بيت الشعر على رأي فيكتور هوكو هو القالب الشفاف للمعنى. وإذا تلطف الشاعر في نظمه وإنشائه أكسب المعنى رونقاً لولا بيت الشعر ذاك لمرّ ذلك المعنى غير ملتفت إليه. فالشعر هو العقدة التي تربط سلك المعاني أو المنطقة التي تضم حواشي الهدم على الجسم وتطويه طيات متناسبة بالهندام. والشعر يزيل من الألفاظ ما هو سوقي مبتذل أو عامي سخيف ويكسب المعاني حلاوة وطلاوة ورشاقة، سيما إذا اقتصر الشاعر على استعمال الألفاظ المتعارفة بين الناس المتداولة على الألسن، وترك ما كان وحشياً غريباً في اللغة. وعرض فيكتور هوكو بالذاهبين إلى أن «أعذب الشعر أكذبه» بقوله ليت شعري ما الذي يضيع من الشعر إنْ دخلت فيه الطبيعة والحقيقة؟ وهل تنقص الخمر صفة من أوصافها إن وضعت في أباريق الزجاج وخُتم عليها؟ كلا بل تصير رحيقاً معتقة ختامها مسك يتنافس بها المتنافسون. وختم المؤلف مقدمة كرومويل ببيان المقتضى للشاعر من النسج على منوال الطبيعة (لأن كل ما في الطبيعة هو في صناعة الشعر). وإن كان الشاعر جيد القريحة فلا حرج عليه في شيء من القواعد وله الحرية المطلقة في التصرف بجميع أفانين الشعر على حسب ما يرتئيه.
فهذه خلاصة مقدمة كرومويل الشهيرة بين الأدباء على اختلاف لغاتهم وتباين مذاهبهم. ومنها يُفهم أن الطريقة الرومانية أرجعت الشعر إلى الحقيقة والطبيعة والحياة وتركت فيه التصنع وزخرف الكلام وأجراس الألفاظ ولم تلتفت إلى زعم أهل الطريقة المدرسية بأن زخرف االقول من مقتضى الذوق السليم للشاعر. وأزالت جميع الحواجز التي تعرض أمام سجية الطبع وتصد الفكر عن تصوّر الحقيقة وتوصيف الموجودات بحسب ما هو مغروس في جبلة كل منها سواء كان من صفات القبح أو صفات الجمال بلا تفريق بينهما.
فمن أمعن النظر في المبحث الأخير من تلك المقدمة وجده مطابقاً لما ذكره أئمة البلاغة والأدب في لسان العرب، كأبي بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني وابن خلدون وأمثالهم. ولا حاجة لإيراد أقوالهم في هذا الباب فإنها معلومة ومحصلها وجوب نصرة المعنى على اللفظ لأن الالفاظ خدم المعاني. قال الباقلاني: «والشعر إن ضيّق نطاق القول فهو يجمع حواشيه ويضم أطرافه ونواحيه. فهو إذا تهذب في بابه، ووفى له جميع أسبابه، لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب». وقول فيكتور هوكو أن الخاصة المميزة لأدب الطريقة الرومانية من غيره هي الجمع بين نموذج السخرية ونموذج الإعجاز بالفصاحة، أشبه بقول المتنبي: «وبضدّها تتميز الأشياء». ولعل السبب الذي حمل المتنبي والمعري على ترك أساليب الجاهلية والنسج على منوال جديد هو الذي ذكره فيكتور هوكو من أن أساليب المتقدمين كانت معتبرة في بادىء أمرها، ثم باضطرادها على قياس واحد مراعاة للقوانين ثقلت على السمع وملّها الطبع.
ودام قول فيكتور هوكو هو المعول عليه في الطريقة الرومانية إلى أن اشتهرت الطريقة الطبيعية (ناتوراليزم) في سنة 1860 على عهد الإمبراطورية الثانية وقام أصحابها يناقشون فيكتور هوكو وشيعته وينتقدون عليه. على أن الرجل وإن ظهرت له معجزات في ىيات البيان فهو ليس بنبي ولا تجب له العصمة عن الخطأ والنسيان، ومن هو الرجل الذي تُحمد كل سجاياه؟ ومن هو المبرأ من كل عيب؟ وكفاه نبلاً أنه خطا في الأدب خطوة للأمام ومهد الطريق لمن أتى بعده، ولولا ظهور الطريقة الرومانية لما ظهرت الطريقة الطبيعية ولا حصل ارتقاء ونهضة في الأدب. ثم أن مقدمة كرومويل وإن بحث فيها المؤلف عن تاريخ الأدب وبيان الخاصة المميزة لأدب الطريقة الرومانية عما سواه، فهي أحق بأن تكون تعريفاً لنوع الدرام وحده وهو فنّ من فنون الشعر والأدب.
من «تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوكو»، 1912
رائد الأدب المقارن
كيف لفلسطيني أن يكون، في آن معاً، مناضلاً متحزّباً ومتحمساً لقضيته الوطنية، ورجل تحريض وتعبئة يفصل لقب «بيه» بين اسمه وكُنيته، وبرلمانياً منتَخباً لا يتحدث إلا عن خطر داهم يتهدد الهوية ثم يهدد بمحو البلد بأسره عن الخريطة، وقنصلاً يمثّل الباب العالي في مدينة بوردو الفرنسية، ومؤرّخاً رصيناً يخضع نفسه على الدوام لرقابة منهجية رصينة في كتابة التاريخ؟ وكيف له ان يكون كلّ هذا، في ذروة احتقانات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي قلب ما عُرف في التاريخ الدبلوماسي باسم «المسألة الشرقية»؟
كانت هذه هي الخطوط العريضة لمعضلة الدبلوماسي ورجل السياسة والمؤرّخ والناقد الأدبي الفلسطيني روحي بيه الخالدي (1864 ـ 1913)، وكانت هذه هي ذاتها التي جعلت منه شخصية محورية مركّبة تنوب عن فلسطين في المحافل الدولية مثل اجتماعات الجمعيات السرية، ومنابر الجامعات الأجنبية، ومجالس المصلحَيْن الإسلاميين، في السجّل التاريخي كما في السجلات الثقافية للهوية الوطنية.
ولد الخالدي في القدس، لأسرة الخالدي المسلمة السنيّة العريقة، والتي اقتسمت مع حفنة قليلة من الأُسَر الأخرى النفوذ الإجتماعي والسياسي والعلمي في القدس، خصوصاً بعد إلغاء تابعية المدينة لدمشق وصيدا، ووضعها تحت تصرّف الباب العالي مباشرة. درس في القدس، ثم تابع تعليمه الثانوي في نابلس وطرابلس (وهناك تردد على حلقات الشيخ محمد عبده، المنفيّ إلى المدينة بعد فشل ثورة أحمد عرابي). التحق بالمدرسة السلطانية في بيروت، ثم سافر إلى الآستانة ودرس ستّ سنوات في المعهد الجامعي المعروف باسم «المكتب الملكي الشاهاني»، تخرّج بعدها بشهادة جامعية (وطيلة هذه الفترة كان يتردد على مجالس الشيخ جمال الدين الأفغاني). المحطة الدراسية الأخيرة كانت باريس، في «مدرسة العلوم السياسية»، لدراسة التاريخ والدبلوماسية، وفي السوربون، لدراسة العلوم الإسلامية والشرقية. وفي عام 1897 عُيّن مدرّساً في معهد نشر اللغات الأجنبية، وفي السنة ذاتها حضر مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في العاصمة الفرنسية.
وكان من الطبيعي أن يقترن هذا التحصيل الدراسي والثقافي الرفيع بوعي وطني سياسي حادّ، تركّز آنذاك على مزيج مركّب من الليبرالية الإصلاحية في شؤون الدولة والمؤسسات والقانون المدني، واليقظة التشكيكية في مواقف الدول الغربية تجاه مصير الإمبراطورية العثمانية والمسألة الشرقية عموماً (وفي هذه الفترة وضع كتابه «المقدمة في المسألة الشرقية»، الذي سيطبع بعد وفاته)؛ وتجاه المواقف والوعود والمؤامرات، بصدد الهجرة اليهودية المنظّمة إلى فلسطين بصفة خاصة. وهذا الوعي المركّب لم يكن يفتقر إلى تأثيرات عميقة تركتها أفكار عبده والأفغاني على ذهنٍ منفتح وليبرالي، ولكنه مسلم يعيش في غمرة مأزق شامل لإمبراطورية مسلمة، لا تقتصر آثار تفككّها المحتمل على تركيا وحدها، بل تهدد بمحو فلسطين من الخريطة.
جانب آخر هامّ في شخصية الخالدي أنه كان ناقداً ومنظّراً أدبياً، بل يذهب الحماس ببعض الباحثين الفلسطينيين إلى اعتباره رائداً في ممارسة النقد الأدبي في مفهومه الحديث. وفي كل حال، ثمة أسباب كافية تشجّع على القول إنه كان، بالفعل، رائداً في فرع واحد على الأقل، هو الأدب المقارن. وكان كتابه Etudes sur Victor Hugo et sur la littrature chez les Europns et chez les Arabes (دراسات في فكتور هوغو والأدب عند الأوروبيين وعند العرب) قد صدر بالفرنسية أثناء إقامته في مدينة بوردو، وتضمنت موضوعاته دراسات تعريفية للتراث الأدبي العربي (كليلة ودمنة، كتاب الباهر لابن المنجم، يتيمة الدهر للثعالبي، دمية القصر للباخرزي، وشاح الدمية للبيهقي، خريدة العصر لابن العماد، زينة الدهر للورّاق، أشعار البحتري والمتنبي والمعري، الأدب الأندلسي)؛ وفي الأدب الأوروبي (الشعر اليوناني والروماني، الدراما، فكتور هوغو، شكسبير، تأثير الأدب العربي على الآداب الغربية)، وموضوعات تفصيلية كثيرة أخرى، فضلاً عن صياغة تعريفات دقيقة لطائفة اسعة من من المصطلحات الأدبية.
وإذا كانت ريادته في ميدان النقد الأدبي قابلة للنقاش، فليس من مبالغة في القول إن كان رائد الكتابة التاريخية الحديثة في فلسطين، وكان بين أبرز مؤرّخي هذه الحقبة على نطاق العالم العربي بأسره. لقد امتلك ناصية المناهج الغربية في البحث والتحليل والمقارنة، وساعدته إقامته في فرنسا، واحتكاكه بأوساط الطلاب والأكاديميين والدبلوماسيين، على تكوين رؤية شمولية عريضة.
ولقد رحل قبل أن تكتمل فصول المسألة الشرقية على نحو يكاد يتطابق تماماً مع تحليله المبكّر لمآلاتها الختامية. وعزاؤه أنه لم يشهد بأمّ عينيه كيف اكتمل الفصل الذي يخصّه أكثر بين جميع فصول تلك المسألة، أي مسعى محو فلسطين من الخريطة. والأرجح أنّ النكبة الوطنية كانت ستقترن في وجدانه بعذاب شخصي جرّاء انكسار المشروع الليبرالي الإصلاحي الذي وضعه نصب عينيه، سواء في مجالس عبده والأفغاني، أو على مدرجات السوربون.
روحي الخالدي