الليلة الليلاء

حجم الخط
0

 

(…) اللّه من شتاء بيروت! تنصبّ الأمطار ساعات دون انقطاع، كأنّ اللّه يفتح أبواب السماء ثمّ ينسى إقفالها !
وقد مضى موعد الرجوع الى الكوخ، والأعرج ينتظر على ساحة البرج قابعاً تحت رفرف دكّان، والسيّارات تمرّ براكبيها ملفّعين بالثياب الصوفية الدافئة، وترسل اليه رشاش الوحول ـ شتائم الغنى الى الفقر ! ـ فتصبغ وجهه وتنفذ الى قطع الحلوى الباقية في صندوقته.
أخيراً ملّ الانتظار وحدّثته نفسه، سرّاً، بالصعود الى الترامواي الذي جاء فوقف على المحطة بالقرب منه. وكان لم يركبه إلأّ مرّة واحدة حينما أنقذه كريم من الصبيان المتآمرين عليه.
نهض، وحمل صندوقته، وقدّم رجله العوجاء. ولكنه عاد ففكّر بعمّه ابراهيم.  يجب أن يعطيه الحساب مضبوطاً. واذا نقص ماذا يقول له؟ أيقول له انّه ركب الترامواي؟ وأوشك الأعرج أن يضحك من نفسه. وسار الترامواي مسرعاً، وهو يرافقه بعينيه حتى توارى عنه في المنعطف. ثمّ اقشعّر بدنه من البرد، ووصلت القشعريرة إلى رجليه الحافيتين، فأخذ ينظر إليهما وقد غسل المطر منهما جانباً، وأحدث في الجانب الآخر سواقي صغيرة.
وجاء الترامواي الثاني، فتمتم الأعرج بشتيمة متحدّياً الكون! وصعد شادّاً صندوقته تحت إبطه. ولكنّ قاطع التذاكر ما كاد يراه في قذارته حتّى دفعه دفعة، فوقع في الشارع، وجاء رأسه في بركة وسخة، ودخل الماء إلى فمه وأذنيه، ومرّت سيّارة مستعجلة على صندوقته فحطّمتها شرّ تحطيم.
ومرّ الترامواي بأزيزه، ومرّت السيّارة بهديرها، وقام الأعرج كتلة من الأسمال والأوحال… ولكنّه لم يبك.  لم يحسّ بالألم. مسح وجهه بطرف قمبازه، ورفس أشلاء الصندوقة برجله العوجاء، ومشى.
هذه المرّة، رأى العمّ ابراهيم من الأعرج ما لم يكن له به عهد. فجنّ جنونه وانكبّ عليه بالعصا يضربه دون نظام أينما جاءت الضربة، ودون حساب على قروش ولا قطع كاتو. ولم يعدّ الأعرج العصي وقد تجاوزت العدّ. وظلّ تحت الضرب لا يتجعّد له وجه، ولا تنزل له دمعة، مع أنّ العصا جاءت على عينه اليسرى وأورمتها فثقلت كقطعة من رصا (…)

• • •

مرّت ساعة، ساعتان، والأعرج لا يغمض له جفن. وأبى تلك الليلة أن يطفئ القنديل. كان ينظر على ضوئه الشاحب الى أقسام الكوخ كأنّه يتعرّف اليه لأوّل مرّة. ثمّ سمع غطيطاً فرفع رأسه… كان العمّ ابراهيم غارقاً في النوم، والضوء يتماوج على حاجبيه الكثيفين، ولحيته الكثّة، وأنفه الطويل، وشاربيه المسترخيين، وذقنه الملتوي. ورأى فمه مفتوحاً، منفرج الشفتين.
وكأنّ انفراجهما حفّز الأعرج، فأزاح الغطاء وركع على فراشه يريد الوقوف… يريد الهرب… بل يريد الانقضاض على هذا العمّ الوحش بالبوكس ـ كما علّمه كريم ـ وبالعصا المعلّقة هنا. العصا التي مضى عليها سنون وهي تأكل من جلده ولا تشبع! هذه العصا نفسها يجب أن ترتدّ على الذي تعّود حملها عليه: على قفاه، وذراعيه، وكتفيه، ويافوخه.
وإنّ الأعرج ليهمّ، اذا بالعمّ ابراهيم يوقف غطيطه فجأة وينقلب على جنبه، فصعق الصبي في مكانه، وخيل اليه أنّ عمّه مطّلع على ما يجول في دماغه، وأنّه يفتح عينيه، وأنّ العصا تترك الحائط من تلقاء نفسها وتمشي اليه في فراشه.
ـ  يا أعرج الملعون !يا أعرج الملعون!
سمع الأعرج الصرخة تطنّ في أذنيه فانحلّت عزيمته ـ عاد إلى ثيابه العبد ـ وأرخى نفسه.
حينئذ دخل من شقوق الكوخ برق هائل ملأه، ثم قصف الرعد قصفات متتابعة، مزمجرة، بعثت في جسمه رعشة مثّلجة، فوطّن نفسه على النوم. ولكنّ عينيه وقعتا فجأة على صورة رأس الهندي ـ ماركة إحدى شركات الكاز ـ فوق رأس العمّ ابراهيم. صورة ما تزال على إحدى خشبات الكوخ جديدة، بارزة، كأنّها محفورة منذ يومين، والريش النافر يحيط بذلك الرأس هالة مخيفة. فلبث الأعرج محدّقاً إليها على ضوء القنديل المتمايل فوق أمتعة الكوخ العيقة وعلى حيطانه، ثمّ قال في نفسه: «كم هو قويّ هذا الهندي»!
وقام على الأثر من فراشه كالآلة، لا يخاف ولا يفكّر بشيء. ذهب توّاً الى العصا المعّلقة فوق رأس عمّه وتناولها بيده، وقبضها جيداً، ثمّ أخذ ينظر إلى شاربي العمّ ابراهيم يصعدان ويهبطان، ويصغي الى غطيطه يشتّد ويخفت. ثمّ كشّر عن أسنانه كابن النمر، ورفع العصا الى فوق، بكلتا يديه، وانهال على وجه العمّ ابراهيم: على شاربيه ضربة، وأتبعها بالثانية والثالثة على الجبين والذقن، قبل أن يستطيع عمّه صياحاً. ولمّا أفاق العمّ ابراهيم عاجله الأعرج بضربة رابعة وخامسة وسادسة… دون حساب أيضاً.
وكان العمّ ابراهيم يعوي تحت العصي المتراكمة عليه عواء الكلب أصابه الصيّاد خطأ، ويتململ، ويجدّف، ويحاول النهوض، ولكن عبثاً. إنّه كسيح. وكان يلحق زاحفاً بالأعرج من زاوية الى زاوية لعلّه ينتزع العصا منه، فيناوله حاملها الضربة على يده، وعلى رأسه، وعلى بطنه، فيشتدّ عواؤه، ويختلط بعصفات الرعد في الخارج وقهقهات تنكات الكاز على سطح الكوخ في تلك الليلة الليلاء.
وحدث أنّ العصا لطمت القنديل بينما كان الأعرج يرفعها على العمّ ابراهيم متراجعاً من أمامه، فتحطّمت بقايا زجاجته، وانقلب القنديل على الفراش فاندلق زيته، فهّبت النار دفعة واحدة، ونشرت في الكوخ المظلم ضوءاً كبيراً، فكان الأعرج أسرع من بروق تلك الليلة. ركض الى الباب وفتحه وخرج، ثمّ حاول إغلاقه، فإذا بالعمّ ابراهيم يهرب من الحريق ويهجم على الباب فيمسكه من حافته، وهو يصرخ مستغيثاً، لأنّ الكوخ كان قد تحّول الى أتون. وأخذ الصبي يشدّ من جهة، وعمّه يشدّ من جهة، ثمّ انحنى الأعرج على اليدين الضخمتين الممسكتين بحافّة الباب، وعضّهما عضّة ذاق بها طعم الدم، فارتختا، فأقفل الباب بالمفتاح جيداً، وابتعد عن النار وكان لهيبها قد وصل إليه، ودخانها في أنفه.
وكان بالقرب من الكوخ شجرة من الأزدرخت قديمة العهد، فوقف تحتها يتّقي المطر المتساقط، وينظر الى الكوخ تتداعى جدرانه، وتندلع منه ألسنة النيران، وتنقضّ تنكات الكاز بعضها فوق بعض بقرقعة شديدة.
وأرهف الأعرج أذنيه ليسمع صوت العمّ ابراهيم، فاذا صوت مثل خوار البقر بدأ قوياً… قوياً… ثمّ أخذ يضعف شيئاً فشيئاً، ثمّ عاد إلى الخوار أقوى منه قبلاً، ثمّ هوى الكوخ هوياً واحداً، محدثاً ضجّة ارتعدت لها فرائص الأعرج بالرغم من شجاعته وهول ما كان يحسّ به من نشوة الانتقام. حينئذ مشى الى الشارع، وهو يرسل بين الخطوة والخطوة نظرة إلى الوراء ونظرة إلى الأمام، أما الكوخ فقد صار رماداً بمن فيه… إلاّ بعض جمرات تطفئها الأمطار على مهل.
وأمّا الشارع فمعفّر، ليس فيه الاّ ظلّ الأعرج يلقيه المصباح الكهربائي المعّلق على محطة الترامواي.
ظلّ طويل، مستقيم، كلّما تقدّم الأعرج في المشي زاد في طوله واستقامته، واختفت منه العرجة… حتى خيّل اليه أنّ أوّله عند رجله العوجاء، وآخره معلّق بتلك النجمة المرتجفة التي انقشعت عنها الغيوم في أفق السماء.

مجموعة قصص «الصبي الأعرج»، 1936

طحان بيروت

في سنة 1974 أدرجت منظمة اليونيسكو الأديب اللبناني توفيق يوسف عواد (1911ـ1988) في لائحة «الكتّاب الذين مثّلوا عصرهم على أحسن وجه»، وأوصت بترجمة أعماله إلى اللغات العالمية؛ أسوة بأمثال ياسوناري كاواباتا وخوليو كورتاثر ورابندرنات طاغور وسواهم. وكانت المنظمة تضع في الاعتبار تلك الأعمال الكبرى، مثل «الصبي الأعرج» و»الرغيف» و»طواحين بيروت» و»قميص الصوف»، التي التقطت الحياة اليومية اللبنانية في تفاصيل بالغة الدقة والرهافة والواقعية؛ عبر نماذج بشرية كانت محمولاتها التمثيلية لبنانية محلية، وأحياناً بيروتية صرفة، في المقام الأول؛ لكنها، أيضاً، اكتسبت سمات إنسانية كونية، ترشحها لتمثيل أيّ كائن بشري على وجه البسيطة، تحكمه شروط اجتماعية ونفسية مشابهة.
بدأ عواد الكتابة مبكراً، ونشر له بشارة الخوري (الأخطل الصغير) مقالات وقصصاً قصيرة في جريدته «البرق»؛ وعبرها تعرّف إلى عدد من كبار أدباء العصر، أمثال خليل مطران والياس أبي شبكة وإبراهيم طوقان. وأمّا جريدة «المكشوف»، فقد نشرت له قصته القصيرة «الصبي الأعرج»، ثمّ «قميص الصوف»؛ فلفت انتباه ميخائيل نعيمة، الذي لم يتردد في مخاطبة الكاتب الشابّ هكذا: «يخيّل إليّ أنك ما تعلمت الكتابة إلا لتكتب القصة». بين أعماله الأخرى: «فرسان الكلام»، «العذارى»، «غبار الأيام»، «مطار الصقيع»، والسيرة الذاتية «حصاد العمر». له، أيضاً، مسرحية بعنوان «السائح والترجمان»؛ وله «قوافل الزمان»، مجموعته الشعرية الوحيدة.
لقي عواد مصرعه جرّاء قذيفة، فكان بذلك ضحية تناقضات الشخصية اللبنانية التي أجاد التقاطها وتصويرها.

توفيق يوسف عواد

اشترك في قائمتنا البريدية