وصلتني رسالة لطيفة على الفيسبوك حافلة بكل معاني الشكر والإجلال والدعاء بالخير من شاب صغير يبدو بعمر أخي الصغير يشكرني فيها على مقالاتي التي أثرت فيه كثيرا واختتم الرسالة الأخوية الطيبة بعبارة: أحبكم في الله. ابتسمت فلو تزوجت مبكرا لكان بسن ابني وفهمت ما يريد قوله وفهمه للتوجيه النبوي اذا أحب أحدكم أخاه فليخبره ولكن بما اني في سن أمه أوأخته الكبيرة على الأقل كان لا بد من توجيهه أيضا، بلطف وحكمة، أن هناك حدودا للتخاطب بين الجنسين مهما كانت الظروف والأعمار حتى لو كانت هذه الأقوال من باب التقليد أو الخاتمة المعهودة أو الفضلة أو الزيادة أو الكليشهات المعروفة التي لا تحمل معنى حقيقيا، ولكن لا يجوز ولا يحبذ أن ننهي رسالة يبعثها رجل لامرأة غريبة وبالعكس بعبارة: مع الحب أو خالص الود مثلا، فالكلام خطير وله موازين ولولا أنه يقع في القلب والعقل ويؤثر على الجوارح لما جُعلت معجزة هذا الدين الكلمة (المقروءة والمكتوبة والمحكية) فبالكلمة يرتقي الانسان في منازل الفردوس وبالكلمة أيضا يهوي في قعر جنهم سبعين خريفا فلا يمكن لعاقل أن يستهين بالكلمة وأثرها الخطير! ولقد شدد الاسلام على حدود وسياقات التخاطب بين الجنسين وضرب المثل بالأعلى المنزه عن السوء وهن أمهات المؤمنين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصور الصحابة فأمرهن بالقول المعروف والسديد وحدد لهن حتى المواصفات الصوتية لذلك القول بنبرة ولهجة جدية تحمل معان واضحة جلية طيبة يفهمها السامع من أول مرة دون استبطان نوايا مبهمة أو الحاجة للسؤال مرة أخرى، هذا وهن أمهات المؤمنين في خير القرون والعصور ومع خير الرجال فكيف بعصرنا الذي تردى فيه كل شيء وشاع اللامقبول حتى أصبح القاعدة وكل من لا يعمل به متهم بالتشدد والرجعية و’الكلكعة’ وعدم مسايرة روح ومتطلبات العصر؟! لقد انفتحت الدنيا برأيي انفتاحا غير رشيد وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بضعضعة جميع الموانع والحدود حتى الدينية والأخلاقية منها، وفيما يبدو أن شخصياتنا الافتراضية في العالم الالكتروني أكثر تساهلا ومرونة وأقل تحفظا منها في العالم الواقعي الذي قد نكون فيه أكثر تشددا مع الجنس الآخر بحكم المواجهة أما في العالم الافتراضي، لعدم وجود التواصل المباشر والمواجهة، فقد يسهل التعاطي مع الآخر والتعليق والمزاح وكل هذا قد نتجاوز عنه ما لم يكن ممهدا لكارثة أكبر في التواصل الخاص بعيدا عن السياق العام الذي يشارك فيه الجميع، وتكون فيه ذنوب الخلوات من أحاديث تخرب القلب والأخلاق..وربما البيوت أيضا!!! يتناقل الشباب مثلا رسائل الكاتبة غادة السمان للكاتب غسان كنفاني وبها بعض المعاني الانسانية الطيبة العامة ولكنهم ينسون السياق الذي لم يكن فاضلا على الاطلاق فهي بالدرجة الأولى رسائل حب بين رجل وامرأة غربين، وهو متزوج ولم يكن هناك نية أن يتزوجا! فكيف تصبح هذه الرسائل من الفضيلة بمكان لنقتبس منها ونزين بها جدراننا الشخصية وصفحاتنا في العالم الالكتروني كنموذج على الحكمة والخبرة الانسانية الراقية؟! وقد يقول جاهل: الكلمة تفعل كل هذا؟! تحرك القلوب وتهدم البيوت والأخلاق وتوصل للرذيلة والكبائر؟! ولا يعرفون أن المداخل للقلوب مختلفة والبشر عجيبون فيما يجذبهم فقد جذب السباب جميلا لبثينة فقال هذه امرأة ‘قبضاية’ شريفة عفيفة وقفت بوجهه فأحبها وقال لها: وأول ما قاد المودة بيننا بواد بغيض يا بثين سباب فقلت لها قولا فجاءت بمثله لكل كلام يا بثين جواب فالأذن تعشق الصوت والعقل يعشق الفكرة والقلب يعشق الإحساس، ولكم أتاني من شاب ليخطب فتاة لا يعرف عنها سوى اسمها ومنطقها في الكتابة وطريقة تفكيرها التي أعجبته دون أن يرى وجهها أويسمع صوتها! د.ديمة طارق طهبوب