تونس «القدس العربي»: يعتبر معرض تونس الدولي للكتاب من أهم المواعيد الثقافية الكبرى التي تشرف على تنظيمها وزارة الثقافة على غرار مهرجان قرطاج الصيفي وأيام قرطاج السينمائية وأيام قرطاج المسرحية وغيرها. وقد خلف عدم تنظيم الدورة 31 من هذا المعرض السنة الماضية، بقرار من وزير الثقافة السابق الموسيقي مراد الصقلي، استياء كبيرا لدى النخب والمثقفين التونسيين الذين ينتظر كثير منهم هذا اللقاء السنوي للإطلاع على آخر الإصدارات المحلية والعربية والدولية ولربط الصلات بين مختلف المهتمين بالكتاب من مفكرين وكتاب وناشرين وأصحاب مكتبات وقراء.
ولئن تميزت الدورتان الأخيرتان لسنتي 2012 و2013 بسوء التنظيم وغياب عدد من دور النشر العربية والعالمية وغياب آخر الإصدارات الثقافية والعلمية، وطغيان ما اصطلح على تسميته في تونس بـ»الكتب الصفراء» وتلك التي تحرض على التكفير والفهم المنغلق للنص الديني، فإن الدورة 31 تبدو مغايرة لسابقاتها لعدة اعتبارات. فضيوف هذه الدورة من التونسيين والعرب هم من «الوزن الثقيل» والندوات الفكرية والأدبية تعج بها أروقة قصر المعارض بالكرم أين يقام المعرض، كما أن الإقبال كثيف من المواطنين رغم ندرة الإصدارات الجديدة ورغم قلة ذات يد عموم التونسيين بسبب تدهور القدرة الشرائية للمواطن التونسي بعد الثورة.
تونس تستعيد
معرض كتابها
وفي هذا الإطار يؤكد الدكتور عبدالجليل بوقرة وهو مؤرخ وباحث وكاتب تونسي وناشر عن دار «آفاق برسبكتيف» للنشر في حديثه لـ «القدس العربي» أنه وبعد تسجيل فشل ذريع على جميع المستويات في دورتي 2012 و2013 وبعد إلغاء دورة 2014، ممّا تسبّب في مضاعفة متاعب الناشر التونسي، جاءت هذه الدورة لتعوّض نسبيّا من خسائر الناشرين ولتنعش سوق الكتاب التونسي . ويضيف قائلا: «لكن يبقى أهمّ ما في الدورة 31 لمعرض تونس الدولي للكتاب هو عودة المعرض إلى دوره الطبيعي والأصلي الذي بُعِث من أجله: وهو التثقيف والتنوير ومخاطبة «الدماغ المفكّر» للإنسان بعد أن كانت دورتا 2012 و2013 تخاطبان «الدماغ الغريزي» و»الدماغ الانفعالي» إذ لاحظنا هذه السنة غياب دور النشر المحرّضة على الفتنة وعلى الإرهاب والشعوذة والسحر وغابت تلك المظاهر المقرفة والغريبة عن فضاءات الكتاب والثقافة وعادت العناوين الثقافية والتنويرية لتتصدّر الرفوف.
لقد استعاد المعرض جمهوره الحقيقي من المتعطشين إلى المعرفة، وتعدّدت الأنشطة الثقافية وبلغت حوالي 160 لقاء موزّعا بين الندوات والموائد المستديرة والأمسيات الشعرية، أثّثتها عدّة أسماء من تونس والبلدان العربية وأوروبا، فتحوّلت تونس أيام المعرض إلى «أثينا جديدة» مدينة الحكمة والفن والشعر. إنها دورة ناجحة بكل المقاييس، رغم ما سجّله بعض الملاحظين من هنات بالإمكان تداركها في الدورات المقبلة، فالمهم، أن تونس استعادت معرضها للكتاب بعد أن تم التفويت فيه وبيعه في وقت سابق لتجار الموت والشعوذة والتخدير. لقد كانت أياما حزينة سوداء» يسأل محدثنا الله أن لا يعيدها.
عدد كبير من الزوار
من جهتها قالت الأديبة والشاعرة التونسية سوسن العجمي عندما يتعلق الأمر بالمعرض الدولي للكتاب في تونس في دورته 31 من سنة 2015 المتزامنة مع العمليات الإرهابية التي تحاول أن تسوق البلاد إلى ما خلف الثقافة وأبعد من الفكر السليم فإنها لا تملك إلا أن تقف مشدوهة أمام العدد الغفير من الزوار والقراء والضيوف الأجانب والأسماء الكبيرة والكتب المعروضة والتّنظيم الجيد. واعتبرت أيضا أن هذا يحسب لتونس بالرّغم من الارباكات الكثيرة التي تتعرض إليها من العقول المتطرّفة. وأضافت قائلة: «لقد لاحظت توافد المئات من الزوار وكنت سعيدة بالعدد الهائل، وطرحت سؤالا خفيا كيف نعلّم هذا الجمهور أن لا يفارق الكتاب وأن لا ينتظر معرضا دوليا حتى يتهافت بهذا الشكل في كل نشاط وفي كل مكان؟».
فالقارئ موجود في تونس، بحسب سوسن العجمي، ولكن على الهيئات المنظمة أن تعتني أكثر بالقراء وأن تروج أكثر للكتاب والكتاب لأنّ الجمهور يتجه إلى الكتب وإلى التقاط الصور مع نجوم الشعر والرواية ولكنه ينفر من القاعات والأمسيات. وختمت الشاعرة التونسية حديثها بالقول: «أقدر كل الحرص والجهد الذي بذلته هيئة التنظيم لهذه السنة لكن أتمنى أن تكون السنة المقبلة أكثر اعتناء بالقراء والزوار ويتم تكثيف المجهود كي نضفر بعقلية جديدة تدمن كما في السابق الأدب بمختلف أجناسه، لقد حان الوقت لرسم خريطة ثقافية جديدة في العقول».
التنافس بين الثقافي والتجاري
واعتبرت الإعلامية والصحافية في جريدة «المغرب» التونسية سيماء المزوغي المتخصصة في الشأن الثقافي، في حديثها لـ «القدس العربي» أن شعار معرض الكتاب لهذه السنة هو «قفا نقرأ « لكن المتجوّل في المعرض يشعر أنّ هناك شعارات أخرى تتردد مثل «قفا نشتري»» أو «قفا نواكب الندوات والملتقيات الثقافية» أو «قفا نعاين العرض والطلب» لأنّ العارض، أو البائع، في رأيها يأمل في بيع بضاعته، وهذه غاية المعرض الأولى. غير أنّ الملاحظ بحسب الإعلامية التونسية، أنّ وزارة الثقافة التونسية تريد أن تضفي على المعرض صبغة ثقافية فكرية لا تجارية فقط، وهو ما أفرز هذا التنافس في المعرض بين ماهو تجاري وثقافي.
ويتجلّى هذا التنافس، بحسب محدثتنا، في برنامج المعرض المعدّ لهذه الدورة، فالمتأمّل سيلاحظ دون شك غزارة في الندوات والحوارات والملتقيات الفكرية والثقافية، والزائر الذي يواكب ندوة ثقافية ما سيفوّت عليه ندوات أخرى. هناك إطناب، برأيها في الملتقيات الثقافية، وهناك نجوم أدب وثقافة من التونسيين والأجانب جاؤوا إلى المعرض كضيوف، مثل الكاتبة المصرية نوال السعداوي وأدونيس والجزائري واسيني الأعرج، والدكتور محمد الطالبي والدكتورة ألفة يوسف والجامعي والروائي شكري مبخوت والمؤرخ الهادي التيمومي من تونس وغيرهم.
لذلك فإن زائر المعرض، بحسب سيماء المزوغي، يحتار بين الشراء وبين مواكبة محاضرات هؤلاء، وهذا التنافس بين التجارة والثقافة سيكون له صدى لدى الزائر، الذي في غالب الأحيان يختار بين الإثنين. وزارة الثقافة التونسية تسعى أنّ تضفي على المعرض صبغة ثقافية وفكرية، وتراهن على جمهور مثقّف، أو جمهور محبّ للثقافة، وهذا لا يعني أنها يجب أن تختار بين العملية التجارية للمعرض والعملية الثقافية الفكرية له، ولكن يجب أن تنسّق أكثر، وتحسن التنظيم أكثر، لأنّ الملاحظ سيدرك أنّ الملتقيات الفكرية جدّ غزيرة ومتزامنة مع بعضها البعض.
فوضى توزيع الأنشطة
أما الصحافي ناجي الخشناوي فقد اعتبر أن معرض الكتاب لا يشبه معارض الخشب والمفروشات والأكل والسيّارات، فهو حدث ثقافي معرفي يتخفّف من التّجارة ومعادلة البيع والشراء بمفهومها التجاري، ولئن يدافع العدد الأكبر من النّاشرين على هذا الأفق، بحسب الخشناوي، وخاصة النّاشر التونسي، فإن المعرض يستقبل عددا من تجّار الكتاب من النّاشرين الذين يعرضون منشوراتهم دون خصم معلن ويبيعون الكتب بأسعار باهضة هذا فضلا عن «سرقاتهم» الموصوفة لحقوق التأليف والترجمة لعدد من الكتّاب والمفكّرين، ورغم التقهقر المفزع للدينار التونسي فإن إدارة المعرض لم تحرص، بحسب محدثنا، وبالشكل الكافي على حث النّاشرين على التخفيض في أسعار الكتب لتمكين الزوّار من اقتناء أكبر عدد منها.
ويضيف قائلا: «رغم تسلّل بعض الكتب الصفراء المروّجة للفكر الأصولي المتشدّد، وبعيدا عن مظاهر الشعوذة والشعبوية التي طوّقت معرض الكتاب في دورات الانتكاسة التي انتظمت زمن حكم الترويكا، فان فعاليات الدورة 31 التي انتظمت تحت شعار «قفا نقرأ» قد تعيد الرّوح والألق لأهم حدث ثقافي في تونس، بعد أن نجحت إدارته برئاسة الدكتور محمد محجوب في إحكام قبضتها على كل ما من شانه أن يحوّل وجهة الزوّار عن الكتاب، رغم ما شاب هذه الدورة من هنّات خاصة على مستوى تنظيم الندوات واللقاءات وحفلات توقيع الكتب».
لكن المعرض وككل دوراته، لا يخلو من الهنّات التنظيمية، بحسب الصحافي التونسي، فالدورة الحالية، ورغم حرص إدارتها على تشريك أكبر عدد من المثقفين والمبدعين في الأنشطة الفكرية للمعرض إلا أنها سقطت في فوضى توزيع الأنشطة التي كانت جلها متزامنة مع بعضها، كما أن القاعات المخصّصة لهذه الأنشطة لم تتم تهيئتها، بحسب الخشناوي بالشكل الجيّد لإقامة اللقاءات والقراءات والندوات. كما أن الجدل ما يزال قائما، برأيه، بين المثقفين والمبدعين بخصوص جائزة الإبداع والتي كانت مفتوحة وغير منهجية فهي جائزة واحدة طالت الرواية والقصة والشعر، ورغم ما وعدت بها إدارة المعرض من حزم في غلق الباب على الكتب الصفراء إلا أن عددا من الزّوايا داخــل قصر المـــعـــارض بالكرم احتوت، حسب الخشناوي، على مثل هذه الكتب وخاصة الكتب الموجّهة إلى الأطفال.
على خطى معرض القاهرة
أما الباحث الليبي عبد المنعم الحر الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان فقد قال لـ «القدس العربي» أن انطباعه عن المعرض لا يختلف عن انطباعه عن معرض القاهرة الذي زاره أيضا في أواخر شهر كانون ثاني/يناير من السنة الحالية، حيث شهد المعرضان غياب عدد من دور النشر المهمة. ويفسر الحر سبب هذا العزوف بالظروف الأمنية التي تعيشها تونس وخصوصا عملية المتحف الأخيرة التي سبقت هذا الحدث الثقافي بأسابيع معدودات. كما اعتبر معرض بيـــروت للكـتاب الذي زاره السنة الماضية يحقق طموح الباحثين بخلاف معرضي القاهرة وتونس.
كما أرجع سبب عزوف الأكاديميين والطلبة والباحثين الليبيين عن الحضور إلى المعرض في هذه الدورة، إلى تزامن تنظيمه مع فترة الدراسة الجامعية في ليبيا واقترح أن يتم تغيير هذا الموعد لجلب القارئ الليبي إلى تونس. وتمنى الحر أن يتحسن الوضع الأمني في بلد عمر المختار حتى تتمكن دور النشر الليبية من المشاركة بكثافة في هذا المعرض كعادتها.
وأصيب بخيبة أمل، على حد تعبيره، من الجناح المغربي خاصة وأن المغرب، الذي يحل ضيف شرف على هذا المعرض، عرف عن دور نشره غزارة الإنتاج في مجال العلوم الإنسانية. لكن محدثنا لم يجد ما يشفي غليله من دراسات حول بعض المواضيع على غرار الهجرة السرية المغاربية إلى أوروبا وملف العدالة الإنتقالية وغيرها. ويختم بالقول: «ما أثلج صدري هو وجود جناح فلسطيني يؤكد على أن قضية العرب الأولى ماثلة دائما في الوجدان، فرغم محاولات الإحتلال الصهيوني طمس الهوية الفلسطينية إلا أن فلسطين حاضرة في جميع الملتقيات وموجودة وهي الآن عضو في محكمة الجنايات الدولية رغم كيد الكائدين».
روعة قاسم