عودة الاخ الاكبر!

حجم الخط
3

في العام 1984 اهدتني كريستين، وهي صديقة من مدينة مونبلييه الفرنسية، كتاب جورج اورويل 1984. وكان الامر محض مصادفة اني حصلت على هذا الكتاب في العام الذي يحمل ذات العنوان. اخبرتني كريستين انها امضت ستة اشهر في كيبوتز اسرائيلي مقام على قرية عربية وذات مرة سألت احد الاسرائيلين عن بقايا واثار البيوت العربية التي لم تزل واضحة فقال لها انها اثار رومانية! ‘عرفت حينها انه يكذب’ قالت لي وهي تبتسم!
ومن هناك بدات رحلتها بالتعرف على عدالة القضية الفلسطينية، والمعروف ان الذهاب الى الكيبوتزات الصهيونية كانت موضة منتشرة في صفوف الشباب والشابات، خاصة ذوو النزعة الاشتراكية واليسارية، في غربي اوروبا وكم دخلنا في تلك الفترة في نقاشات حادة مع اليساريين الأوروبيين المؤيدين لإسرائيل!
كتاب اورويل 1984 كان بمثابة ‘دش’ بارد جعلني اعيد التفكير بالكثير من الافكار الجاهزة التي لم نكن نشك في صحتها. كان الفكر الماركسي، لاسباب يمكن تفهمها، يقدم اغراء فكريا كبيرا لشباب العالم الثالث عموما، خاصة في ظل الدعم الامريكي للنظم الديكتاتورية في العالم، وعرفت فيما بعد عندما اتسعت مداركي في الحياة انه كان من الصعب ان ترى شابا، خاصة من طلبة الجامعات من العالم الثالث، قد نجا من تأثير هذا الفكر في تلك المرحلة. كتاب اورويل 1984 كان ممنوعا تداوله في دول الكتلة الاشتراكية باعتباره كتابا مفسدا ! الكتاب، كما هو معروف لمن قرأه، نقد موجه لفكرة الحزب الشمولي حيث يتوقع اورويل ظهور انظمة شمولية في المستقبل تراقب سكنات وتحركات كل فرد. وحتى من اسماء الوزارات، مثل وزارة الحقيقة ووزارة الحب الخ، نعرف طغيان الفكر الشمولي على كل مناحي الحياة العامة والخاصة وكذلك من خلال حياة سميث بطل الرواية الذي يعاني من الحكم الشمولي الذي يهمين على كل شيء ويسعى لتزييف كل شيء لمصلحة الاخ الاكبر!
افكر هذه الايام بكتاب 1984 على ضوء ما نسمع ونقرأ من مراقبة الكترونية سواء من طرف امريكا او سواها للاخرين، سواء داخل امريكا او خارجها، حيث قرأنا مؤخرا انهم يراقبون الفرنسيين في بلادهم. بل حتى اهم حلفاؤهم مثل انجيلا ميركل لم ينجو تلفونها من المراقبة. هذا طبعا عدا مراقبة ال ‘ايميلات’ الخ ونحن نعيش في عصر ثورة اتصالات بات فيه من الممكن لشخص في البرازيل مثلا ان يسمع ما تقوله في داخل كوخ في غابات الكونغو !
و النكتة الامريكية ان ولدا قال لاوباما ان والده هو الذي اشترى له الهدية فقال له اوباما ‘لا الذي اشتراها هو عمك’ تعكس الى اين نحن سائرون!
يبدو اننا ماضون نحو عصرالدولة الشمولية ذات القشرة الديموقراطية!!! انه عصر الاخ الاكبر بامتياز وعصر انتهاك الخصوصيات والحريات الشخصية! ولا بد من مقاومة الشمولية الجديدة !
د سليم نزال

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية