نفوس فقيرة

حجم الخط
0

 

(…) فقيرة هي النفس التي تنظر إلى باطنها فتجد خواء، فتمتد إلى خارجها لتقتني ما يسد لها ذلك الخواء؛ وماذا تقتني؟ تتصيد أناساً آخرين ذوي نفوس أخرى لتخضعهم لسلطانها! إنها علامة لا تخطئ في تمييز أصحاب النفوس الفقيرة من سواهم، فحيثما وجدت طاغية ـ صغيراً كان أم كـــــبيراً ـ فاعلــــم أن مصدر طغيانه هو فقر نفسه؛ إن المكتفي بنفسه لا يطغى؛ إن من يشعر في نفسه بثقة واطمئنان ليس في حاجة إلى دعامة من سواه؛ فماذا أقول؟ أقول إن الطغيان قد امتد بجذوره في ربوع الشرق لجدب في نفوس أهله؟
أي والله، لقد ضرب الطغيان بجذوره في ربوع الشرق منذ آماد بعيدة سحيقة، حتى أصبحت لفظتا الشرق والطعيان مترادفتين أو كالمترادفتين، فهما تصادفانك متجاورتين متلاصقتين في كثير من الآداب الأوروبية؛ لا! إني أرى الكلمة على شفتيك فلا تقلها! لا تقل دهشاً: أي طغيان؟ لا تقل إن لنا دستوراً يجعل الناس سواسية ويحرم الطغيان، فالطغيان في دمائنا: الحاكم الشرقي طاغية، والرئيس الشرقي طاغية، والوالد الشرقي طاغية، والزوج الشرقي طاغية، والموسر الشرقي طاغية ـ طغاة هؤلاء جميعاً، لأن في نفوسهم هزالاً يعوضونه بمظاهر الاستبداد بسواهم. قال أمامي وزير مصري لست في حل من ذكر اسمه، قال ذات يوم كنا في لندن، وكان مؤتمر سياسي منعقداً هناك، وجاء مستر بيفن ـ وزير خارجية إنكلترا إذ ذاك ـ جاء إلى المؤتمر السياسي يمثل بلاده، مشياً على قدميه، وليس وراءه ولا أمامه «زفة» تطبل وتزمر؛ فقال الوزير المصري على مسمع مني: كنت أتصور في الديمقراطية الإنكليزية شيئاً كثيراً، ولكني لم أكن مع ذلك أتصور أن يبلغ بها المدى هذا الحد البعيد، أوزير خارجيتها يجيء إلى مؤتمر كهذا وسط الزحام راجلاً؟ فكدت عندئذ أصيح في وجه الوزير المصري قائلاً: أستحلفك الأهل والولد يا معالي الوزير أن تذكر ذلك عند عودتك إلى بلادنا، أن تذكر لأصحاب المعالي الوزراء، حتى يتذكروا شيئاً منه وهم راحلون إلى حمامات الاستشفاء للمتعة والتنزه، وحتى يتذكروا شيئاً منه وهم عائدون من شطآن البحر وجنات الأرض إلى بلادهم ليستأنفوا «العمل».
العظمة في الشرق معناها الطغيان، والطغيان من معانيه كسر القوانين، فيستحيل أن يكون العظيم عظيماً عندنا إن أطاع القانون، حتى لو كان هذا القانون من وضعه هو، لأن العبث بالقيود هي عندنا الحد الفاصل بين السيد والمسود؛ فقل لي إلى أي حد تستطيع في الشرق أن تعبث بالقانون والنظام، أقل لك في أي مرتبة أنت من مراتب المجتمع، فأعلاها منزلة أكثرها عبثاً، وأدناها أقلها.
ولعل هذه الفكرة قد بلغت أقصاها تطرفاً، حين أرادوا أن يتصوروا كمال الله ومطلق سلطانه وسيادته، فتصوروه فاعلاً للمعجزات، والمعجزة هي إيقاف قانون من قوانين الطبيعة وتعطيله؛ فلما كان الله أكمل ما يكون الكائن جبروتاً وسلطاناً، فلا بد أن يكون أقدر ما يكون الكائن على تعطيل القوانين الطبيعية كيف شاء وحيث شاء. أما أن يكون كمال الله ـ كما تصوره سبينوزا ـ هو أن تظل قوانين الكون قائمة مطردة، فذلك تصور بعيد جداً عن تصورهم لمعنى العظمة والجلال.
فقيرة هي النفس التي لا تستطيع أن تقف موقف سواها، لترى ما ترى وتحس ما تحس؛ وهيهات عندنا أن تجد صاحب النفس الغنية بخيالها، الخصبة بشعورها، ذلك الذي في مقدوره أن يحس الألم مع من يحسه، وينظر إلى الناس في ظروفهم؛ هل رأيت الأطفال في القرى كيف يجرّون الجراء مشدودة من أعناقها بالحبال، وكيف يمسكون الهررة من أذنابها ثم يجذبونها جذباً ويديرونها في قسوة وعنف، والجراء تئن والهررة تموء مواء المتألم المستغيث، والأطفال يضحكون لأنين الجراء ومواء الهررة، والآباء والأمهات يقهقهون لضحكات أطفالهم؟ إذاً فاعلم يا سيدي أن هذه هي المدرسة التي نتلقى فيها أول دروسنا في التعاطف والمشاركة الوجدانية بعضنا مع بعض؛ إعلم يا سيدي حق العلم أن قصة الجراء والهررة المسكينة تتكرر حولك مائة مرة في اليوم الواحد؛ لكنها ليست هذه المرة بين الأطفال من ناحية والجراء من ناحية أخرى، فيشد الأطفال الجراء من أعناقها ويجذبون الهررة من أذنابها، بل هي بين أصحاب النفوذ ـ أياً كان نوع ذلك النفوذ ـ وبين العاحزين وأرزاقهم!
إننا يا سيدي أمّة تحيا وفق الحكمة التي استنها شاعر من شعرائها الأقدمين، وهي «إنما العاجز من لا يستبد»؛ بل إن الشاعر لم يخلق من عنده شيئاً، إنما لاحظ أخلاقنا وسجّل؛ فكم ألف سنة لا بد أن تمضي قبل أن يجيء شاعر آخر يلاحظ أخلاقنا ويسجّل، فإذا ما يسجله هو: «إنما القادر من لا يستبد»؟
كم ألف عام لا بد أن تمضي قبل أن يجد الطفل في القرية أبوين يربيانه على أنه لا ينبغي أن يعبث بآلام الكلاب والقطط؟ لو بدأنا هذه البداية، جاز لنا أن ننتهي إلى أن يعطف الإنسان منا على الإنسان (…)
فقيرة هي تلك النفوس التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان. فقيرة ـ يا أبا العلاء ـ هي تلك النفوس التي لا تخفف الوطء، لأنها لا تدري أن أديم الأرض هو من هذه الأجساد.
عن «الكوميديا الأرضية»،
مجموعة مقالات. الطبعة الثانية، 1983

أديب الفلاسفة

اقترن اسم المفكر والأكاديمي المصري زكي نجيب محمود (1905 ـ 1993) بثلاث خصال، بين أخرى أقلّ شهرة: أنه استحق، بالفعل، صفة «أديب الفلاسفة» بسبب انشغاله بالأدب وهو في أوج الانهماك الفلسفي؛ وأنه كان أحد كبار روّاد الفلسفة الوضعية المنطقية، التي قادته إلى حسّ عالٍ بالتنوير والعدالة والموقف المتوازن من التراث؛ كما أنه، أخيراً، أسس وترأس تحرير شهرية «الفكر المعاصر»، التي انطلقت سنة 1965 وأرست ركائز جديدة، رصينة ومحكمة، في الكتابة الفكرية والفلسفية العربية.
درس محمود في كتّاب قرية «ميت الخولي»، مسقط رأسه، في محافظة دمياط؛ ثم انتقل مع أسرته إلى السودان، وعاد إلى القاهرة ليتخرج من مدرسة المعلمين العليا الشهيرة، ويتابع دراساته العليا في لندن لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة، عن أطروحة بعنوان «الجبر الذاتي». حياة محمود المهنية جمعت بين التدريس، في جامعات في مصر والولايات المتحدة والكويت؛ والكتابة الصحافية، حيث التقى مع أحمد أمين، وأسهم بحماس في مجلة «الثقافة»، كما اشترك مع أمين في تأليف ثلاثة أعمال: «قصة الفلسفة اليونانية»، «قصة الفلسفة الحديثة»، و»قصة الأدب في العالم».
بدأ محمود حياته الفكرية بنقد سلسلة من الظواهر الاجتماعية التي تعيق تقدّم مصر، والعالم العربي عموماً؛ ثم انتقل، بعد عودته من لندن، إلى المزج بين شرح الفلسفة الوضعية المنطقية، وتطبيقها على قراءات معمقة في التراث والمعاصرة؛ وأما سنوات عمره الأخيرة فقد صرفها في إضاءة مسائل الترابط بين الإيمان والعلم، من منطلقات علمانية وعقلانية وليبرالية. وفي العموم، كان محمود يرى أن الحداثة والمعاصرة والتقدّم ليست على نقيض التراث، بل هي تستمد من أصالته أبعادَ عصرية وحداثية.
أصدر محمود أكثر من 40 عملاً، بينها في الفلسفة: «المنطق الوضعي»، «خرافة الميتافيزيقا»، «نحو فلسفة علمية»، «حياة الفكر في العالم الجديد»، «برتراند رسل»، «ديفيد هيوم»، «جابر بن حيان»، «تجديد في الفكر العربي»، «المعقول اللامعقول في تراثنا الفكري»، فضلاً عن أطروحته «الجبر الذاتي» التي ترجمها إمام عبد الفتاح إمام. وفي الأدب والثقافة، وقّع الأعمال التالية: «قشور ولباب»، «في تحديث الثقافة العربية»، «جنة العبيط»، «شروق من الغرب»، و»الكوميديا الأرضية». كذلك كتب ما يشبه السيرة الذاتية، في ثلاثة أعمال: «قصة نفس»، «قصة عقل»، و»حصاد السنين».

نصّ : زكي نجيب محمود

اشترك في قائمتنا البريدية