توماس دي فال في «الكارثة الكبرى»: قضية الأرمن في عهد تركيا العثمانية: انقسام المؤرخين حول حجم المجازر

حجم الخط
4

 

يتحدث المؤرخون بكثافة هذه الأيام عن المجزرة التي ارتكبها الأتراك العثمانيون ضد الأرمن في عام 1915 وبالتحديد في أواخر شهر نيسان/ابريل من ذلك العام، ما يعني أن مئة عام مرت على هذه الفاجعة التاريخية التي تُقام مناسبات ليوبيلها المئوي.
بيد أن اختلافات بين هؤلاء المؤرخين حول نسبة تحديد مسؤولية تركيا العثمانية تواجدت وما زالت تتواجد حتى الساعة.
أول مسؤول دولي بارز فضح الإجرام التركي ـ العثماني، حسب ما ورد في كتاب «الكارثة الكبرى» لكاتبه توماس دي فال الصادر عن دار جامعة اكسفورد للنشر، كان السفير الأمريكي في الأمبراطورية العثمانية هنري مورغانثو الذي وجه رسالة بتاريخ 10 تموز/يوليو 1915 إلى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك روبرت لانسنغ قال فيها: «أن التنكيل بالأرمن في مناطق مختلفة من الدولة العثمانية وصل إلى حدود غير معقولة.. فالدولة ترتكب التوقيف الإعتباطي والتعذيب والتهجير القسري لإقتلاع الأرمن من مناطق سكنهم في شرقي تركيا إلى مناطق خارج البلاد أو إلى مقاطعات تابعة للدولة العثمانية ولكن بعيدة عن مدنها الأساسية». وشملت الممارسات التركية، حسب السفير، مورغانثو القتل والسرقة والإغتصاب. وفسر هذه الممارسات قائلاً أن المجموعات المسلمة من جهة والمجموعات الأرمنية المسيحية كانتا تعيشان في أمان ووئام في شرقي تركيا العثمانية ولكن تطوع بعض الأرمن في الجيش الروسي، المتخاصم مع الدولة التركية، صَعّد المواقف. وبعض هؤلاء الأرمن أضطروا إلى أتخاذ هذا القرار لأنهم كانوا يحملون الجنسية الروسية. وهذا الأمر ساهم في قوة الهجوم الذي شنته روسيا على مقاطعة «فان» في الأراضي التركية العثمانية بالتالي أراد الأتراك الانتقام. ولكن معظم الضحايا كانوا من الأرمن الأبرياء والنساء والأطفال والمسنين الذين هجّروا من أماكن سكنهم وقُتل عدد كبير منهم. وقد أيد هذه الحقائق التي وردت في رسالة مورغانثو، دبلوماسيون آخرون ومسؤولو إرساليات دينية وصحافيون وشهود آخرون.
ويؤكد الكتاب أنه مباشرة بعد دخول تركيا العثمانية بقيادة الضباط الشباب الأتراك الحرب العالمية الأولى مع المانيا وضد انكلترا وفرنسا وروسيا ودول التحالف، إتخذت الحكومة التركية قراراً بترحيل الأرمن القاطنين في قلب وشرقي الدولة العثمانية من بيوتهم وممتلكاتهم إلى مناطق صحراوية نائية في سوريا، وكثير من هؤلاء الأرمن ذُبحوا وهم في طريق هجرتهم ونُهبوا وانتُهكت أعراضهم من قبل سكان من مختلف الأثنيات، وتم تحقيرهم ومورست محاولة للقضاء على حضارتهم وقد بقيت قلة قليلة منهم في تركيا، وهذا يعني أن معاقبة جماعية وتطهيرا عرقيا أرتكبا ضدهم.
واسف مورغانثو، لأنه ومن خلال علاقاته واتصالاته مع وزراء وضباط أتراك كبار، فإنهم برروا فعلتهم هذه بأنها من ضرورات الحرب والعمل العسكري الناجح. ولسوء الحظ فإن هذا المنطق الوحشي ما زال يُستخدم حتى الساعة في الشرق الأوسط وأفريقيا وغيرهما.
وفي عام 2013، يقول الكاتب، أعترف مسؤولون تركيون، بينهم وزير الخارجية آنذاك أحمد داود اوغلو، بأن تهجير الأرمن في مطلع القرن الماضي كان عملاً خاطئاً، ولكنهم اختلفوا في تقديرهم لحجم وخطورة الخطأ المرتكب بحق الأرمن وركزوا على بعض مبرراته. وما زال النقاش يدور حول ما إذا ما كانت أهوال مجزرة الأرمن توازي مجازر اليهود على يد نظام أدولف هتلر والنازية الألمانية في الحرب العالمية الثانية. فالجهة الأرمنية تعتبرها موازية وربما أكثر خطورة.
والأمر الذي زاد الطين بلة هو المعارك والأحداث التي تلت المذابح الأرمنية في عام 1915 واستمرت حتى العشرينيات من القرن الماضي عندما أنشئت الدولة التركية الجديدة في عام 1923.
ويشير الكاتب إلى أن انقسام مؤرخي المجازر الأرمنية كان واضحا في تقديرهم لحجم ضحاياها. فهؤلاء منهم المتعاطفون مع نكبة الشعب الأرمني يقدّرون الضحايا بما يزيد عن المليون فيما اعترفت حكومة تركيا لعام 1919 بقيادة مصطفى كمال أتاتورك بثلاثة أرباع هذا العدد، وخصوصا أن أتاتورك كان قد بدأ تحالفاً سياسياً مع الدول الغربية. كما تُطرح الأسئلة بين المؤرخين حول ما إذا كان وزير الداخلية التركي ـ العثماني طلعت باشا أمر جيشه وحلفاء جيشه بإرتكاب المجازر بحق الأرمن في عامي 1915 ـ 1916 أو أن الشعوب المؤيدة للسلطة التركية العثمانية فعلت ذلك من دون أوامر من السلطة المركزية. ولكن السفير مورغانثو يشير إلى وجود وثائق تؤكد ضلوع طلعت باشا في إصدار الأوامر كما يقول أنه ومن خلال لقاءاته الشخصية معه وطريقة تحدثه عن «الخطر الأرمني المطلوب إزالته» شعر بأنه يخطط لمجزرة ضد الأرمن.
وبعد الحرب العالمية الثانية، حاول القائد السوفييتي جوزيف ستالين فرض هيمنته على تركيا، حسب الكتاب، ولكن تركيا واجهته بالإنتساب إلى «حلف شمالي الأطلسي» (الناتو) عام 1952، وانقسم النقاش السياسي والمواقف حول توجهات الأرمن إلى معسكرين، أحدهما بقيادة حزب الطاشناق (الذي كان يقود الثوار ضد السلطة العثمانية) والذي بدّل تحالفه مع روسيا إلى تحالف وثيق مع أمريكا وحلفائها الأوروبيين، من جهة، والأحزاب الأرمنية الأخرى كالهنتشاق والرامغافار التي صارت أقرب إلى النظام السوفييتي.
ويقول الكاتب أن هذا الإنقسام إنعكس بشكل واضح على الساحة اللبنانية في خمسينيات القرن الماضي وحتى الساعة. فالطاشناق أيد رئيس الجمهورية اللبنانية السابق (المقرب من الغرب) كميل شمعون (حكم لبنان بين 1952 إلى 1958) فيما تحالفت الأحزاب الأرمنية الأخرى مع الأحزاب اليسارية والقومية العربية والناصرية، وهي قريبة هذه الأيام من تيار المستقبل. أما الطاشناق فقريب من مجموعة 8 آذار (الجنرال ميشال عون وحلفائه).
كما أنتقل هذا الإنقسام بين القيادات السياسية الأرمنية إلى قياداتهم الروحية وصارت كل جهة تدعم مرشحيها في انتخابات البطاركة والمطارنة.
أما أمريكا، فمنذ منتصف الخمسينيات وتحت قيادة الرئيس دوايت ايزنهاور، دعمت الطاشناق كممثلين أساسيين للأرمن. وفي عام 1957 أستقبل نائب الرئيس، آنذاك ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية جون فوستر دالاس البطريرك خورين بارويان في واشنطن بعد نجاحه في صراعه مع خصومه، علما بأنه حظي بتأييد الطاشناق.
ويتضمن الكتاب فصولا عديدة هامة عن علاقة الأرمن المستمرة التبدل مع الأكراد ومع المجموعات الإثنية الأخرى، وعن دولة أرمينيا التي نشأت تحت مظلة الاتحاد السوفييتي، ثم أصبحت مستقلة بعد تفكك النظام الشيوعي.
ومن أهم ما يورده أن أكرادا، كأفراد وليس كمجموعة، أرتكبوا إعتداءات وحشية ضد الأرمن المهاجرين قسراً في عام 1915 وخصوصا في «ديار بكر» وسرقوا أمتعتهم وقتلوا بعضهم، ولكن أكراداً آخرين دافعوا عنهم ووفروا لهم المأوى. وهذا الأمر انطبق أيضاً على الشركس وهم مجموعة قطنت المناطق الشرقية من الدولة العثمانية. كما أن الكتاب يشير إلى أن مذابح وتنكيلات أخرى أرتكبت ضد الآشوريين وهم مجموعة إثنية مسيحية عاشت في جنوبي تركيا وشمال العراق وأجزاء من سوريا.
ولعل هذه المواضيع تتطلب كتباً أخرى من المؤلف الذي يبدو ضالعاً في معرفته بالمنطقة وتاريخها وخصوصا أنه زارها مراراً. كما أنه أعتمد في مصادره على وثائق أولية أصيلة حصل عليها من مكتبة الكونغرس في أمريكا ومراكز الأبحاث في تركيا وعلى مقابلات شخصية مع كبار الإختصاصيين في هذا الموضوع.
ويؤكد في الصفحة الأولى من كتابه أنه قرر استخدام تعبير «مذبحة الأرمن» مع أن كثيرين من الاختصاصيين حول هذا الموضوع قد تحفظوا ويفضلون استعمال تعابير أخرى، بعد أن تأكد له من خلال أبحاثه أن «مذبحة الأرمن» كانت من أبشع المذابح التي ارتُكبت في التاريخ الحديث ولأنه يتمنى أن يتلقن العالم دروساً من بشاعتها وعدم معاودة سياسات المجازر الإثنية والطائفية البشعة في عصرنا هذا.
Thomas De Waal: Great Catastrophe (Armenians and Turks in The Shadow of Genocide)
Oxford University Press, 2015
298 pages

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية