الخارجية السعودية ومجلس الأمن

حجم الخط
4

محقةٌ الخارجية السعودية كل الحق حول مجلس الأمن أنه يكيل بمكيالين، ويتبنى معايير مزدوجة، ويعتمد قانوناً لهذه الدولة وقانوناً آخر لتلك الدولة، ولكنْ ماذا استجد لكي ترفع الخارجية السعودية عقيرتها الانتقائية رافضة كرسي مجلس الأمن للسنتين القادمتين، محتجة، كما بدا للكثيرين، على المجلس بسبب الموقف السلبي واللامبالي من الملف السوري، وهو صحيح في المطلق إلا أنه فُهم على أنه كلمة حق يراد بها باطل، أو أنه قيل للأسباب غير الصائبة؟ الخارجية السعودية لم تُرِنا عنترياتها على مجلس الأمن، وهو يحبط القرار تلو القرار حول الحقوق الواضحة لشعب فلسطين، والمذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد شعب فلسطين، ولا سيما عشرات الآلاف من الأطفال الأبرياء وحرائر نساء عرب فلسطين منذ 1948 وما قبلها، وهي مشاهد لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلاً، من حيث فظاعتها منذ أنْ قتل هابيلُ قابيل فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، بَيْدَ أنَّ لا السعودية ولا غيرها بعثت أي شيء لأولئك الذين ذبحتهم الغوغائية الصهيونية، ولم تزل تذبحهم بطرائق شتى وبضوء أخضر من أمريكا والغرب، ومن بعض الرسميين العرب بأوامر صارمة من (الإيباك) وويل لمن لا يفعل فإن (الإيباك) تُطيِّرُ عشه من فوره ومن لحظته.
إن كل من يفقه في أبجديات العلاقات الدولية يدرك أن (الإيباك) هي التي تتحكم في مجلس الأمن الدولي، وبالتالي هي التي أوعزت إلى الجميع بدرجات متفاوتة، ولاسيما الإدارة الأمريكية، بأن يتم تسكيت العالم المتقزز من جرائم النظام السوري ضد شعبه بتدمير أسلحته الكيميائية، وهو بمثابة طوق نجاة للنظام ليستمر في قتل شعبه بالطائرات، سلاحه الأكثر فعالية والوحيد بالكاد الذي يجعله متفوقا على معارضيه.
إذن هي مؤامرة دولية على الحركات الجهادية التي يخشاها الجميع في حالة انتصارها ووصولها للسلطة، وإن كنا ندين الكثير من تصرفات بعض أفرادها، إنها وصفة إيباكية بامتياز لصالح الصهاينة أولاً. ألم تقتل الإيباك الملك فيصل (رحمة الله عليه) وألم تعدم صدام حسين (عليه رحمة الله) وألم تسمم أبا عمار (يرحمه الله) وغيرهم؟ الأول وعد بالصلاة في (الأقصى) حتى ولو كان دعائيا. والثاني هدد بأن يدع ‘النار تأكل نص إسرائيل’، حتى ولو كان للاستهلاك عراقيا وعربيا. والثالث رفض أن يوقع على سرقة القليل وهو ما تبقى للفلسطينيين، رغم أنه كان أكثر القادة الفلسطينيين براغماتية وقبولاً لدى الغرب وأمريكا، وحتى لو لم تجاهر بعض الأنظمة العربية بضوئها الأخضر، غير أن صمتها يدينها وحتى شجبها واستنكارها وإدانتها ليست إلا مجرد وسائل لامتصاص غضب الشعوب. ويجب ألا ننسى – ونحن نتحدث عن مجازر الصهاينة – الخطيئة الكبرى التي اقترفها مجلس الأمن، التي هي الأساس الباطل لكل الأحداث الدموية التي حدثت نتيجة لها.
كل ذلك الذي حرك القاسية قلوبهم من بعض (الكفار والمشركين ومن أهل الكتاب) لم يحرك حفيظة الخارجية السعودية ولا مشاعرها الجياشة ولم تحركها سوى أحداث سورية، وهي أحداث تنفطر لها القلوب تقودها عصابات كما تقود إسرائيل عصابات لقتل أهل فلسطين، وكما تقود كثير من أنظمة الحكم العربية – إلا من رحم الله – عصابات للتنكيل وقتل وقمع الشعوب، ويُحسب للخارجية السعودية بصراحة – مع تحفظنا على كثير من مواقفها – موقفها غير أننا ننتقد انتقائيتها، وهي الانتقائية ذاتها التي تنتقد الخارجية السعودية مجلس الأمن بسببها.
إذن نحن نضيف إلى الخارجية السعودية أن مجلس الأمن من ناحية ليس دوليا، وإنما هو صنيعة اللجنة الأمريكية الصهيونية (وليست اليهودية أو الإسرائيلية) للعلاقات والشؤون العامة (الإيباك) وما السيطرة الأمريكية والأوروبية الغربية بدرجات متفاوتة، والروسية – الصينية (في حالة تقاطع المصالح) مع الدولة العظمى أو (الإيباك) بالأحرى، ولا يكاد يوجد فرق بل إن (للإيباك) اليد العليا على صانع القرار الأمريكي كما يقول جون ميرشيمار وستيفن وولت في كتابهما ‘السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط واللوبي الإسرائيلي’ المنشور عام 2006. ومن ناحية أخرى – كما نشر مفكرون أمريكيون آخرون – مجلس الأمن ديكتاتوري، بمعنى أنه ليس منتخبا من شعوب الدول الخمس دائمة العضوية فيه، وأنه مكيافيلي بكل ما تعنيه الكلمة، الغاية عنده تبرر الوسيلة (عقلية ‘تاجر البندقية’ لوليم شكسبير ربما تلخص القضية)، أليست السعودية ذاتها تكيل بمكيالين في ضوء أحداث فلسطين والانقلاب العسكري الدموي في مصر على صناديق الاقتراع، أي على خيار غالبية المصريين المؤهلين للتصويت؟ وأليست السعودية نفسها تقمع الرأي الآخر بكل قوة وقسوة، وأليست السعودية نفسها التي زهاء 70′ من شعبها لا يمتلكون بيوتا تؤويهم وإنما مستأجرة من الإقطاعيين؟ وأليست السعودية نفسها التي يضج أكثر من 70′ من شعبها بصرخة ‘الراتب لا يكفي الحاجة’ من خلال (التويتر)؟ أم أن الشاة لا ترى سوى دبر زميلتها ولا ترى دبرها؟ هل من الحكمة أن يقول أمير إحدى المناطق السعودية في مِؤتمر صحافي أنه ‘لن يرتاح إلا إذا عاش سكان المناطق العشوائية في جدة كما أعيش أنا’، هل مثل هذا الكلام واقعي، بمعنى هل يستطيع أو يقبل الأمير فعلاً أن يخصص لسكان المناطق العشوائية في جدة قصوراً كقصوره المنيفة الممتدة على مناطق المملكة كافةً تقريباً، وخارجها في أمريكا وأوروبا وغيرها، وهل سيحشوها لهم بسيارات الأوستن مارتن واللامبرغيني والفراري والبوغاتي وغيرها من رياش القصور. يا أيها الأمير حدث العاقل بما يليق، فكلامك هذا يذكرني بصاحب الحمار الذي احتاج أن يبيع حماراً فأخذه للسوق وطلب من المشوِّر (الدلال) أن يبيع حماره لحاجته الماسة للمال، فإذا بالدلال ينادي على الحمار بأوصاف أحرجت صاحب الحمار نفسه، بانه حمار يحمل آلاف الأطنان ويتسلق الجبال فدنا صاحب الحمار من الدلال وهمس في أذنه ‘من دون ذا وينفق الحمار’. ونحن نقول للأمير، من دون هذا الكلام الذي لا يدخل حتى مخ الأطفال يمكن أن تسوق نفسك مع أن الشعب كاشفك. وهل من الحكمة أن يتشدق أحد صحافيي التلميع بأن الملك لا ينام ليلته إلا بعد أن يطمئن على أحوال جميع المناطق. هل هذا كلام يدخل المخ. رجل- أطال الله في عمره وأحسن عمله – يناهز التسعين قادر على ذلك رغم أنه رجل كريم طيب القلب، بَيْدَ أن مثل هؤلاء الأمراء والصحافيين وغيرهم يسيئون إليه. إن الهوة أصلاً سحيقة بين عامة الشعب السعودي والأسرة المالكة الحاكمة، ومثل هذا الكلام يزيد من هذه الهوة ويوغر صدور الناس على الأسرة، وينذر بويلات لا يعلم إلا الله مداها.
صحيح أن الأسرة الحاكمة السعودية عامل استقرار في بلد غير متجانس قبليا، فقبائل الشمال تختلف جذريا عن قبائل الجنوب، وقبائل الشرق تختلف عن قبائل الغرب، وهناك سعوديون شيعة في المنطقة الشرقية، القطيف مركز نشاطها، وصحيح أن انهيار الأسرة الحاكمة – لا قدر الله – قد يؤدي إلى عواقب وخيمة أقلها التناحر بين القبائل، التي خلاياها نائمة، غير أنه صحيح أيضاً أن حكام السعودية لا يقرأون الخريطة الإقليمية جيداً، ولا يرغبون في فهم الحراك الشعبي العربي، ولذلك يستمرون في تطبيق مقولة نشأت قبل ستين سنة وهي ‘جوِّع كليبك يتبعك’.

‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية