«جلس يتأمل الخلاء. ليكن الله .. فلا تسألني لماذا أحببتها حتى الموت. نعم هو الله وهذا هو الوطن ولكن هل سيغنى عن «نعمة» نفس الشتاء القديم ونفس الرائحة حتما هي الآن تفرزها في جسد رجل آخر يلملمها كقطة أليفة ترمي خصلات شعرها الذهب على كتفه ربما هي الآن تبتسم بين ذراعيه».
بهذا الاستهلال الفلسفي بدأ الكاتب الروائي فاروق الحبالي روايته «نعمة»، التي هي خليط من أوجاع شخصية وذكريات رومانسية قديمة وهموم عامة بتمثلها في بعض الشخصيات ربما يكون هو نفسه واحدا منها. وتجاوبا مع الفكرة أو تعزيزا لها يسوق عبارة مأثورة من عبارات الشاعر الكبير الراحل نجيب سرور: «الناس من هول الحياة موتى على قيد الحياة»، يسقط دلالتها على الواقع الذي يناقشه في روايته التي اختار لها اسم البطلة «نعمة»، كرمز للعفة والطهارة والرومانسية المفتقدة في ذلك العالم المادي القاهر للضعفاء والنبلاء المنحاز بطبيعته إلى ذوي الشأن أرباب المناصب ملاك الأرض أصحاب النفوذ.
ينبش الحبالي في علاقات مركبة بين أبطال روايته ويرصد ذلك الغموض الذي يكتنف علاقة صادق، وهو البطل المقابل لنعمة، بأبيه، فهو لا يشعر بالامتنان إليه ولا ينتابه ضعف إنساني ناحيته وفي نفس الوقت لا يكرهه حتى وإن ذكر الكراهية في أكثر من موضع، حيث التفاصيل تكشف زيف الشعور القانط نحوه لعلها نوبات الضيق تتزايد فيظنها مقتا له فيصف إحساسه بالكراهية.
إنها حالة أشبه بعلاقة ياسين بأبيه السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ، يستدعيها الكاتب دون قصد فتعطينا انطباعا بالتوارد ليس على مستوى الحدث فقط من حيث العلاقة الظاهرة بين الأب والابن وما يشوبها من قسوة تحتم الإرتباك.
على النقيض تأتي العلاقة الحميمة بين صادق وأمه ليس لأنها قضت شهورا على سرير المرض ثم ودعت الحياة فأخذت مخزون الحب كله لها، ولكن لأنها الأجدر من وجهة نظر البطل الذي يصفها بدقة في رقادها على السرير الأبيض بالمستشفى العام بالاستحواذ عليه كلا وجزءا، ذلك أنها الأم التي لا يضارعها في المكانة شخص آخر.
ولعل هذا الاحتياج وهذا الفقد هو ما ولد داخل صادق عقدة أوديب فصار متيما بأمه، يرفض مرضها وموتها ويعتبره مجرد انتقال لحياة أخرى، وفي ذلك مكمن إيمانه الذي لا يصرح به بيد أنه راسخ لديه.
ولأن العاطفة تتأجج بداخله على هذا النحو فإنه يعيش مع محبوبته نعمة إحساسا مزدوجا فهي وإن كانت بعيدة المنال تعوضه بمجرد الرؤية والحديث العابر عن غياب الأم وتبعث فيه الشجون وتلهب قلبه بفيض من حنين في أوقات كثيرة رومانسيا خالصا، وفي أوقات أخرى جنون لغريزة محمومة لا يستطيع التنفيس عنها بالنزوع الطبيعي لرجل يشتهي امرأة فيتعلق بها، أو شاب صغير يهوى فتاة فيعيش في خياله حلم الاختلاء بها في حقول الكرم أو بين أشجار الزيتون.
يتحدث فاروق الحبالي كثيرا على لسان شخصياته عن الطفولة السعيدة برغم ما كان يعتريها من تعاسات يفرضها الفقر والعوز وضيق ذات اليد الذي كان يستشعره في حديث الأبوين في شبابه بمزيد من الحزن والأسى. غير أنه يرسم اجواء للطبيعة الريفية وبراح المساحات الخضراء وظلال النخيل فيخفف بذلك من وطأة الإحساس بالقتامة التي يوحي بها النص نتيجة القناعة بأن هناك تمييزا اجتماعيا وطبقية قاسية تجعل الناس درجات في كل شيء بما فيه المشاعر والرغبات الطبيعية.
لم يشأ الكاتب أن يضع دالة لكل باب في روايته ولكنه قسمها أوراقا ورقة أولى وورقة ثانية وورقة ثالثة وهكذا، فهو يفضل أن تأخذ الكتابة أو الأوراق أكثر من معانيها الدارجة في الحدوتة لكونها لا ترتبط فقط بالأبطال ولا الأزمنة ولا الأماكن. كل ذلك مجرد إيحاءات وصور ودلائل لأبطال وأزمنة وأماكن تشبه من هم داخل الحدث، فليس بالضرورة أن تكون نعمة وحدها هي الفتاة الجميلة التي هاجرت أيام نكسة 67 وأقامت في قرية صادق حتى انتصار 73 فنشأت بينهما علاقة فصارت حلما عزيزا غاليا.
كل القراءات واردة ومحتملة، وبين الأوراق التي خطها الحبالي وصور فيها شخصياته ورسم خطوطه الدرامية تكمن أوراق أخرى وكتابات أخرى لأحلام مجهضة وعيون تتطلع لأفق جديد، طفولة تنزع أغطية التعاسة عن رؤوسها، لترى الصبح الذي لم يره صادق وأخوته وأصدقاؤه في القرية الحزينة هناك على ضفاف النهر.
محمد القاضي