نفوس قلقة: ما أجمل اليوم الأصفر!

حجم الخط
0

 

صارع نفسه، وفشل.. صارع الطبيعة، وفشل..
ثم عثر وكبا، وبعد أن أضناه السفر، أوى إلى غرفته رائحاً جائياً، والقلق يلفه لفاً. وسقط على الأرض منهوك القوى، يفكر على هينته، حتى رأى شيئاً، رأى ذروة فنه، شعاعة غريبة سعت من نافذته، ودخلت في قلبه، فاعترته هزة عنيفة، لم يحسها من قبل، وتلاها اطمئنان ثم هدوء. وجد نفسه.. وجد نفسه.. ولادة جديدة، رأى فيها ما يريد. ها هي.. ها هي الشمس التي كمنت في نفسه. ها أنّ قلبه يطير إليها، إلى الشمس. أحس شيئاً في جوهر شيء. وجد الشمس، حبيبته الخالدة. حدّق ثم حدّق في أعماقها، ليرى، ليفهم، ليرسم.
رسم كل النهار، صارع كل الليل ينتظر طلوع الشمس. وتفيق الشمس بعد ليل طويل، ويهبّ الفنان ليستمد من لونها عبقرية وخلوداً: ما أجمل اليوم الأصفر! ما أجمل اللون الأصفر! ما أروعه! هو السرّ الذي يفسّر السرّ. هو رمز الحرارة والنور. رمز المعرفة. لون الغبـــطة والعـبقرية. لون الفنان الأصيل. لوني أنا!
اهتزت ريشته بكبر، تنفض عنها ما يجول في خواطر أنامله الحساسة من اختيارات إنسانية، حية، معبرة باللون الشمسي عن السلام والحقيقة والوحدة والألم.
أما شعوره الديني فيظهر جلياً في زهوره الهادئة، المؤمنة، وفي ألوانه الصفراء الخاشعة، وفي قلبه المطمئن بعد صراع، وفي نفسه الحالمة بعد هياج.
مشى الفنان باتئاد، تغمره الشمس. أما عيناه فحمراوان تحدقان أبداً في سواد الشمس: «آه.. ما أجمل الشمس يا ثيو! ما أجملها! تقرع الرؤوس، تذيب العظام، تترك الإنسان في نشوة مدهشة».
وراح يبحث عن الشمس وألوانها، يقتنص جمالاتها في جميع حالاتها، في ربيعها وخريفها، في شتائها وصيفها. لن يقف في دربه أقوى القوى، يصمد أمام العاصفة في أوج دورانها، حيث تقلع الحجارة والصخور. تقهقه في وجهه، وتسخر من قلبه، لأنها لم تدر أن العاصفة في قلبه أشد وأقوى من عاصفة الفصول. هي عاصفة الحب للشمس، وعاصفة الحب تفوق عواصف الأكوان جمعاء.
امتلأ قلبه الكبير بالفرح والحزن.
امتلأ قلبه بالحب الذي لا يعرف شكلاً ولا حدّاً، الحب في أعمق معانيه، وأروع مظاهره. هو الحب المقدس بين الإنسان والطبيعة.
ظلت ريشته تغمر من ذياك الفيض الإلهي، من الشمس وألوانها.
وظلت الشمس تشده إلى صدرها شداً، فيرنو إليها بحب عميق. هكذا كانت العاصفة تدور في نفسه وفي أنامله. ويدور معها الفنان حتى يغمى عليه.
مجّد الفنان الشمس وخلّدها.
ما أرهب بني آدم! لقد سخر الناس بلوحاته، بعاصفته، بشمسه، فهام على وجهه هرباً من الناس، يقصد محجته. وقف أمام الشمس محدقاً. جمع من أعماقها نداءً حلواً، فلبى النداء. تقلصت أنامله وأطلقت على رأسه رصاصة الانتصار، فانحنى ميتاً.. ميتاً..
تصاعد من جسده لهيب، ضاع في الفضاء الرحراح، وذاب في شعاع النهار. هكذا قضى فان كوخ. هكذا قضى الفنان بعد جهاد وعذاب، بعد معرفة. عرف نفسه، ووجد ما يريد.
ما أرهب الشمس!
إنها أعطته الحياة، وهي.. هي التي سلبته الحياة.
لن يموت من أحبّ حباً عبقرياً.
لن يموت من خلّد الجمال المطلق.
لن يموت من غمس قلبه في شعاعات الشمس الطاهرة، ومن استطاع أن يقف الدهور محدقاً في عينها.
لن يموت من أعطى الحياة إيماناً جديداً، ومعنى جديداً.
قضى فان كوخ شهيداً في سبيل الفن، في سبيل الخلق والإبداع، في سبيل المعرفة القصوى، لا بل في سبيل الجمال المطلق، والحقيقة الكبرى.
سقط شهيداً خالداً، مضرجاً بدمائه أمام حبّه العبقري.
ما أرهب الشمس!
إنها أعطته الحياة، وهي.. هي التي سلبته الحياة!

٭ مجلة «الأديب» اللبنانية، العدد 5، أيار 1953

رائدة.. قبل الرواد!

التاريخ الأدبي للقصيدة العربية الحديثة يتفق، إجمالاً، على أنّ قصيدة نازك الملائكة «الكوليرا»، وقصيدة السياب «هل كان حبّاً»، اللتين ظهرتا عام 1947؛ كانتا أبكر نماذج التجديد الملموس في عمود الخليل على صعيد كسر عدد التفاعيل ونظام توزيعها التقليدي على شطرين، ولكن دون أن تنطوي التجربتان على تحطيم جذري للوزن في ذاته، وللوحدة الإيقاعية التي تنتظم التفاعيل. ومن جانب آخر، سوف ننتظر بضع سنوات بعد عام 1947، حين أخذت الشاعرة والأكاديمية الأردنية ثريا عبد الفتاح ملحس (1925 ـ 2013) تنشر قصائدها الأولى، قبل أن تظهر النماذج الأبكر من قصيدة النثر عند محمد الماغوط وتوفيق صايغ وأنسي الحاج وأدونيس ويوسف الخال.
وبهذا المعنى فإنّ قصائد ملحس في مجموعتها الأولى، «النشيد التائه»، 1949، كانت ريادية في كلّ ما تعنيه روحية الريادة من تجاوز لقديم وتأسيس لجديد، وكانت في الآن ذاته تطلق تجربة طليعية ناضجة، هادفة في تلمّس الشكل وجادّة في التماس الموضوع، ولم تكن مجرّد اشتغال عشوائي على التجريب بقصد التجريب. وتلك ريادة في قصيدة النثر كانت تتوسل الشعر في النثر بوصفه نثراً أساساً، ولم تكن تتصيّد شعرية ما دفينةً في باطن النثر كما عرفته العربية في السور القصار، أو نصوص المتصوّفة، أو النثر الفنّي العالي على غرار أبي حيان التوحيدي في «الإشارات الإلهية»، أو حتى ما اعتُبر شعراً منثوراً عند جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميّ زيادة ورشيد نخلة ومنير الحسامي.
لكنّ ميل ملحس إلى شكل قصيدة النثر كان ينطوي في الآن ذاته على مجازفة الانحياز إلى شكل وليد، متمرّد، غير شائع، غير شعبيّ، غير متفق على شعريته، بل لا يتوفر إجماع حتى على صحة تسميته بـ «قصيدة النثر». وأن تبدو مرتاحة إليه، ومتألقة فيه، أكثر من قصيدة التفعيلة في أنساقها المتوفرة آنذاك، والتي أخذت تحظى بمشروعية تدريجية ولكنها مضطردة متصاعدة، أمر عنى أنّ ملحس شاءت الريادة في الشكل الشعري الأشدّ إشكالية في مواجهة الذائقة الشائعة آنذاك، وبالتالي الأشدّ حاجة إلى التطوير الدائم المفتوح. ولهذا فإنّ اشتغالها الشخصي على انفراد قصيدتها بدأ هاجساً مركزياً خيّم على معظم نصوص المجموعة الأولى، كما امتدّ إلى قصائد المجموعة الثانية «قربان»، 1952، وربما جميع مجموعاتها الشعرية التي تجاوزت العشر.
ولدت ملحس في عمّان، ودرست في القدس ولندن، ثمّ في بيروت حيث تقدّمت إلى الجامعة الأمريكية بأطروحة رائدة، عنوانها «أدب الروح عند العرب»، سوف تُنشر بعدئذ تحت عنوان «القيم الروحية في الشعر العربي قديمه وحديثه». كما دافعت، في الجامعة اليسوعية، عن أطروحة دكتوراه متميزة وضخمة، عن الشاعر البغدادي المغمور كشاجم. أعمالها، بين شعر وقصة ودراسات، تزيد على الأربعين؛ بينها في النقد الأدبي: «مدخل إلى أدب العصر الأموي»، «حزب الشيعة في أدب العصر الأموي»، «ميخائيل نغيمة الأديب الصوفي»، «المعلم خليل بن أحمد الفراهيدي البصري».
وثمة جزء غير قليل من حركية الحداثة، في مطالع وأواسط القرن العشرين، اعتمد على إعادة كتابة صورة المرأة، بقلم المرأة خصوصاً، وفي سياقات إعادة إدراج نصّها في قلب معارك الحداثة. ولقد حدث مراراً أن المرأة الكاتبة خاضت معارك مزدوجة الطابع: حول حيازة الحريات المدنية والحقوق الإنسانية للمرأة بوصفها مواطنة مشاركة في حياة المجتمع، وحول واجب المساهمة التشطة في تطوير الأشكال والمضامين وتنشيط روحية الحداثة إجمالاً. وهذا هو جوهر الموقع الذي ينبغي أن تشغله ملحس، إذا شاء النقد العربي تصحيح ما لحق بهذه المبدعة من إجحاف بالغ.

نصّ: ثريا ملحس

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية