منذ ان انتهت الانتخابات البرلمانية العراقية التي اجريت 12 أيار/مايو الماضي، والكل ينتظر تشكيل البرلمان الذي سيفرز بدوره الحكومة المقبلة. لكن وضع العراق السياسي بات مختلفا عما سواه في دول العالم، إذ لا تمثل الانتخابات البرلمانية سوى خطوة أولى تكون مصحوبة عادة بكم هائل من الاتهامات بالتزوير والتلاعب والطعن بالنتائج. وبعد ان تتجاوز الهيئة المشرفة على العملية الانتخابية هذه المطبات، يبدأ مارثون ما بات يعرف بتشكيل الكتلة الأكبر تحت قبة البرلمان، إذ ان ما تفرزه الانتخابات من نتائج قد يتعرض للتغيير بعد ان يتم إدماج كتل مع بعضها ويتحالف الأصدقاء والأعداء ليكونوا ما يعرف بالكتلة الأكبر، وإذا تم ذلك فإن هذه الخطوة أيضا لا تعد حاسمة لتنهي قلق تشكيل البرلمان والحكومة، إذ يجب التعريج بخطوة ثالثة على إرضاء حتى الكتل الصغيرة التي تطالب بحصتها من الحكومة المقبلة وإلا فإنها ستبدأ في خلق العراقيل المعطلة للعملية السياسية كلها.
معسكرا الشيعة
منذ الأيام الأولى التي تلت الانتخابات وبالرغم من الحراك الذي شمل كل الأحزاب الشيعية إلا ان المراقب كان يلحظ بوضوح وجود خطين واضحين في الحراك الشيعي، ومعيار التقسيم كان متمثلا بمدى القرب من إيران. فالفريق الأول كان يضم الأحزاب والحركات الأكثر قربا لإيران وهي كتلة الفتح بقيادة هادي العامري وكتلة دولة القانون بقيادة نوري المالكي، بينما كان الفريق الأبعد عن إيران ممثلا في كتلة سائرون بقيادة مقتدى الصدر وكتلة النصر بقيادة حيدر العبادي وتيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم.
وربما كان معيار البعد والقرب من إيران غير واضح، حتى اعتبر بعض المتعجلين ان الائتلاف الذي يحاول مقتدى الصدر تشكيله سيمثل تيارا يعمل على وضع حد للتدخلات الإيرانية في العراق، وأشاعوا عنه انه يتلقى دعما خليجيا وأمريكيا للقيام بذلك. بينما أشاع منتقدو الفريق الآخر أن التحالف الذي يحاول هادي العامري تشكيله سيجعل من العراق حديقة خلفية لإيران وبالتالي سيفتح جبهات الحرب على المصالح الأمريكية في العراق.
وكان لكل من التيارين حلفاء من السنة والكرد يحاول ان يكمل بهم نصاب تشكيل الكتلة الأكبر، وكانت تقاربات كل تيار مع أحزاب سنية وكردية محكومة بمعايير مصلحية آنية براغماتية تنطلق من مقولة ان السياسة فن الممكن، والواقع يضمر أشياء مختلفة عن هذا الشعار بشكل جوهري.
غياب المعارضة
سبقت الانتخابات الأخيرة تصريحات عدد من زعماء الأحزاب الشيعية التي تصاعدت بشكل ملفت مطالبة العملية السياسية بالخروج من ربقة الحكومات الائتلافية التي عرفت عراقيا بالمحاصصة، والتي باتت تمثل الشماعة التي علقت عليها كل مشاكل العراق على مدى 15 عاما من العملية السياسية المتعثرة.
ومع ان المحاصصة الحزبية وحكومات المشاركة التي تشكلت منذ 2005 كانت معضلة حقيقية، إلا ان واقع الحال السياسي العراقي يقول ان كل الطبقة السياسية كانت مرتاحة بل وسعيدة بذلك، لأن هذه الحكومات الائتلافية أنتجت تخادم الفاسدين بين مختلف فصائل الفرقاء السياسيين، وكانت سببا رئيسيا في تفشي الفساد وتغوله واستشراء الفشل والرثاثة السياسية التي سيطرت على المشهد العراقي.
واتسمت طبيعة العمل السياسي بالتكالب على المناصب والاستحواذ على المؤسسات وتحويل مؤسسات الخدمة العامة إلى إقطاعيات حزبية وعائلية وعشائرية، لتقوم الأحزاب بتوزيع ريعها على مناصريها من المؤيدين في عملية استزلام بائسة، حيث يعد السياسي ناخبيه بتوزيع الوظائف والريع دون وجه قانوني.
ولطالما كانت الديمقراطية العراقية الجديدة عرجاء لأن الكل مشاركون في الحكومة، والكل يراقب أداء السلطة التنفيذية الذي هو جزء منها أصلا، وبالتالي تمت التغطية على صفقات فساد أهلكت البلد ونخرت كل مؤسساته. قبيل الانتخابات الأخيرة تصاعدت أصوات وتحديدا من كتلة دولة القانون التي يقودها نوري المالكي مطالبة بتشكيل حكومة أغلبية سياسية، وعلى من لا يحصل على الأصوات الكافية ان يكون جزءا من معارضة برلمانية، وهذا ما يحصل في كل التجارب الديمقراطية. لكن ما ان أعلنت نتيجة الانتخابات التي كانت مخيبىة لدولة القانون التي حصلت على 25 مقعدا فقط، حتى ابتدأت الطروحات التي تشي بعودة العملية السياسية إلى سابق عهدها، ومحاولة تشكيل ائتلاف الكتلة الأكبر القائم على الأسس القديمة نفسها.
ومع كل انتخابات شهدها العراق تتصاعد الأصوات بالتبشير بتكوين ائتلاف عابر للطائفية يشمل كل المكونات، وأضيف إليه منذ 2015 صفة سحرية أخرى هي محاربة الفساد وتشكيل حكومة كفاءات وتكنوقراط، وأضاف لها مقتدى الصدر هذه المرة توصيف غامض جديد هو «الحكومة الأبوية». وواقع الحال على الأرض ينبئ بتكذيب كل ذلك، فلا الائتلافات عابرة للطائفية ولا الحكومات تحارب الفساد ولا تجدي كل الأسماء المهنية والتكنوقراط التي فيها لتنهض وتخلص المواطن من الخراب، إذ تسيطر على القرارات الوجوه الكالحة نفسها لقادة الكتل من اخطبوطات العملية السياسية.
بعد انتهاء عمليات إعادة العد والفرز وإعلان تصديق النتائج من اللجنة القضائية وإحالتها للمحكمة الاتحادية للتصديق على عضوية من فاز في الانتخابات البرلمانية، تصاعدت وتيرة الحراك السياسي كما كان متوقعا لتشكيل ما يعرف بالكتلة الأكبر، والخطوة الأبرز التي شهدتها الأيام الفائتة هي ما عرف باجتماع فندق بابل وسط بغداد العاصمة الذي تم في 19 اب/اغسطس الجاري والذي حضره كل من رئيس الوزراء زعيم كتلة النصر (42 مقعدا) حيدر العبادي، وزعيم كتلة سائرون (54 مقعدا) مقتدى الصدر، وزعيم تيار الحكمة (20 مقعدا) عمار الحكيم، وكاظم الشمري وصالح المطلك عن ائتلاف الوطنية (25 مقعداً). وكان متوقعا اشتراك جمال الكربولي وأسامة النجيفي وهما قياديّان في كتلة المحور الوطني السنية (نحو 25 مقعدا) التي يتزعمها خميس الخنجر، بالإضافة إلى ممثلين عن الحزبين الكرديين الرئيسيين (43 مقعدا) لإعلان كتلة يتجاوز عدد مقاعدها 200 مقعد وتتولى تشكيل الحكومة الجديدة.
لكن الذي حصل هو انسحاب كتلة المحور الوطني بقيادة خميس الخنجر والكتلة الكردستانية من الاجتماع، مما أضعف موقف المجتمعين وختم الاجتماع ببيان ضعيف اللغة والمحتوى. وابتدأت التسريبات حول حقيقة ما جرى في فندق بابل تنتشر صحافيا وعلى صفحات التواصل الاجتماعي. إذ سرب المقربون من تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم، انهم رفضوا الائتلاف مع الخنجر المتهم بدعم تنظيم «داعش» الإرهابي، وان صفحته السياسية مليئة بالاتهامات التي تمنع الكتل الشيعية من التعاطي معه، واتهمت من طرف آخر العامري والمالكي بقبول الائتلاف مع من تلطخت يده ـ والمقصود هنا الخنجر ـ بالأمس القريب «بدماء شهداء الحشد الشعبي» الشيعي.
بينما أشارت بعض التسريبات الصحافية إلى »توصل الحزبين الكرديين الرئيسيين إلى تفاهمات مع تحالف المحور الوطني (السني) بقيادة خميس الخنجر للعمل كجبهة سياسية واحدة تتفاوض على تشكيل الحكومة العراقية الجديدة». وحسب المصادر فإن اتفاقا يوفر ضمانات مكتوبة، يؤسس لتحالف سني كردي على أنقاض التحالف الشيعي الكردي السابق، اعتبره الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، يؤسس لخريطة جديدة في العملية السياسية. وأشارت هذه التسريبات لتصريحات المصادر المطلعة، التي أفادت بأن أطرافا إقليمية وخليجية، دخلت على خط قيادات سنّية وكردية لتوجيه المسار نحو تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي، وعزت هذه المصادر فشل اجتماع فندق بابل لضغوط بعض الدول الخليجية التي مورست في هذا الشأن والتي أدت إلى نفور محور (الخنجر ـ النجيفي ـ الكربولي) من تحالف (الصدر ـ العبادي ـ الحكيم ـ علاوي) بعد ان كانوا على وشك التحالف.
اسرار اجتماع أربيل
وقد أشارت بعض المصادر الصحافية إلى اجتماع عقد في أربيل عاصمة إقليم كردستان متزامنا مع اجتماع فندق بابل، وحضره ممثلو الأحزاب الكردية وممثلو الكتل السنية، وكان من المقرر ان ينتقل المجتمعون بعد مناقشة أجندتهم السياسية وتوحيد مطالبهم لتقديمها في اجتماع فندق بابل، لكن بعض التطورات حصلت في اللحظات الأخيرة في أربيل حالت دون مجيء قسم منهم إلى بغداد رغم الضغوط التي مارسها المبعوث الأمريكي بريت ماكغورك. وأوضحت مصادر مطلعة على تفاصيل اجتماع أربيل أن «ماكغورك وضع طائرة خاصة تحت تصرفهم للانتقال من أربيل إلى بغداد للمشاركة في اجتماع فندق بابل» لكن بعض قيادات كتلة المحور الوطني السنية بقيادة الخنجر رفضت هذه الضغوط بحجة عدم تفتيت البيت السني، مما أدى إلى إرجاء الإعلان عن تشكيل الكتلة الأكبر واستبدالها بما أعلن عنه تحت مسمى «نواة» الكتلة الأكبر.
وما يزال الشد والجذب بين الكتل السياسية العراقية في أوله، والنزاع بين نفوذ الولايات المتحدة وإيران ودول الإقليم على أشده، ويتوقع المراقبون ان يستغرق تشكيل الكتلة الأكبر مداه الدستوري المحدد بـ 90 يوما لتشكيل الحكومة تبدأ بعد أول اجتماع للبرلمان الجديد. كما يتوقع بعض المراقبين ان الحكومة الجديدة لن تكون إلا امتدادا للحكومات الائتلافية السابقة.
11HAD
صادق الطائي