء هلدرلين، منفى بلونشو،/ كأنما الكلمات التي تتحكم في القدم المرنة تميل ولا تسقط،/ تمشين، جسد القطة المتوترة المتفقدة كيف السياج الذي تحبين،/ السياج عند أطرافه تميل الأزهار برأسها والنباتات،/ قلق يلتهم الاستعارات، لا تهدأ نظرته…» ص (7). حتى والشاعر قلب الجموع يقف وحده، في مكان ما في اللانهائي، في المتخيل، في الوجود اللغوي، وفي الاستعارات التي تقول الأشياء والوجود والذات الشاعرة بطريقة مختلفة عمَّا اعتادت عليه الناس واللغة اليومية، لأن الشعر منذ أن كان، منذ وجوده البكر كان مختلفا، يقول الذي لا يرى، يقول ما لا يقوله الكلام العادي، الكلام الذي بلده الحس السطحي، واستكانت له وإليه النفوس القصيرة والخاملة، منذ أن كان الشعر وهو يرى بعين غير العين الحاسة المرآوية التي تعكس الخارج، وسيلته المخيلة الحدودية واللغة الاستعارية والفكرة المختلفة.
في المقطع أعلاه، تبرز الشاعرة مكان الذات الشاعرة اليوم ومكانة الشعر بعد كل التحولات الخارج ذاتية التي هزت القيم وقلبت الموازين واستبدلت فيها القوى بغير القوى السابقة والمعتادة، يقف الشاعر على الحافة لا ينتمي إلا إلى ذاته ومخيلته ولغته وفكرته، لا ينتمي لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، يقف وحده تحت السماء العارية وفي مواجهة الحقيقة الهوجاء، لكي تكون شاعرا عليك أن تتحمل اختلافك، عليك أن تواجه كل هذه الرداءة التي تولدها العادة، وبلادة المشاعر وطمس الرؤية، لكنها في الوقت ذاته تعلن عن «أخوتها الشعرية» القبيلة التي تنتمي إليها، من المعاصرين الذي اكتووا بنار غربتهم، واحتموا بعزلتهم القصوى في الإبداع، والفرادة، والاختلاف، والابتعاد عن الجموع في قلب الجموع.
في المقطع الشعري ذاته يمكن أن نحدد الاختلاف ضمن العلاقات المتناقضة والمتضادة، كما في المربع السيميائي المعروف، الذي يتحول ها هنا فيه التناقض والتضاد إلى التوالد والاشتقاق، فالمكان اللانهائي يولد فكرة «المنفى» و»الحدود» القصوى، بينما «الضوء» المبهر يولد فكرة العمق والامتداد والشساعة اللا محدودة المتمثلة في «الأزرق». وكلها استعارات لفكرة الاختلاف ورفض الواقع الرتيب المستسلم لرتابته وسكونه وانحداره نحو الهاوية.
إن ماهية الشعر لا تختلف عن مهمته، فالمهمة الأساس اليوم للشعر ومن خلال تجربة رجاء الطالبي الشعرية، تتمثل في قول الحقيقة المرة؛ العالم اليوم يشعر كأنه متخلى عنه، وأن الإنسان المعاصر إنسان مستسلم ومُتخاذل. من يستطيع قول هذه الحقيقة اليوم غير الشاعر؟ لقد كان الشاعر منذ أول شاعر يقوم بهذه المهمة الصعبة، وكان يقف دائما في مواجهة العاصفة، عاصفة القبيلة أو العادات والتقاليد، أو العقائد التي ما كلت يوما عن «تدجين» الكائن الآدمي وتحويله إلى عبد أو إلى سلعة تحت أي علة.

٭ ٭ ٭

في «مكان ما في اللانهائي» بحث مضن عن العالم «الحق» حيث الإنسان- الحقيقة والجوهر، البعيد عن المؤثرات الخارجية التي تشده إلى الطين، وتحول بينه وبين أن يكون ما ينبغي له أن يكون عليه، والشاعر في ديوان الطالبي نموذج لهذا الكائن الجوهر والحقيقي، وبالتالي فالشعر وهو قول الشاعر وحقيقته في آن، ليس سوى «الأثر» الذي يتركه، لكنه أثر لا دليل له، لأن دليل أثر الشاعر هو الحلم، فالبرهان ينطلق من اليقين التام بينما الأثر ليس سوى احتمال على الزوال، واحتمال على التأويل المتعدد والمنفتح. لا يختلف الأثر في حقيقة وجوده وانفتاحها عن المكان هنالك في اللانهائي والمطلق الأبدي، فهما معا يؤكدان وعي الكاتبة والكتابة في آن، في اختيار المختلف الذي يقف عند الطرف الآخر من الصورة الثابتة والتقليدية في أذهان الفكر التقليدوي والمطمئن لحقائقه المستولدة من العادة والراسخ في الذهن، وهذا المعنى تؤكده الشاعرة الطالبي في «العتبة» التي وضعتها لديوانها الجديد، مأخوذة عن الشاعر رونيه شار وتقول:» يجب على الشاعر ترك آثار عبوره لا براهينه، وحدها الآثار تجعلنا نحلم». وتقول: «صباحاتي بنكهة صمت خفيف/ يطرد الغربان عن مائدة الموتى الجميلين/ صباحاتي بنكهة هبوب الريح متوحشة تنفر من الأصباغ،/ تسقط في شرك ظلال بين صخرتين./ صباحاتي بنكهة الطفولة، تركض في حقول الضوء/ وراء فراشة هوائية، تتبع روائح الأحلام …» ص (9).
إذا كانت الآثار تبعث على الحلم عند شار، فإنها تصبح عند الطالبي ذات رائحة، أي أنها ليست مجرد توهم وصور ذهنية ومتخيل مجرد بعيد عن الحقيقة الواقعية، إن للحلم رائحة، كما للصمت قوة فعل سرية تستطيع أن تطرد «الغربان» المقيتة التي تتغذى على لحم «الموتى الجميلين»، ولا أعتقد الموتى هاهنا غير سلالة الشعراء الحقيقيين، والأصفياء في «الأخوة الشعرية» العالمية، التي تهتم بحقيقة الإنسان وجوهر الإنسانية.
تقدم الطالبي ملامح عن ذلك الـ» المكان ما في اللانهائي»، مكان على الحدود القصوى من عالم الضجيج والحقائق المزيفة والأسئلة المغلوطة وغير الحقيقية والجوهرية، مكان يسوده الصمت البليغ حيث الخيال الخلاق يمنح الأحلام معناها ومداها الحقيقيين، وهو مكان الضوء والحقيقة الواضحة الأولى الخالية من الأصباغ والألوان الخادعة، الضوء الصباحي والطفولة البكر للموجودات، إنه مكان لا يكون إلا في البدايات المغرقة التي ابتلعتها الأزمنة الحرجة، مكان لا يكون إلا في اللغة الشعرية المنتقاة، المنتقاة بعناية الشاعر الحق.
لا يكفي فقط الإقامة في مكان ما في اللانهائي ليقول الشعر الحقيقة الوجودية البكر، عليه أن يتجدد هو ذاته وينبغي أن تتجدد لغته، وسيلته وحقيقته ووجهه الذي يعلنه للوجد ويقابل به الكائنات الأخرى. ومن العلامات التي تدل على ابتعاد الشاعر والشعر اليوم عن اللغة الخادعة، اتخاذ الطالبي «الجبل» في شموخه وصموده رمزا لذلك المكان ما في اللانهائي المنشود، حين تقول: «صباحاتي المترحلة بيني وبين جبل يدمن القصيدة،/ يحضن بيض النسور كي تحيا الاستعارات/ في قفزة النمور».
فالصباحات «المترحلة» رمز للتحول الأبدي، لا شيء يستقر على حال، كل شيء في تحول مستمر، كل الموجودات في انتقال وتغيير دائمين، في التحول يكمن جوهر وجودها، والتحول ها هنا بمعنى الاختلاف، كما القصيدة هي في كل يوم في حال غير الحال الذي باتت عليه، وهذه الحقيقة لا ينكرها إلا جاحد أو غير عالم بالشعر وماهيته، والقصيدة تحيا بالاستعارات المتوالدة إلى ما لانهاية، الاستعارات الشفافة الحية تواجه العالم الصلب لتبني أعشاشها عاليا كالنسور.
تلك حقيقة الشعر اليوم في ديوان الشاعرة رجاء الطالبي: الاستعارة الهشة تقصم ظهر العالم الأحدب.
رجاء الطالبي: «مكان ما في اللانهائي». فضاءات للنشر والتوزيع، عَمَّان، 2015.
112 ص.

محمد معتصم

اشترك في قائمتنا البريدية