الليكود وغزة والتسوية

حجم الخط
0

في منتهى السبت، تظاهر في ميدان رابين في تل أبيب بضع مئات من السكان في غلاف غزة. وكانت هذه هي تظاهرة السبت الرابعة في الميدان، سبقتها تظاهرة المثليين والدروز والعرب. وها هو، رغم أنه يتشارك مع قلق سكان الغلاف، أمنهم، وحصانتهم النفسية، ومصير حقولهم، ومعظم الإسرائيليين، إلا أن الاستجابة لتظاهرتهم كانت هزيلة. فهذه ليست أزمنة طيبة لمن هو في الإجماع، ذلك أن الإجماع خرج عن الموضة، إذا لم يكن ثمة خلاف فلا اهتمام.
من هذر ومن صلى: الحكومة الأكثر يمينية التي كانت لنا في أي مرة في إسرائيل تسعى إلى اتفاق مع منظمة الإرهاب التي وعدت بإبادتها. وهي تتفاوض على تفاصيل الاتفاق تحت النار، بخلاف تام مع كل ما اتهم به وزراؤها الآخرين في الماضي. ليس صعبا أن نتخيل ماذا سيحصل في البلاد لو كانت حكومة وسط ـ يسار تتصرف مثلها. كلمة «خيانة» كانت ستسود على أفواه الجميع، من رئيس المعارضة وحتى آخر المذيعين. صور رئيس الوزراء بعباءة الشيخ ياسين كانت ستحتل الميادين.
وزراء وأبناء عائلاتهم كانوا سيتعرضون لهجمات عنف في الشبكات الاجتماعية، وفي المناسبة العامة، وفي منازلهم.
لحظّنا، نحن نعيش تحت حكومة اليمين، وهذه المشاهد القاسية لا تحصل ولن تحصل. بينيت سيلذع ليبرمان قليلًا، في محاولة لجمع بعض المقترعين والترويج لنفسه لمنصب وزير الدفاع في الحكومة القادمة. والكل، بمن فيهم ناخبوه، يفهمون من أين يأتي النقد وما أسرع أن يختفي.
الليكود وحده يستطيع، قلنا حين تنازل مناحم بيغن عن كل سيناء وهيأ الطريق لقيام كيان سياسي فلسطيني على أرض بلاد إسرائيل؛ الليكود وحده يستطيع، قلنا حين تنازل نتنياهو عن 13 في المئة من أراضي الضفة وشارون أخلى المستوطنات في غزة وشمال السامرة. في كل ما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي ـ العربي، فإن مجال مناورة حكومات اليمين أوسع بكثير، أكثر انفتاحًا بكثير من مجال مناورة حكومات الوسط ـ اليسار. اليسار يمكنه أن يعد، أما اليمين فيمكنه أن يفي.
هذا القول يثير سؤالا شائقا: ما هي «القاعدة» التي يتحدث عنها الجميع، وماذا تتوقع من زعمائها وعلى ماذا تعاقبهم «قاعدة» الليكود تكره كل من ينتقد نتنياهو. عنات روزيليو، الباحثة في صندوق برل كتسنلسون، تتابع تظاهرة الكراهية في الشبكة. بنك من مئة كلمة وجملة تصف قاموس الكراهية، وفي الأيام العادية يلعب العرب واليسار والصندوق الجديد دور النجوم فيه؛ وكذا وسائل الإعلام.
لقد وجدت أنه عندما هاجم الوزراء ريغف ولفين والمقرب نتان ايشل الدروز، وعندما أشرك نتنياهو الاتهامات الكاذبة لجماعة «إن شئتم» في صفحته، تحول الدروز دفعة واحدة من أبطال الدولة إلى أعدائها، وكل ثلاث دقائق ونصف الدقيقة ينشر في الشبكة تعبير كراهية تجاههم. بعد ذلك، عندما توقفت الهجمات من فوق اختفت تعابير الكراهية، «التعابير اختفت ولكن الرواية بقيت»، قالت لي روزيليو.
بكلمات أخرى، يمكن لنتنياهو أن يقود «قاعدته» بقدر لا يقل عن قيادة «قاعدته» له. مؤيدوه المؤكدون لا يتأثرون بالاتصالات التي يجريها مع منظمة إرهابية عربية، ولكن طالما كان خطابه مناهضًا للعرب، ومناهضًا لليسار، ومناهضًا للنخبة، مناهضًا للإعلام، فإنهم سيسيرون وراءه بعيون مغمضة. سحر الكلمات والولاء الشخصي يتغلبأن على النفور الأيديولوجي. ومثلهم كمثل مؤيدي ترامب: الخطاب هو الاختبار الأعلى؛ ورقة الفحص التي تميز بين اليمين واليسار، وليست القرارات العملية.
وعليه، فإنهم يتحدثون عن تسوية صغرى وليس تسوية: التسوية هي ورقة يوقع عليها، وصورة مشتركة، واعلام من الطرفين. أما التسوية الصغرى فتتم في الميدان، دون أن تمنع الطرفين من مواصلة التعهد للطرف الآخر بأنهم سيبيدونه قريبًا.
في الجانب الإيجابي، يوفر هذا البرنامج السياسي لنتنياهو ووزرائه قاعدة مريحة لسياسة عملية تجاه النزاع ولكبح الجماح في استخدام القوة العسكرية؛ هم لا يستغلون هذه الحرية دومًا، ولكنهم يعرفون بأنها تحت تصرفهم: في التسوية الصغرى مع حماس مثلًا. أما في الجانب السلبي، فيدفعهم نحو التحريض، والإقصاء، والتخريب على رص الصفوف الإسرائيلية الداخلية وتقويض كل مؤسسة لا تخضع لإمرتهم: المحكمة العليا، والنيابة العامة، والشرطة، والإعلام الحر. أما الإسرائيليون ممن لا ينتمون لـ «القاعدة»، فيكسبون غير قليل ويخسرون الكثير: مشكوك في أن تكون الصفقة مجدية.

يديعوت 20/8/2018

الليكود وغزة والتسوية
مؤيدو نتنياهو لا يتأثرون بالاتصالات التي يجريها مع منظمة إرهابية عربية
ناحوم برنياع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية