كتاب اندرو مورتون بعنوان «17 زهرة قرنفل علاقة آل وندسور بالنازية، ومحاولات التعتيم» يتضمن الكثير من المعلومات التي تهم عشاق الفضائح، لكونه يتحدث عن تفاصيل علاقة الملك البريطاني ادوارد الثامن، الذي اعتلى العرش الملكي لفترة وجيزة 1936 قبل ان يتخلى عنه ويختار الزواج بحبيبته المطلّقة الأمريكية واليس سيمبسون ويقضي باقي حياته معها في أنحاء مختلفة من اوروبا والعالم.
ولكن هذا الكتاب، الذي صدر مؤخرا عن دار مايكل اوماراً للكتب في لندن شأنه شأن مؤلفات مورتون السابقة، يكشف حقائق سياسية هامة قلّما نجدها في كتب أخرى من هذا النوع. فالكاتب وثقت به الأميرة الراحلة دايانا، زوجة الأمير تشارلز التي قضت بحادث ما زالت تُطرح حوله التساؤلات، كما كتب مورتون كتباً أخرى عن مشاهير عالم الفن والارستقراطية الملكية الاوروبية ولاقت رواجاً كبيراً.
المهم في كتابه الجديد، بالنسبة إلى هذه المراجعة، هو طرحه السؤال الذي ما زالت الإجابة عليه غير واضحة كليا: هل كان الملك البريطاني ادوارد الثامن نازياً متعاطفا مع ادولف هتلر؟ أو انه كان يسعى لتفادي وقوع الحرب العالمية الثانية في زيارته المانيا تحت قيادة هتلر، قبل الحرب، وارتباطاته بأقرباء وأصدقاء مقربين من هتلر، والتعاطي الاجتماعي مع شخصيات على شاكلة جوزف غوبلز ورودولف هيس ونسيبه الأمير كارل ادوارد، الذي انتسب إلى الحزب النازي في المانيا وزار لندن مبعوثا من هتلر والتقى بادوارد مراراً، بحجة كونه نسيباً له ورئيسا للصليب الأحمر الالماني في الوقت عينه.
والسؤال الآخر الذي يطرحه الكتاب هو إذا كانت واليس سيمبسون، التي أصبحت زوجة ادوارد الثامن ودفعته للتنحي عن العرش وفية لزوجها أو ظلت متعاطفة مع حبيبها السابق وزير الخارجية الالماني النازي يواكيم فون ريبيتروب، ومن بعده نظيره الايطالي غاليازو تشيانو أو مع زوجها الثاني ارنست أو حبيبها الآخر غاي تراندل؟ أي هل كانت «ماتا هاري» أخرى زرعها الالمان النازيون في حياة الملك ادوارد الثامن لدفعه إلى التعاطف مع النازية ومع هتلر أو انها كانت نازية بالفعل؟
يلمح الكاتب إلى ان الملك ادوارد الثامن كان يهمه قبل اي شيء آخر ان يُسعد زوجته واليس سيمبسون، ولكن بالاضافة إلى ذلك فانه كان يؤكد إلى المتحدثين معه عن الحرب من مختلف الخلفيات انه يعتقد بحزم انه كان على بريطانيا ان تبقى على الحياد لدى انطلاق الحرب العالمية الثانية، وانه كان بالامكان التوصل إلى سلام عبر التفاوض مع ادولف هتلر قبل عام 1940، وان هذا الأمر كان سيتيح لهتلر ان يقضي على النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. والملك ادوارد الثامن كان يعتبر الشيوعية هي عدو العالم الأول ويخشى تمددها خصوصا لأن الشيوعيين قتلوا بوحشية عرّابه القيصر الروسي نيقولاس الثاني وعائلته. كما ان ادوارد الثامن كان متعاطفاً مع الاشتراكية القومية التي اعتمدها النازيون، ولذلك كان له كثير من المؤيدين بين الأحزاب العمالية في المانيا وبريطانيا بالإضافة إلى الخصوم في أمريكا.
ويشير الكتاب ان السير جون بالفور لاحظ في لقائه مع ادوارد الثامن توجهاته النازية واعتقاده ان الحرب البريطانية مع المانيا كان بالامكان تفاديها عام 1939.
وخلال حياة ادوارد الثامن في باريس بعد تخليه عن العرش الملكي البريطاني لمصلحة اخيه الملك جورج السادس كان زواره حسب الكتاب من المتعاطفين مع النازية والفاشية على شاكلة السير أوزوالد موزلي وزوجته ونسيبه الأمير فيليب الالماني النازي (الرئيس السابق للصليب الأحمر الالماني) والكونتيسة مونا بيسمارك. وان الليدي بيسمارك وبعض المشاركين الآخرين في هذه السهرات اعتقدوا أن المحرقة اليهودية ما كانت حدثت لو سُمح لادولف هتلر بتهجير اليهود الالمان إلى بريطانيا أو أمريكا وان الحرب العالمية الثانية كانت نتيجة للتناحر الشخصي بين هتلر وتشرتشل.
ويشير مورتون إلى ان ادوارد الثامن تعاطف مع قادة ديكتاتوريين يمينيين في العالم على شاكلة الدكتاتور الكوبي السابق باتيستا وانه كان سعيدا لوفاة الأمين العام (المنفتح) للأمم المتحدة داغ هامر شولد في حادث طائرة في الخمسينيات، لأنه زاد في رأيه نفوذ الاتحاد السوفييتي في العالم. كما ان ادوارد الثامن (دوق وندسور)، حسب المؤلف، أيد حملة رئيس الوزراء البريطاني أنطوني ايدن، مع الفرنسيين في غزو مصر في عام 1956 عندما قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. أما بالنسبة إلى واليس سيمبسون، زوجة ادوارد فيعتقد الكاتب ان علاقتها مع فون ريبينتروم (الذي ارسل إليها 17 قرنفلة في اشارة إلى الـ17 مرة التي جامعها جنسياً) فانها كانت على قاب قوسين أو أدنى من الإنتساب إلى الجاسوسية لمصلحة المانيا النازية. ولعل الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور، شأنه شأن كثيرين من قادة العالم الغربي في تلك الفترة الذين كانوا حذرين ازاء انتشار الشيوعية في العالم، احترموا مواقف الملك ادوارد الثامن الذي أصبح دوق وندسور بعد تخليه عن العرش. ويذكر في هذا المجال رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل الذي ايد دوق وندسور في أكثر من مناسبة.
ويطرح مورتون في الفصل الأخير من كتابه السؤال التالي: هل كان ادوارد الثامن ملكا خائناً أو دوقا مشتت الأفكار؟ وفي اجابته يقول ان بريطانيا حاولت عدم نشر الملف المتعلق بتصرفات دوق وندسور (الملك ادوارد الثاني) ولكن دولاً اخرى كالمانيا وامريكا كانت لهما نظرة معاكسة لرغبتهم بوضع النقاط على الحروف.
الأمر الذي خشيته بريطانيا كان ما ورد بان الملك ادوارد الثامن وخلال ملكيته القصيرة (قبل تنحيه عن العرش) عام 1936 دعا كبار وزراء حكومته إلى القصر (بالدوين وتشامبرلين) وشدد في مطالبته منهما عدم المشاركة أو دعم أي هجوم على المانيا حول أي توسع قد يقوم به هتلر.
وقد رأت القيادة الالمانية في الزيارة التي قام بها دوق وندسور وزوجته واليس سيمبسون إلى المانيا في تشرين الاول/اكتوبر1937، حسب الكتاب، والتي استمرت 12 يوما، وبدأت في برلين، نجاحا اعلامياً كبيراً للنازية. وقد استقبلتهما القيادات النازية بحرارة كبيرة، كما فعل الأمر نفسه الشعب الالماني المؤيد لهما إذ اعتبر دوق وندسور قائدا تقدمياً شعبوياً مؤيدا للطبقة العاملة ومخالفاً في شخصيته وتوجهاته لرئيس الوزراء البريطاني انتوني إيدن. وقد زيّنت محطة القطار التي وصلا أليها في المانيا آنذاك بالأعلام البريطانية والنازية الالمانية. وعندما خرج ادوارد وواليس من القطار تعالت هتافات: «هايل ادوارد» خلال عزف اوركسترالي لانشودة «الله ينقذ الملك» (مع انه لم يعد ملكاً آنذاك).
ورافقت الضيفين شلة من النازيين وعساكر إلى «اس. اس» وعُزفت موسيقى ألفها وزير الإعلام النازي جوزف غوبلز وهما في طريقهما إلى منزل هيرمان غورنغ وهو من القادة المقربين لهتلر. واستُقبلا وكأنهما الملك والملكة لبريطانيا. وبعد ذلك، التقت واليس باصدقائها وعلى رأسهم فون ريبنتورب في عشاء في برلين حضره قادة نازيون بينهم هاينريش هملر ورودولف هيس وجوزف غوبلز وغيرهم من كبار قادة النازية.
وقد التقيا بادولف هتلر في 22 تشرين الاول/اكتوبر 1937 في بيريستغاغين حيث حيّا دوق وندسور الزعيم الالماني بتحية نازية خجولة واعترف بانه فعل ذلك لأسباب عسكرية دبلوماسية.
ثم خاطب هتلر واليس سيمبسون قائلاً: «يا جلالة الملكة» وبعد ذلك اجتمع هتلر ودوق وندسور لمدة خمسين دقيقة حيث أيد الدوق سياسات هتلر الاجتماعية العمالية، ولكنه لم يتطرق إلى المسائل السياسية مع ان هتلر اعتقد بان الدوق متعاطف معه سياسياً، حسب المترجم الذي حضر اللقاء. غير ان واليس سيمبسون بدت متأثرة ومعجبة بهتلر الذي ودعهما وداعاً حاراً ممسكا بيديهما معاً ثم مقدِماً لهما التحية النازية التي ردّها الدوق هذه المرة بالكامل. وبعد ذهابها قال هتلر للمترجم: «ان الدوقة كانت لتكون ملكة جيدة».
اعتبرت الجهتان الزيارة لالمانيا ناجحة، حتى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل (برغم معارضته للنازية)، هنأ الدوق على نجاحه فيها.
واكد ناطق باسم الدوق، بعد الزيارة ان اعجاب ادوارد الثامن بالمانيا هتلر عاد إلى ان الأخير انتشل بلده من التدهور الاقتصادي الذي انحدرت إليه المانيا خلال حكومة «فايمر» التي حكمت المانيا ما بين الحربين الأولى والثانية وان دوق وندسور لم يتوقع ان يصل هتلر إلى حد ارتكاب المجازر بحق اليهود والأقليات الأخرى.
وعندما تصاعدت شعبية دوق وندسور بعد زيارته لالمانيا، أُحبطت زيارة كان يود القيام بها إلى الولايات المتحدة وربما لساهمت في ترطيب الأجواء العالمية حسب الكتاب. والأسباب كانت ان شقيقه جورج السادس الذي أصبح ملكا لبريطانيا كان في بداية عهده وشعر المسؤولون البريطانيون وكأن ادوارد سيغطي على انطلاقة اخيه كملك. ولكن مورتون يتساءل عما اذا كانت هذه الزيارة بدورها ستساهم في ترطيب الأجواء العالمية وربما كانت ستؤدي إلى تجنب الحرب خصوصا وان امريكا كانت بقيادة قوية (فرانكلين روزفلت). وقد دعم هذه الزيارة رجال أعمال أمريكيون نافذين، ولكنهم تعرضوا لحملات ضدهم من الصحافة الأمريكية، بالإضافة إلى تحركات من نقابات عمالية امريكية اعتبرت دوق وندسور تعاطف مع السياسات العمالية النازية التي قضت على حرية النقابات العمالية الالمانية
وبعد ذلك، اعتكف دوق وندسور وزوجته واليس، ملقيا اللوم على وسائل الإعلام الأمريكية في احباط زيارته إلى أمريكا. ومكث الزوجان في جنوبي فرنسا وابتعدا إلى حد ما عن السياسة.
اذن، الجواب على السؤال المطروح في مطلع هذه المراجعة هو ان ادوارد الثامن، ربما تعاطف مع الجانب الاجتماعي الاقتصادي في سياسات النازية التي انتشلت المانيا من الانهيار الاقتصادي الذي عانت منه بعد الحرب العالمية الأولى، وانه كان يرى نفسه وسيطاً لمنع حدوث حرب عالمية ثانية شأنه شأن قياديين بريطانيين واوروبيين وامريكيين آخرين، ولكن الجهات التي كانت ترغب بحدوث هذه الحرب كانت أقوى منه. كما ان شخصيته العفوية والعاطفية ربما ساهمت في اتخاذه القرارات المتسرعة، أكان ذلك في حياته الشخصية أو دوره كملك لبريطانيا أو في تعامله مع شخصيات ذات اجندات كونية إلغائية للآخرين وعنصرية مقيتة على شاكلة ادولف هتلر. ولا يمكن التأكد من إذا ما كان هذا أيضاً موقف زوجته واليس سيمبسون.
Andrew Morton:17 Carnations: The Royals, the Nazis and the Biggest Cover-Up in History.
Grand Central Publishing, London 2015.
384 pages.
سمير ناصيف