روجيه غارودي وصدام الحضارات: حرب بين وحدانية السوق والمعنى

حجم الخط
0

■ الغرب «عرض» أو «عارض»، أي «طارئ وليس أصيلا»، و«ثقافته مشوّهة»، بهذه العبارات الموجزة، يفكك روجيه غارودي (1913- 2012) المفكر الفرنسي، العقل الغربي، الذي يجنح إلى السيطرة والهيمنة، ولعل ذلك راجع في الأساس، إلى تلك التقاليد التي شكّلت الغرب على امتداد مراحل تاريخه، فقد بلورت المسيحية، وبالأخص الكاثوليكية، قانونه الأخلاقي، بينما تأثّرت السياسة والحقوق والدولة بالقانون الروماني.
أمّا التراث الإغريقي، فقد ألقى ظلاله على الفكر والفنون، هذه المستويات الثلاثة أثّرت، بشكل أو بآخر، في تشكيل الغرب، وفي ممارسته على أرض الواقع.
فالتراث الإغريقي، باعتباره حالة فكرية، ينحو منحى السيطرة على الطبيعة والإنسان، وأعطى التقليد الروماني الغربَ المرجعية ليكون مركزاً للعالم، في حين يوفّر التراث المسيحي، المسوّغ الديني والمبرر الأخلاقي، في الحق في السيطرة على العالم، ومما لا شك فيه، أن اعتماد الغرب على مثل هذه التقاليد منذ البدايات، جعله يسلك طريق الهيمنة، قد تتغير المسميات، من عصر إلى آخر، غير أن الهدف واحد، ففي القديم، برزت أسطورة «الشعب المختار» من أجل تبرير إبادة الآخرين، إلى الإمبراطورية الرومانية، التي ادّعت بأنها مركز القوة، وأن كل الطرق تؤدي إلى روما، بحيث ضمّت في حدودها كل العالم، الذي أسمته أوروبا بـ«الحضارة»، باسم هذه الحضارة، أعطت نفسها الحق في استبعاد الشعوب «البربرية» واستغلالها، أمّا الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تسعى إلى إقامة نظام عالمي نهّاب، بعولمة نموذجها السياسي والاقتصادي، كل ذلك هو نتيجة الثقافة المشوّهة، التي تغذّى الغرب من خلالها، على حب السيطرة والهيمنة، وكما هو معروف، أن كل سيطرة هي في حاجة إلى صراع، وكل صراع هو في حاجة إلى مسوّغات، حتّى يغدو أخلاقياً، وحتّى تلتف حوله الشعوب.
في هذا الإطار، أي حب السيطرة، يدخل مشروع صدام الحضارات، الذي أخرجه صموئيل هنتنغتون (1927- 2008) إلى العلن، بعد نهاية الحرب الباردة، ورفض العالم للأيديولوجية الشيوعية، وبروز الولايات المتحدة كقوة وحيدة، كان من نتائج ذلك، انتفاء الأسباب الأيديولوجية في تعاون الدول وتحالفها في الصراعات المقبلة، وعليه فإن الصراع في عصر ما بعد الأيديولوجية، سيستدعي الثقافة والدين والإثنية، كمنطلق لإقامة التحالفات، ومبرّر للنزاعات، بحيث ستكون المجابهة المقبلة، حضارية بين الغرب وبقية العالم، بعبارة غارودي «مجابهة حضارات بين المركز (الغرب) والمحيط (البلدان المستعمرة سابقاً)، واللافت للنظر، بحسب غارودي، أن هنتنغتون «يعطي هاتين المجموعتين دلالة ضمنية دينية» عندما يرجع سبب النزاع إلى «صدام بين الحضارة (المسيحية ـ اليهودية) وتواطؤ (إسلامي ـ كونفوشيوسي)».
إن التسويق لحرب حضارية بين الغرب وبقية العالم، هو دليل قويٌّ على إفلاس المشروع الأمريكي، وأنه يعاني أزمة عميقة، ومشكلة كبيرة، ولعل إخراج هذه الأطروحة في ذلك الوقت بالذات، وبتلك الطريقة سيّئة السيناريو والإخراج، هو دلالة قوية على تخبط العقل الاستراتيجي الأمريكي، يقول غارودي: «لقد أسيء طرح المشكلة (من أساسها)، ولكنها مشكلة حقيقية «، لذا يجب على أمريكا أن تراجع حساباتها، وتعيد رسم خططها ومخططاتها، لأنها، في واقع الأمر، لن «تتمكن من بسط نظامها النّهاب، السوق الحر، على العالم كله» عن طريق هذه الاستراتيجية أو أي استراتيجية أخرى، لا تأخذ بعين الاعتبار، البعد الروحي للإنسان، والمعنى الحقيقي من الحياة، بل على العكس من ذلك، ربما ستأتي بنتائج عكسية، إذ قد تشكّل صدمة قوية، سماها غارودي بـ«صدمة محضّرة»، تكون سبباً في بداية النضال ضد نظام وحدانية السوق، الذي يعمل بكل جهد على كسّر أي مقاومة، قد تظهر من طرف «كل أولئك الذين احتفظوا بنظام قيم آخر غير القيم التجارية».

صراع بين القيم

على هذا الأساس، يرى غارودي أن صدام الحضارات، هو في الحقيقة، صيحة خوف وتحذير من الغرب، من حجم الرفض لمشروعه، ومن المقاومات التي تظهر منددة بسياساته، ومن ثمّ، فإن الصراع القائم في العالم، ليس كما ادعى هنتنغتون، ورافع لأجله في أطروحته، بل هو، في واقع الأمر، صراع بين القيم، بمعنى آخر، صراع بين الإلحاد والإيمان، وحرب بين وحدانية السوق والمعنى، وبين الانحطاط إلى الغريزة الحيوانية للنفس الإنسانية والتسامي، أي «التسامي في الهدف ضد الاستسلام لحتميات اقتصادية غدت قوانين طبيعية، كما التلقائية الغريزية».
لعل ما أراد هنتنغتون أن يقوله، لكنه أخفاه بهذا التعبير الصدامي، لكي يعطي أطروحته مشروعية لدى أصحاب القرار في المنظومة الغربية، بحسب غارودي، هو الرفض المتنامي للقيم الغربية في العالم، بسبب عدم احترامها لقدسية الإنسان، لذا، فإن المقاومات التي تظهر هنا وهناك، ما هي، في الحقيقة، إلا ردّ فعل على الأصولية الاستعمارية الجديدة، لحماية النفس من التبعية، ولإنقاذ الهوية الأصلية، التي تعبّر عن الذات من الذوبان والانسحاق، حتى «لو كانت هوية قديمة، غاية في القدم وأسطورية، الهوية المعارضة للثقافة المستوردة»، إذ تعدّ الدعوة إلى العودة إلى الأصول، شكلا من أشكال المقاومة، وتعبيراً عن الرفض، وطريقة للاحتجاج، حتّى لو كانت هذه الأصول ممتدة «إلى عصر ذهبي بعيد، واقع في الماضي» السحيق.

في سبيل حوار الحضارات

على أن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل يكون حوار الحضارات سبيلا لإنقاذ العالم من الانتحار الكوني؟
لقد بلور غارودي في كتابه «حوار الحضارات» مشروعاً متكاملا للحوار بين الحضارات، حتى أنه لم يبخس الثقافات الإنسانية المنسية، في غياهب ذاكرة الشعوب حقها، إذ منحها، كما يبدو، المكانة التي تستحقها، ودعاها إلى المشاركة في الحوار، لأنها، في واقع الأمر، تملك رصيداً إنسانياً، ثرياً وعميقاً، قد يساهم في منح الحوار معاني غائبة في الحضارة الغربية أو غيرها، وبالتالي، ابتكار مستقبل حقيقي، يشارك فيه الجميع من أجل الجميع، يقوم هذا المشروع على ثلاثة مرتكزات أساسية هي:
1- ضرورة دراسة الحضارات اللاغربية في مجال الدراسات، بحيث إن منزلتها تعادل، على الأقل، منزلة الثقافة الغربية من حيث الأهمية.
2- الاهتمام بمبحث الجمال، وإعطاؤه المنزلة، التي تعطى لتعليم العلوم والتقنيات.
3- جعل الاهتمام بالمستقبليات، والتفكير بالغايات والأهداف، أهمية تعادل أهمية التاريخ على الأقل.
وفي نظر غارودي، فإن الحوار بين الحضارات هو السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله «أن يولد مشروع كوني يتسق مع اختراع المستقبل، ابتغاء أن يخترع الجميع مستقبل الجميع» بدون إقصاء أو تهميش، وعليه، فقد غدا حوار الحضارات ضرورة ملحة ومهمة، بل قضية حياة أو موت، يتحدد بموجبه بقاء البشرية، خاصة في هذا العصر، عصر بلغ فيه الخطر حداً عظيماً، نتيجة سياسات الغرب الرعنّاء، التي قادت البشرية إلى الانتحار والموت، المهم أن يدرك الغرب بأنه لا يملك مشروعاً جماعياً «يتعلق بمستقبل الإنسان، عدا تنمية إنتاجه واستهلاكه، بالاعتماد على تفوق الأسلحة»، اعتراف الغرب بـ«النّقص»، هو إقرار ضمني بحاجته إلى الآخرين، مهما بلغ من قوة، اقتصادية أو عسكرية، عندما يدرك ذلك، ويدرك أهمية الثقافات غير الغربية، وأنه مدين لها بشكل أو بآخر، عندئذٍ يكون الحوار بين الحضارات هو جسر النّجاة، و«السبيل الوحيد، الذي بقي مفتوحاً أمامنا (البشرية) خارج مأزق الموت».
هناك طريق آخر لا يقل أهمية، يرسمه غارودي للحوار بين الإسلام والغرب، من خلال النتيجة التي يصل إليها، في تحليله الأخير، بالقول «إن كل نهضة في الغرب، تبدأ برفض وحدانية السوق» و«كل نهضة للإسلام، تبدأ بقراءة جديدة للقرآن الكريم»، أي أن مراجعة الذات، هي المنطلق الحقيقي لحوار بنّاء بين الغرب والإسلام، لكن ذلك يتطلب جرأة وشجاعة من الطرفين، إذ يجب على الغرب أن يتواضع للآخرين، ويتخلى عن غروره وغطرسته، وعن حلمه في الهيمنة، يبدأ ذلك بإلغاء حرية السوق، وبرفض عقيدة وحدانية السوق، التي دمّرت المعنى، وغدت القيم الإنسانية بموجبها قيماً تجارية، بالموازاة مع ذلك، لا بد عليه، أي الغرب، أن يعمل بإخلاص في إعادة بناء عالم متكافل ومتضامن، في المقابل، على المسلمين مراجعة تراثهم عن طريق قراءة جديدة لنصوص القرآن، قراءة جديدة من شأنها، إعادة «الإسلام الحي» إلى واقع النّاس وعالمهم، عن طريق إحياء الفكر النقدي والتجديدي، حتّى «يقي الإسلام من مرضه الرئيس: قراءة النصوص المقدسة بعيون الموتى».
في المحصلة، عندما تخلص النوايا من الطرفين، ويتنازل كل طرف عما يعكّر صفو الحوار، وعندما يكون الهمّ الأول والأخير منه، هو إنقاذ البشرية من الموت والانتحار، ويكون القاسم المشترك فيه، هو احترام حياة الإنسان، وقداسته، يصبح التفاهم سهلا، والتعايش ممكناً.

٭ كاتب مغربي

روجيه غارودي وصدام الحضارات: حرب بين وحدانية السوق والمعنى

سعدون يخلف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية