بعد رسالتها للماجستير، التي حملت عنوان «دور القنصليات الأجنبية في هجرة واستيطان اليهود في فلسطين 1840 – 1914 « وصدرت في كتاب في العام 2006، وكانت من الرسائل المهمة التي أفردت مساحة واسعة للتركيز على دور القنصليات الأجنبية في موضوع الهجرة تتابع الباحثة نائلة الوعري بحثها وتنقيبها في هذا المجال، وحضرت لمشروع الدكتوراة الخاص بها، وذلك تحت عنوان «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني 1856 – 1914». وناقشت رسالتها في العام 2012، وحصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة بيروت العربية، ونشرت الرسالة في كتاب صدر في العام نفسه عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
ومع أن مواقف الجهات المعنية بالمشروع الصهيوني في الدولة العثمانية، كانت مروحتها واسعة، نظرا إلى تعددها وتنوعها، وكان يمكن أن تفرد لها رسائل مستقلة حسب المشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور حسان الحلاق؛ مع ذلك فإن الباحثة الوعري استطاعت التركيز على أهم ما ميز مواقف تلك الجهات، وحصرتها في خمسة فصول، وأضافت إليها ملاحق تتعلق بخرائط وصور جوية لبعض المواقع الفلسطينية، وصور لأوامر سلطانية، وحجج ملكية بعض الأراضي وبرقيات ووثائق، وما يليها من مصطلحات واختصارات ومصادر ومراجع من سجلات المحاكم الشرعية – وهي المنجم المهم الذي اشتغلت عليه الباحثة بصبر وأناة وبوقت وجهد طويلين – وأوراق الطابو ووثائق من مراجع عربية وأجنبية، وصحف ومجلات – بأعداد كثيرة – من ذلك الزمان، وفهرس للمواقع والأعلام، لتصل صفحات الكتاب إلى 564 صفحة من القطع المتوسط.
أرجعت الباحثة اختيارها للعام 1856 في زمن السلطان عبد المجيد، حيث أصدر في ذلك العام «خط» التنظيمات الخيرية الإصلاحية، بينما شكلت بداية الحرب العالمية الأولى في العام 1914 محطة نهايتها. وتم التركيز على مواقف الهيئات الحاكمة في اسطنبول والولايات الشامية، خصوصا في المقاطعات الفلسطينية الثلاث حسب تنظيمات ذلك الزمان، وهي ولايات عكا ونابلس والقدس، كما وتم رصد مواقف النخب المثقفة والأعيان والمشايخ وكبار ملاك الأراضي.
هذا ويمكن الإشارة إلى أهم ثلاثة عوامل ساهمت في التأثير على مصير وجود الدولة العثمانية واستمرارها.
العامل الأول: تمثل في الحملة المصرية على بلاد الشام، بما فيها الولايات الفلسطينية، واحتلالها منذ عام 1831حتى عام 1840 من قبل قوات الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا، ابن والي مصر من قبل الدولة العثمانية محمد علي باشا. ولولا تهديدات وتدخلات القوات البريطانية والفرنسية وغيرها، لكانت اسطنبول معرضة للسقوط، إذ أن القوات المصرية وصلت إلى بعد ثلاثة أيام من مسافة الوصول إلى العاصمة العثمانية. وهذا الأمر وفر مجالا كبيرا لأن يصبح للبريطانيين والفرنسيين والألمان وغيرهم، دالة ونفوذ كبيران في البلاط السلطاني. كما أن الإجراءات والقرارات التي اتخذتها القيادة المصرية أثناء احتلال بلاد الشام، جعلت من الصعب على سلطات السلطنة المبادرة إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه من قبل؛ مثل السماح لغير المسلمين بالتملك والبناء والمساواة مع المسلمين في أمور عدة. وهذا الأمر خصوصا بعد ضغط وتدخل القناصل والسفراء الأجانب، أدخل تغييرات مهمة على صعيد ملكية الأراضي في الولايات الفلسطينية على سبيل المثال.
العامل الثاني: مساعدة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وقوى أخرى للسلطنة في حرب منطقة القرم في مواجهة الإمبراطورية الروسية، وانتصار السلطنة في هذه الحرب التي امتدت من العام 1854 حتى العام 1856، ما زاد من نفوذ بريطانيا وفرنسا، وجعلهما تتدخلان في مفاصل مهمة من مفاصل الدولة العثمانية، خصوصا في ما يتعلق بالمشروع الصهيوني في فلسطين، والإصرار على أن يكون للصهاينة وجودهم الفاعل، تمهيدا لعودة اليهود إلى «أرض آبائهم»، كما كان يتردد في الأوساط الاستعمارية. وهنا يمكن الإشارة إلى أن بريطانيا أرسلت لجنة فنية في العام 1871 بقيت في فلسطين ست سنوات، «مسحت خلالها أراضي فلسطين من الشمال إلى الجنوب» (ص 74) وذلك تمهيدا لإسكان اليهود فيها.
العامل الثالث: دخول السلطنة العثمانية في مرحلة من التراجع والضعف في قوتها وفي فرض هيمنتها على ولاياتها العديدة، ما دفع بقوميات عدة في السلطنة إلى التململ والتمرد وإعلان الثورة، كما حدث في البلقان على سبيل المثال، وما تلا ذلك من تمردات وثورات في ولايات أخرى.
هذا ويمكن القول إن عدم تفرد أية قوة استعمارية في الاستيلاء على أملاك السلطنة العثمانية، حصل بسبب حسابات تتعلق بعدم الوصول في علاقات الدول إلى الاصطدام بعضها ببعض، وعندما أيقنت تلك القوى من خلال رصدها الدقيق لأوضاع السلطنة أن لا شفاء «للرجل المريض» في اسطنبول، فإنها أخذت تستولي على البلدان التابعة للسلطنة في المنطقة العربية واحدة إثر أخرى.
أما ما حصل في فلسطين قبل قيام الحرب العالمية الأولى، فإن الباحثة تابعت تسجيل مواقف القوى والجهات المعنية في الاستيلاء على الأراضي قطعة قطعة. ومساحة وراء أخرى، بالشراء والخداع والتزوير والتهديد والوعيد، وبتسهيلات وتدخلات من قبل القنصليات والسفارات الأوروبية، خصوصا الفرنسية والبريطانية منها، وبدأت البلدان الأوروبية تعلن أنها حامية للأقليات الدينية في السلطنة، خاصة المسيحية منها. وقد برز موقف موحد لافت، تمثل في اتفاق أغلب الدول الأوروبية على وجوب إعادة اليهود إلى فلسطين، على الرغم من اختلاف تلك الدول على الكثير من الأمور، وفي الكثير من المواقف – بكل الطرق وبشتى الأساليب، وعلينا التوكيد بأن الأمر لم يتم إلا بتواطؤ من بعض القوى المحلية من ولاة وأعيان وإقطاعيين.
وقد تم انكشاف ضعف السلطنة العثمانية بشكل كامل، خصوصا بعد قيام حركة «الاتحاد والترقي» التركية المتعصبة «الطورانية» على مقاليد الدولة، وإزاحة السلطان عبد الحميد الثاني في العام 1909 عن سدة السلطنة، ثم دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى في العام 1914، وذلك بتحالف مع ألمانيا ودول المحور، وتم عقد اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا في العام 1916، وذلك لتقاسم بلاد الشام وغيرها من بلدان بين البلدين، وعدم الالتزام بوعود الاستقلال للمنطقة العربية وتوحيدها تحت قيادة الشريف حسين في مكة، بعد أن أعلن الثورة على الدولة العثمانية، وقد تلا ذلك الإعلان عن وعد بلفور في العام 1917، وذلك بإقامة «وطن قومي لليهود» في فلسطين، على حساب شعبها العربي الفلسطيني..
وقد تم فضح مضمون اتفاقية سايكس بيكو وغيرها من اتفاقات من قبل الاتحاد السوفييتي الوليد، الذي أعلن بعد ثورة العام 1917 في روسيا ومناطق أخرى كانت تابعة للإمبراطورية الروسية انسحابه من التحالف. ثم أخذت الولايات العثمانية تتساقط الواحدة بعد الأخرى بيد التحالف الإنكليزي الفرنسي، وتراجع الدولة العثمانية للانحسار في حدود الدولة التي استولى كمال أتاتورك على السلطة فيها، وأعلن الجمهورية في العام 1924.
خطوات ومواقف
ما هي بعض المواقف والخطوات في ما يتعلق بالأراضي الفلسطينية في فصول الكتاب الخمسة، وعلاقة ذلك بالمشروع الصهيوني؟.
-اضطرت السلطات الرسمية العثمانية الاستمرار في مراعاة ما اتخذته السلطات المصرية أثناء احتلالها لبلاد الشام 1831 – 1840، وذلك بمساواة المسلمين بغيرهم من رعاياها، والسماح لهم بملكية الأراضي والعقارات، وغيرها من خطوات وإجراءات، مراعاة لمصالحها مع الجهات الأوروبية التي ساعدتها في التخلص من الاحتلال المصري لبلاد الشام.
– سمحت السلطات المصرية في العام 1832 للطائفة اليهودية بترميم كنيسها في القدس.
– أقام الثري اليهودي إدموند روتشيلد مشفى هداسا في الحي اليهودي داخل مدينة القدس في العام 1834
– على الرغم من الأوامر المشددة من قبل سلطات الدولة العثمانية بعدم بيع الأراضي للأجانب، وخصوصا لأعضاء الحركة الصهيونية، فإن بعضها كان يتسرب إلى ملكياتهم عن طريق الاحتيال والشراء.
كما وتم تجنيد عدد من أبناء رعايا الدولة المسلمين في سلك المتعاونين مع الصهيونية والسماسرة وباتوا يعملون لصالحهم في السمسرة والبيع والشراء تحت طائلة الإغراء المادي.
– خاطب متسلم القدس أحمد دزدار في العام 1839 أثناء الحكم المصري لبلاد الشام موسى منتفيوري «لتعلم يا مسيو منتفيوري أن أيام التمييز ولت، وأنه الآن لا فرق بين العبري والمسيحي والمحمدي، وانهم جميعا أمام القانون سواسية كما يأمرنا الله» (ص 117). لم يكتف الدزدار بإقامة علاقة وثيقة بمنتفيوري فقط، بل باع أرضا له في القدس مساحتها 66,255 للمشروع الصهيوني في العام 1854، ليتم بناء مستوطنة عليها تحت اسم «مشكنوت شآنيم – يمين موسى»، ثم باع الدزدار مساحة أخرى تقدر بـ 35 دونما في العام 1865 ليقام عليها حي استيطاني جديد. إذا كان الدزدار من كــــبار المتعاونين والبائعين للأراضي لقادة الحركة الصهيونية، فإن زعامات محلـــية لعبت دورا مضادا للمشروع الصهيوني، وأسمعت صوتها للقناصل والسفراء الأجانب، كما فعل الزعيم أحمد الجرار أحد وجهاء العائلة التي كانت متنفذة في منطقة جنين، «هكذا يسلم السلطان أرض الإسلام قطعة قطعة إلى النصارى» (ص 116).
كما أن ما كان يسمى بزعيم الجليل عقيل آغا الحاسي لم يترك مسؤول قنصلية أو سفارة أجنبية إلا وتعامل معه ومعها، من أجل حمايته في وجه الدولة العثمانية، فعقد في العام 1848 اتفاقية تحالف مع لينش رئيس البعثة الأمريكية، ثم تحالف مع فرنسا وبريطانيا والنمسا إلخ.
إذا كان السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 قد سمح لزعيم الحركة الصهيونية هرتزل بزيارته في العام 1901، حيث أن هرتزل عرض عليه 150 مليون ليرة إنكليزية مقابل حصولهم – الصهاينة – على براءة سلطانية بأرض فلسطين، إلا أن الســـلطان ذكر «لا أستطيع أبدا أن أعطي أحدا أي جزء من هذه الإمبراطورية، ليحتفظ اليهود بملايينهم، فإذا قسمت الإمبراطورية، فقد يحصلون على فلسطين بدون مقابل، وإنما لن تقسم إلا على جثثنا» (ص 138).
مع ذلك فإن هذا الموقف تخللته اختراقات عديدة في بيع بعض الأراضي الفلسطينية للصهاينة بالذات في حياة هذا السلطان، وهو ربما رفض عرض هرتزل الإجمالي بشراء ولاية فلسطين كاملة، إلا أن البيع تم بالمفرق من قبل بعض كبار الملاك غير المحليين، وبعض الملاك المحليين ومن قبل سلطات الدولة أيضا. ويمكن الإشارة هنا إلى أن حوالي 18 مستعمرة صهيونية تم بناؤها في فلسطين زمن السلطان عبد الحميد الثاني، ومن بينها: بتاح تكفا على أرض قرية ملبس في العام 1878، ومستعمرة ريشون لتسيون على أراضي قرية عيون قارة في العام 1883، وتم الشراء من الحكومة العثمانية نفسها. ومستعمرة زخرون يعقوب التي أقيمت على أراضي قرية زمارين في العام 1882 أيضا.
ويمكن الإشارة – كما جاء في الكتاب – إلى أنه وحتى العام 1914 فإن 24 حيا استيطانيا صهيونيا – مستعمرة استيطانية – تم بناؤها في غرب القدس. إن هذا الأمر المتفارق والمتناقض بين ما ذكره السلطان عبد الحميد الثاني، وبين ما جرى وما كان يجري على أرض الواقع، ما هو إلا من نوع التناقضات التي واكبت سيرة حياة هذا السلطان الذي واجه ضغوطا هائلة من قبل الدول الأوروبية التي كانت مجمعة على ضرورة السماح للصهاينة بالهجرة والتوطن في فلسطين، خصوصا وأن تلك الدول ساعدت السلطــنة في حربها ضد قوات محمد علي باشا في مصر، وفي حربها التي خاضتها ضد الامبراطورية الروسية، في حين إن ضغوطا هائلة أخرى، كان الأهالي في الولايات الشامية قد أمطروا السدة السلطانية بالاحتجاجات والقيام بالمظاهرات وكتابة العرائض، ومن خلال احتجاجات ممثليهم في اسطنبول، من أجل وقف بيع الأراضي ومنع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين.
وبالإجمال يمكن القول إن مواقف الولاة والأعيان والاقطاعيين وغيرهم، كانت تتراوح بين التشدد والالتزام بالأوامر السلطانية بعدم بيع الأراضي للأجانب، وفسخ عقود البيع، وبين المهادنة والمسايرة، أو لجوء بعضهم إلى السمسرة الصريحة مع السفراء والقناصل الأجانب، أو مع الزعامات الصهيونية في البيع والتعاون. ومن بين ما تم لفت الانتباه إليه أن السلطان عبد الحميد الثاني سجل نحو 2500,000 دونم من الأراضي في فلسطين باسمه شخصيا، وأبقى الفلاحين فيها، أو ألجأهم إليها وباسعار رمزية، في محاولة منه لعدم التصرف بها وبيعها. وهذا ما حافظ عليها مرحليا وتكتيكيا، ما دام السلطان على قيد الحياة؛ إلأ أن هذه الأراضي الشاسعة الواسعة تم بيعها قطعة وراء أخرى بعد قيام انقلاب عام 1909 ضد هذه السلطات بالذات. كما أن بعض الإقطاعيين من غير أبناء فلسطين باشروا البيع قبل ذلك – آل سرسق وتيان وتويني والأصفر والريس وخوري وكساب وغيرهم. كما إن بعض الإقطاعيين من الفلسطينيين باعوا بعض أراضيهم أيضا كآل عبد الهادي على سبيل المثال.
أخيرا يمكن الإشارة إلى أن الكتاب غني بالمعلومات والمواقف والوثائق والإحصاءات، ويحتاج إلى وقفات مراجعة عدة ومتنوعة وتفصيلية لمعرفة مواقف كل فئة من الفئات التي جاء ذكرها في العنوان.
المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2012)
564 صفحة
نائلة الوعري: «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني من 1856-1914». المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمّان 2012. 576 ص.
سليمان الشيخ