هل يمكننا الهمس في أذن رئيسة المعارضة تسيبي لفني، التي قبل أن تشرح لنا لماذا لم تشارك في التظاهرة التي بادرت إليها لجنة المتابعة للجمهور العربي في إسرائيل ضد قانون القومية ـ وأن تضع سلسلة من الشروط، التي إذا أوفينا بها كانت ستتكرم بلطفها للمشاركة ـ كان يجدر بها أن تذكرنا بمن دعاها إلى هناك. كما يقول المثل العربي «شحاد ومتشرط».
ومجنون ذاك الذي يوجه لها دعوة شخصية، تلك التي بحقها إلى اليوم أمر اعتقال في لندن بتهمة المشاركة في جرائم حرب في عملية «الرصاص المصبوب» عام 2009، وقد كانت في حينه في منصب وزيرة الخارجية ونائبة رئيس الحكومة اهود اولمرت. للتذكير، في «الرصاص المصبوب» قتل جراء قصف إسرائيلي أكثر من 1300 فلسطيني معظمهم من المدنيين.
وفي الحقيقة، في أي زمن ملعون نعيش اليوم؟ ذلك الذي يعمل فيه كل واحد على العرب «أبو علي» وكأن كل ذلك لا يكفي، وها هي الآن تأتينا «أم علي» تضع شروطًا لمشاركتها في تظاهرة وقعت، والشرط الأساسي هو أن نوافق على اعتبار إسرائيل دولة يهودية؟ ألم يشرح أحد للسيدة «أم علي» أن التظاهرة تلك في تل أبيب كانت ضد القانون وليس تأييدًا له.
لا شك في أن دي.ان.ايه لفني يوجد في كل بند من قانون القومية. وإذا كان هناك في أوساط العرب واليسار الحقيقي من يعملون من أجل عقد تحالف مع لفني وأمثالها، فسبب ذلك أن هناك من هو أسوأ بكثير منها. وإليكم إشارة من إشارات الزمن الملعون.. لقد بدأنا في تدريج الشر.
لقد قالت هذه المرأة ذات يوم إن التعبير القومي للعرب في إسرائيل «يتم فقط في دولة فلسطينية». في إسرائيل لا يوجد مكان لوطنيين عرب. العرب هنا هم بصفة مواطنين ليست لهم قومية. وإذا ظهر لديهم الجين الوطني، لا سمح الله، فليسافروا إلى رام الله وينشدوا «بلادي» ويملأوا البطاريات ويعودون إلى بيوتهم، إلى العيش مسلوبي القومية.
عندما تصاعدت الأصوات بشأن إسرائيل كدولة قومية، قلنا لـ«لفني» وأمثالها: أنتم تلعبون بالنار القومية. ومن يلعب بالنار سيحرق أصابعه. كما يغني العرب في الأعراس (الدهشة غير مطلوبة، إنما القصد ها هنا هو نار الحب). وإذا كان هذا غير كاف فقد تذكرنا قصيدة الشاعر السوري نزار قباني التي يقول فيها لحبيبته «اختاري الحب أو اللاحب، لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار»، أجل لا توجد منطقة وسطى بين دولة قومية ظلامية ودولة ديمقراطية موديل 2018.
ولكن في محيط المعسكر الصهيوني ثمة مستقبل يتصرفون فيه حسب المثل العربي «نفسي فيه وتفو عليه»، أي أنا أرغبه لكني أشمئز منه. هؤلاء المحترمون يريدون قانون القومية من أعماق قلوبهم، ولكن عفن الأبرتهايد الذي ينبعث منه يخيفهم إلى درجة أنهم يعشقون هذا القانون الذي فيه أحد الأركان الأساسية لهذا المعسكرظ، واسمه حاييم رامون، يحاول تعليمنا كيف نكذب على أنفسنا بحيث يتحول قانون القومية هذا بعد التحليل اللامع إلى قانون يكمل القانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته (هآرتس، 17/8). أي احترام هذا يا رامون عندما تشجع الدولة اليهود دون غيرهم البناء في البلاد؟ مراوغتك في محاولة لتحويل قانون القومية إلى حلال تثير الاشمئزاز.
لذلك أنا أتوجه لـ«لفني»، لقد تسببت بما يكفي من الأضرار في الشأن العربي اليهودي والحياة المشتركة على قاعدة الاحترام المتبادل. لقد حان الوقت لحساب النفس، وسيكون من الأفضل القيام بذلك بصورة علنية من أجل أن يستنتج الجيل الشاب بعض الدروس. لعلمكِ، الجيل الشاب حتى في أوساط اليمين الإسرائيلي ينظر بشكل عام للعرب كمتساوين وليس كمن يجب أن نضع عليهم شروط، وكأن هذه الأيام هي أيام الحكم العسكري الملعونة.
جميل جدًا أنكِ لم تأتي إلى التظاهرة، إذ لو استخدمنا المثل العربي «من هذا الخروب لدينا مخزن مليء» مرة أخرى ألا يكفينا نتنياهو واحد لنبحث عن شخص يشبهه؟
هآرتس 20/8/2018