في هذا الأسبوع هاجت الولايات المتحدة واهتزت إسرائيل بسبب دونالد ترامب لأسباب مختلفة تمامًا، والعاصفة التي اجتاحت الولايات المتحدة تركزت على إدانة مدير أمن ترامب السابق بول مونفورد، واعتراف محاميه مايكل كوهين، والحديث مجددًا عن احتمال تنحية ترامب، ولم يكن القلق في إسرائيل يرتبط بكل هذا، لقد نبع من جمل عدة قالها ترامب ربما لحرف الأنظار، وذلك في اجتماع انتخابي في غرب فرجينيا الذي لم يكن مرتبطًا كما يبدو بمشاكله المتزايدة.
ستضطر إسرائيل إلى دفع «ثمن باهظ جدًا»، قال ترامب، مقابل قراره الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقله السفارة الأمريكية إليها. الآن دور الفلسطينيين، أشار ترامب بلسانه الطفولي «الحصول على شيء ما جيد». كلهم يقولون إن اتفاقًا بين الطرفين غير ممكن، أضاف، ولكننا سننتظر ونرى. «سيكون الأمر مثيرًا للاهتمام». هذا ذكّر بالشتيمة التي اعتاد دبلوماسيون بريطانيون، وعلى رأسهم اوستن تشمبرلين وأخوه نفين، على وصفه كشتيمة تهكمية عتيقة: «إن شاء الله ستعيشون في أزمنة مثيرة للاهتمام».
أقوال ترامب حلت على إسرائيل كعاصفة في يوم صاف، واعتاد الإسرائيليون على التأكيد بأنهم الابن العزيز على البيت الأبيض، أما الفلسطينيون فمبعدون بسبب اليأس. الدعم الكامل لترامب، اعتقد كثيرون، هو محبة مجانية بدون ثمن من جانبهم، ومن المؤكد أنه ليس ثمنًا باهظًا، وفجأة تبين أن الأمر غير متعلق بمطالب لترامب، بل إن هذه المطالب من شأنها أن تكون جدية ومؤلمة. الإيقاظ من الحلم كان مفاجئًا وقاسيًا.
الموظفون الأمريكيون الذين فوجئوا من أن شخصًا ما يأخذ على محمل الجد أقوال الرئيس، كانوا بدأوا فورًا بفحص الأضرار؛ فمستشار الأمن القومي جون بولتون الذي كان في زيارة لإسرائيل تجاهل الأقوال الصريحة لترامب وقال إنه لا يوجد تغيير في موقفه: الرئيس لا يطالب إسرائيل بشيء مقابل نقل السفارة. براك ربيد اقتبس في موقع «اكسيوس»، وموظفون في الإدارة أوضحوا بطريقة تلمودية أن تعديل «ثمن عال جدًا» للرئيس ترامب هو مفهوم نسبي فقط، والحديث لا يدور حقًا عن «ثمن عال» من ناحية موضوعية. المتحدثة باسم البيض الأبيض، سارة هاكبي ساندرز، تجاهلت بطريقتها غير المهذبة الأسئلة ورفضت تسوية التناقض بين أقوال الرئيس وتوضيحات مساعده.
وبهذا الشكل، فإن الخيول في إسرائيل هربت من الإسطبل، والمستوطنون بدأوا الاستعداد لصراع مع رئيس أمريكي محبوب تحول فعليًا إلى من يغرس سكينًا في ظهر دولة اليهود. المتحدثون باسم الحكومة محرجون في القدس وقاموا بإطلاق صافرات تهدئة، وتعهدوا بأن ترامب ما زال الصديق رقم واحد، وتمتموا بعبارة أن كل شيء سيكون على ما يرام، على أمل أن يقنعوا أنفسهم على الأقل، بل أخطر من ذلك، فيما يتعلق بنتنياهو ذلك أن لليسار فائدة مزدوجة في هذا، سواء من إمكانية أن يضغط ترامب على إسرائيل في أن تسير نحو الفلسطينيين، وفي أن استخذاءه أمام ترامب انفجر في وجهه كما يبدو.
إن التدقيق في أقوال الرئيس كان يجب أن يرفع منسوب أهميتها إلى درجة تاريخية. أولًا، اهتم ترامب باتخاذه قرار نقل السفارة خلافًا لرأي زعماء العالم الذين اتصلوا به دون توقف في محاولة ثنيه عن هذا القرار، إلى درجة أنه توقف عن الرد على الاتصالات. ولم يدفع الفلسطينيون الثمن وحدهم، أشار الرئيس، بل الولايات المتحدة أيضًا: رئيسها ومكانتها الدولية. وبصفته رجل أعمال، فمعروف أن ترامب كثير التردد في دفع ديونه، لكنه يحرص على جباية كل ما يعود له حتى الأغورة الأخيرة.
العامل المقلق أكثر في أقوال ترامب، وليس فقط من ناحية إسرائيل، هو ادعاؤه المرفوض تمامًا بأن نقل السفارة الأمريكية أزال فعليًا موضوع القدس عن طاولة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. ترامب يعتقد ـ كما يتبين ـ بأنه لم يعترف بسيطرة إسرائيل على القدس فحسب، بل منحها المدينة هدية، «هم ولا مرة انتصروا على القدس»، قال عن ذلك سلفه، أما هو فقال: «نحن رفعنا الموضوع عن الطاولة، ولا يجدر الحديث ثانية».
هذه ليست المرة الأولى التي يسمع فيها ترامب هذا الادعاء الهذياني. تصعب معرفة من أين استقاه: ربما لم يفهم توجيهات موظفيه، وربما أن شلدون ادلسون همس بذلك في أذنه، وربما اعتقد حقًا وبسذاجة أن كلماته تكفي من أجل تغيير الواقع بشكل نهائي، وربما أخذ بصورة جدية تلك الأوصاف الحماسية لمستوطنين شاكرين والمقارنات بينه وبين كورش منقذ اليهود والقدس، وربما استوعب أقوال نتنياهو التي حسبها هو الصديق الأكبر لإسرائيل طوال تاريخ الإنسانية، ولم يصنع أحد معروفًا كما فعل.
مهما كان الأمر، فإن ترامب إذا كان يعتقد أنه أعطى مفاتيح المدينة الأبدية لنتنياهو واليهود وأزاح مطالب الفلسطينيين فيها، فيمكنه أن يطلب من إسرائيل «ثمنًا باهظًا جدًا». مقابل القدس الذهبية، المدينة المقدسة والجميلة، التي تتطلع إليها عيون الأجيال المتواصلة من اليهود، ومن المعقول أن ترامب سيعتقد أنه يمكنه أن يطالب بنصف المملكة إن لم يكن أكثر.
لا يهم إذا كان الواقع فعليًا عكس ذلك تمامًا. إسرائيل والفلسطينيون لم ينجحوا حقًا في الماضي في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل القدس، ولكن في عصر ترامب وكنتيجة مباشرة لقراراته تحولت المدينة إلى عقبة لا يمكن تجاوزها، ليس أمام اتفاق سلام فحسب، بل لمجرد عقد محادثات سياسية. أقوال ترامب في غرب فرجينيا عقدت الوضع ويتضح منها أن ترامب يعتقد أن الفلسطينيين سيوافقون على نسيان كامل لقدس أقداسهم مقابل «شيء ما جيد»، الذي سينجح في الحصول عليه من نتنياهو. الزعيم الفلسطيني الذي سيوافق على صفقة تبادل كهذه لم يولد بعد، ولا حتى زعيم عربي سيوافق عليها إذا كان يريد البقاء على قيد الحياة.
بطل العالم في الأكاذيب
بالإمكان وربما يجدر حل أقوال ترامب كتيار أفكار غير مفلتر. هذا الرئيس هو بطل العالم في الأوهام، أنصاف الحقائق والأكاذيب الكاملة. هو يقول ما يخطر بباله ومتى يخطر بباله، وإذا أراد سيدعي غدًا عكس ذلك تمامًا. لقد أقسم في الماضي أنه لا يعرف نجمة الإغراء ستورمي دانيالز، ولم يكن له معها علاقة، وبالتأكيد لم يسمع عن ثمن سكوت دفع لها. في مقابلة مع شبكة «فوكس» أول أمس، لم يقتصر اعتراف ترامب ـ من دون أن يرف له جفن ـ بأن الـ 130 دولارًا التي حولها محاميه لستورمي خرجت من جيبه، بل إن هذه الحقيقة التي ينكرها حتى الآن تبرئه من كل تهمة بمخالفة قوانين تمويل الانتخابات وتخرجه بريئًا طاهرًا ليظل يطارد دون ذنب اقترفه.
توقيت تصريح ترامب ليس حكيمًا إلا إذا كانت أفكاره قد تشوشت، وهو احتمال يجب عدم استبعاده في يوم ما. في الوقت الذي يعلق فيه ترامب بضائقة سياسية وإعلامية غير مسبوقة، حيث خصومه وأعداؤه يحاصرون البيت الأبيض ويطالبون تحويل إدانة منفورد وخيانة كوهين إلى فؤوس ستقطع رأسه، فإن ترامب بحاجة إلى معقل دعمه وإلى القاعدة المخلصة أكثر من أي وقت مضى. وبدونها لا يستطيع ردع الجمهوريين الذين توصل العديد منهم هذا الأسبوع إلى استنتاج بأن السيل لدى الرئيس قد بلغ الزبى، ويجب الإصغاء أخيرًا إلى صوت ضميرهم والخروج ضده.
ثمة عنصر حيوي في قاعدة ترامب، وهم الافنغلستيون المؤمنون الذين ينكرون عيوبه وأفعاله ويتبعونه بالنار والماء، ولن يكون لهؤلاء أي مشكلة في تجاهل المخالفات الخطيرة لقانون تمويل الانتخابات، وسيستوعبون تنسيقًا ممنوعًا بينه وبين الكرملين، إذا كان المحقق الخاص روبرت مولر سيثبت أن هذا ما حدث. ولكن أي مواجهة مع إسرائيل في أساس وجودها؟ وأي تصادم مع نتنياهو رسولهم الإلهي؟
وبالنسبة إلى مؤيديه المسيحيين، الذين يتوقعون أن إسرائيل تقوم بدورها في تقريب يوم الدين وآخر الزمان، فإن هذا سيكون جسرًا بعيدًا جدًا. ولكن حتى لو لم يكن ترامب يقصد كما يقول مبعوثوه، وحتى لو كانت مطالبته بـ «ثمن عال جدًا» قد تبددت فورًا عند خروجها من فمه، فإن أقواله في غرب فرجينيا يجب أن تدوي كطلقة تحذير، مقدمة محتملة لمستقبل مهدد. هي توضح أن ترامب مستعد للانقلاب على إسرائيل في طرفة عين وأن يطالبها بتنازلات مقابل الإنجازات، التي هي أيضًا من ثمار خياله، بل وممكن أيضًا أن يضربها إذا تمردت عليه، وكأنها حليفة متدنية مثل كندا أو ألمانيا أو بريطانيا، التي ينكل بها ترامب بلذة شديدة. هكذا يتصرف مع سلسلة طويلة من المخلصين السابقين، السياسيين والمستشارين والمحامين، الذين ضربهم في اللحظة التي تجرأوا فيها على الوقوف ضده. هذا الحدث يكشف الخطأ المميت الذي ارتكبه نتنياهو عندما وضع كل بيض إسرائيل في سلة الرئيس الأمريكي الجاهل والعصبي والمتقلب والمكروه. نتنياهو أبقى إسرائيل عارية وغير قادرة على الدفاع عن نفسها. لقد قام بدور نشط في تعزيز مكانة ترامب في الحزب الجمهوري الذي تحول إلى خاتم للتوقيع على كل أفعال وأخطاء الرئيس. في حالة مواجهة مع إسرائيل فإن نتنياهو لا يستيطع الاعتماد على دعمهم، وفي أحسن الحالات سينقسم الجمهوريون بين أغلبية تسير خلفه، وبين أقلية تقرر أن الإضرار بإسرائيل ليس له كفارة.
في حالات مشابهة في الماضي، فإن إسرائيل كانت تستطيع على الأقل الاستناد إلى دعم حزب المعارضة، لكن نتنياهو حرق بعناية جسوره مع الديمقراطيين وترك خلفه أرضًا محروقة. عن خطأ عدائه لبراك أوباما وتحديه المكشوف له، في خطابه في الكونغرس ضد الاتفاق النووي مع إيران، أضاف نتنياهو جريمة الاستخذاء منفلت العقال للرئيس، الذي يمقته الديمقراطيون من أعماق قلوبهم. الاستطلاع الذي نشره هذا الأسبوع معهد «غالوب» هو المعتبر كتحذير واضح: 17 في المئة من المصوتين الديمقراطيين أيدوا نتنياهو مقابل 60 في المئة من الجمهوريين. في هذا الوضع فإن سياسيين ديمقراطيين سيهبّون لمساعدة رئيس حكومة إسرائيل وسيعرضون فعليًا أنفسهم للخطر.
حكومة عاقلة كانت الآن ستقوم بإعادة تقدير جديدة بخصوص مقاربتها المطلوبة، وكان عليها أن تقف على بعد معقول من ترامب وتقوم بخطوات طوارئ لتحسين علاقاتها مع خصومه.
احتمالية نجاح ديمقراطي كبير في تشرين الثاني ينقل إلى أيدي الحزب مجلس النواب كانت ستعتبر عملية مطلوبة من شأنها أن تقيد الرئيس في سياسته تجاه إسرائيل، وسيناريو عزل ترامب كان سيتحول إلى أمر جذاب. ترامب قال أمس بوقاحته غير المسبوقة إن عزله سيؤدي إلى فوضى وانهيار اقتصادي وفقر جماعي. ولكن إسرائيل ستحصل على رئيس جديد اسمه مايك فينس. وخلافًا لترامب الذي هو المخلص لنفسه فقط، فإن فينس هو مسيحاني أصيل ومؤيد لإسرائيل.
بيد أن نتنياهو غارق أكثر من اللازم في ترامب، إلى درجة لا يمكنه فيها الانسحاب.. لقد راهن على كل الصندوق. إن تماهيه مع الرئيس الأمريكي هو تماه تام. إن ترامب ونتنياهو في خارطة القيادة العادية هما زوجان محبان، ترى هل سيذهان معًا؟ مواجهة نتنياهو مع أوباما التي تحولت إلى صداقة مدهشة مع ترامب هي ورقة رابحة بالنسبة له في شعبيته، ودليل على الوعي السياسي لرئيس الحكومة ونظرته بعيدة المدى. إذا تبين أن ترامب ـ مثل سلفه ـ جندي مقنع كما سيدعون في اليمين، فإن نتنياهو سيجد صعوبة في أن ينهض من هذه الضربة. لذلك ليس لديه خيار سوى أن يظل إلى جانب ترامب وأن يتمسك بأهداب بذلته الكبيرة جدًا وربطة عنقه الطويلة جدًا، وأن يصلي ألا تنتهي سفرته في قطار الجبال والشياطين لترامب بتحطم مدوّ.
حيمي شليف
هآرتس 24/8/2018