هل قوة احلال الاستقرار هي الوصفة السحرية لحل الأزمة اللبنانية؟

حجم الخط
0

د. عبد العظيم محمود حنفي

تعود بدايات عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام الي عصر الحرب الباردة يوم كانت وسيلة لحل النزاعات بين الدول عبر نشر أفراد عسكريين من عدد من البلدان، غير مسلحين أو يحملون أسلحة خفيفة ويعملون بقيادة الأمم المتحدة، بين القوات المسلحة التابعة للأطراف المتنازعة سابقا. يمكن دعوة قوات حفظ السلام عندما تكلف القوي الدولية الرئيسية الأمم المتحدة وضع حد للنزاعات التي تهدد الاستقرار الاقليمي والسلام والأمن الدوليين، لا سيما منها عدد من الحروب المعروفة بالحروب بالوكالة التي تشنها الدول العميلة لدي القوي العظمي. لم يكن متوقعا أن يحارب أفراد حفظ السلام خصمهم باعتماد التكتيك نفسه. وقد كان يتم نشرهم عموما عندما ينفذ وقف اطلاق النار وتعطي أطراف النزاع موافقتها. فقوات الأمم المتحدة تراقب الحالة علي أرض الواقع وترفع تقارير محايدة حول الالتزام بوقف اطلاق النار، وانسحاب القوات أو العناصر الأخري في اتفاق السلام. وهذا يمنح الوقت ويفسح في المجال أمام الجهود الدبلوماسية لمعالجة الأسباب الكامنة وراء النزاع. سرع انتهاء الحرب الباردة في احداث نقلة جذرية في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام وعمليات حفظ السلام المتعددة الأطراف. وانطلاقا من روح التعاون الجديدة، أنشأ مجلس الأمن بعثات لحفظ السلام أكبر وأكثر تعقيدا، بهدف المساعدة في غالب الأحيان علي تنفيذ اتفاقات السلام الشاملة بين أطراف النزاعات الداخلية. وما برحت عمليات حفــــظ الســــلام تضم عناصر غير عسكرية حرصا علي تحقيق الاستدامة. فتأسست ادارة عمليات حفظ السلام عام 1992 لكي تدعم هذا الطلب المتزايد علي عمليات حفظ السلام المعقدة. لقد حققت تلك العمليات نجاحا. ففي السلفادور وموزامبيق مثلا وفرت عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام السبل الهادفة الي احلال سلام ذاتي البقاء. وقد باءت بعض الجهود بالفشل، ربما بنتيجة تقييم متفائل أكثر مما ينبغي لما تستطيع عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام انجازه. ففي حين كانت البعثات المعقدة في كمبوديا وموزامبيق جارية، أرسل مجلس الأمن قوات حفظ سلام الي مناطق نزاع مثل الصومال، حيث لم يتم وقف لاطلاق النار أو الحصول علي رضا جميع أطراف النزاع. ولم تكن هذه العمليات تملك القوي العاملة، أو تحظي بدعم الارادة السياسية لتنفيذ الولايات المناطة بها. وقد عاشت عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام جراء حالات الفشل، لا سيما مجزرة سريبرينيتشا عام 1995 (في البوسنة والهرسك) والابادة الجماعية في رواندا عام 1994. في اطار العدوان الاسرائيلي علي لبنان طرح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وبعض قادة أوروبا اقتراح ارسال قوة أمنية دولية الي جنوب لبنان. وكثر في الأيام الأخيرة الحديث عن هذه القوة التي أسموها قوة احلال الاستقرار كما لو كانت الوصفة السحرية التي ستخرج المنطقة من المستنقع الذي غرقت فيه. وبصفة عامة يري فريق من المحللين أن الاقتراح الذي يدعو الأمم المتحدة الي نشر قوات دولية علي الحدود اللبنانية الاسرائيلية لوقف اطلاق النار والحيلولة دون اندلاع حرب شاملة في المنطقة، يعتبر غير كاف. ومع الاعتراف بأن الفكرة تبدو للوهلة الأولي مغرية جدا بحيث ستقف القوات الدولية حاجزا بين الجيش الاسرائيلي ومقاتلي حزب الله المتحصنة في جنوب لبنان. الا أنه توجد في لبنان ومنذ ثمانية وعشرين عاما وحدة عسكرية دولية تتكون من ألفي جندي. وان نشر بضعة آلاف من الجنود الدوليين في منطقة التوتر لن يؤدي الي تحقيق السلام، بل بالعكس، انه قد يزيد الطين بلة مثلما هو الأمر في العراق حيث لم تنجح القوات الأمريكية في السيطرة علي الوضع. ووفقا للسوابق الدولية بهذا الشأن فإن مثل هذه القوة لن يكتب لها النجاح اذا ما انحصر دورها فقط في المراقبة كما هو الحال في مهمة الينوفيل. والتجربة السابقة معها التي أثبت أنّ التقارير التي كتبتها لم يسمح بنشرها بسبب العرقلة الأمريكية والاسرائيلية علي حد سواء. كما يري عدد من المحللين أن قوات حفظ السلام الدولية لن تقدم حلا سحريا للأزمة الحالية. وهي وان كانت قد تؤسس لحل مؤقت لكن حتي مواصفات هذا الحل الجزئي غير متوفرة في هذه اللحظة. ومهمة قوات حفظ السلام لن يحالفها النجاح ما لم يوافق حزب الله عليها ويقدم علي الانسحاب من جنوب لبنان. ولا توجد اشارة من حزب الله انه سوف يفعل ذلك. كما انه لا بد أن تكون هناك أصلا عملية سلام حتي تقوم هذه القوات بحفظها. أما النقطة الثالثة فتتمثل في أن القضية ليست فقط مسألة حفظ السلام في جنوب لبنان وانما أيضا ترتيب الأوضاع اللبنانية برمتها بحيث تفرض الحكومة اللبنانية سيطرتها علي كامل التراب اللبناني. لأنه بدون وجود سيادة حقيقية للسلطة المركزية اللبنانية سيصبح الوضع الحالي قلقا للغاية خلال المرحة المقبلة. ولا يعني ذلك بان الكرة في ملعب حزب الله وحده بل لا بد وان يكون هناك جزء من الالتزام لدي اسرائيل. لا بد أن يكون هناك نوع من التوافق بين الفعل ورد الفعل عند حدوث اختراق لوقف اطلاق النار. فطريقة الردع الشامل التي تقوم بها اسرائيل تؤدي الي زيادة الكراهية في المنطقة وزيادة الرغبات الانتقامية وبالتالي تجعل من المستحيل حدوث توافق لبناني Bildunterschrift: كما كما انه لا بد من الربط بين نجاح مهمة القوات الدولية بطبيعة التفويض الذي سيمنح لها من قبل مجلس الأمن الدولي. فاقتصار مهمة هذه القوات علي المراقبة دون أن تكون لها القدرة علي التدخل العسكري عند الضرورة لن يساعد علي احلال السلام. وحتي وجود قوات دولية ذات صلاحيات واسعة وتفويض عسكري في حد ذاته لن يحل الأزمة ولكنه قد يمهد الطريق للمفاوضات. ومن واقع السوابق الدولية فأن اسرائيل لا تفضل أصلا تدخل الأمم المتحدة كما انها لا تثق فيها أصلا. أضف الي ذلك بان اسرائيل لديها طموحات لتغيير الوضع السياسي في محيطها الجغرافي وهذا ما تحاول عمله من خلال عملياتها العسكرية الحالية، بينما سيحول وجود قوات دولية دون تحقيق هذا الهدف. واسرائيل تشك أيضا بقدرة الأمم المتحدة علي جعل الحكومة اللبنانية تفرض سيطرتها علي جميع الأراضي اللبنانية ولذلك فان اسرائيل تحاول أن تقوم بهذه المهمة بنفسها. فاسرائيل تؤمن بقدرتها الذاتية وبأن لديها الوسائل الخاصة التي تمكنها من تدمير قدرات حزب الله، وبالتالي تفويت الفرصة أيضا علي سورية بأن يكون لها من يقاتل اسرائيل بالوكالة عنها وفق قناعة القيادة الاسرائيلية.

ہ خبير الدراسات الاستراتيجيةمدير مركز الكنانة للبحوث والدراسات، القاهرة 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية