السياحة الحزبية في تونس إلى أين؟

حجم الخط
0

 

تونس ـ «القدس العربي» ـ روعة قاسم: أعلن في تونس عن قرب تأسيس كتلة برلمانية جديدة ستضم نوابا مستقلين وآخرين كانوا ينتمون إلى كتل أخرى، ويتكون عمودها الفقري من منتمين سابقين إلى حركتي نداء تونس ومشروع تونس. كما ستضم هذه الكتلة نواب الاتحاد الوطني الحر الذي يبدو أنه عاد إلى المعترك السياسي من أوسع الأبواب بعد أن تم رفع حجر السفر على رئيسه سليم الرياحي.
ويردد البعض ما مفاده، أن هذه الكتلة الجديدة هي كتلة رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي يناور للبقاء في الحكم وعدم معرفة مصير سلفه الحبيب الصيد الذي أجبر في وقت سابق على الاستقالة. ولعل ما يدعم هذا الرأي هو وجود كتلة الاتحاد الوطني الحر ضمن الكتلة الجديدة وذلك بعد تزكية نوابها لوزير الداخلية الذي سماه الشاهد مؤخرا خلفا للطفي براهم إثر رفعه حجر السفر على الرياحي.
ويطرح سؤال جوهري في تونس حول السياحة الحزبية، التي باتت ظاهرة لافتة، وحول أثرها على الاستقرار في المشهد السياسي، حيث يرى جل الخبراء والمحللين أن من أسباب عدم وصول المسار السياسي إلى بر الأمان هو عدم استقرار الكتل النيابية، الأمر الذي انعكس سلبا على المشهد العام. فباستثناء كتلة حركة النهضة وكتلة أخرى أو كتلتان، عرفت بقية الكتل استقالات وتغييرات في الولاءات جعلت الخريطة البرلمانية تتغير في مناسبات عدة.
ولعل السؤال الذي يطرح هل يجوز أخلاقيا أن يتجول النائب بين الكتل النيابية غير عابئ بإرادة الناخب الذي لم يصوت لشخصه بل لقائمة حزبية تخص حزبا بعينه؟ ألا يعتبر ذلك ضربا من ضروب التزوير لإرادة الناخب الذي وجه إرادته صوب قائمة انتخابية فإذا بأحد المنتمين إليها أو بعضهم أو أغلبهم يفرون في اتجاهات متفرقة مخالفة أحيانا إلى حد التضاد لإرادة الناخب الذي زكى بطريقة غير مباشرة هذا النائب أو ذاك من خلال التصويت على القائمة التي ينتمي إليها؟
لا جدال في أن السياحة الحزبية التي باتت ظاهرة لافتة وتؤرق المضاجع هي سبب من أسباب حالة الفوضى في المشهد السياسي، لذلك دعت أطراف عديدة إلى إيجاد حل جذري لها أساسه احترام إرادة الناخب الذي صوت لهذا المترشح أو ذاك فقط لأنه ينتمي إلى هذه القائمة أو تلك والتابعة لهذا الحزب أو ذلك.
وفي هذا الإطار يرى الكاتب والمحلل السياسي التونسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن السياحة الحزبية في تونس هي كارثة بكل المقاييس، فهي دليل قاطع على عدم وجود الانضباط الحزبي داخل السواد الأعظم من الأحزاب السياسية. كما أنها دليل على قلة نضج الطبقة السياسية التي تفكر في مصالحها ولا تقيم وزنا للمصلحة الوطنية التي تتعارض مع هذه الرحلات بين الكتل النيابية.
ويضيف محدثنا قائلا: «أغلب التنقلات الحزبية والبرلمانية حصلت في كتلة حركة نداء تونس التي انقسمت بخروج محسن مرزوق ومن معه وتأسيسهم لحزب المشروع. كما انبثقت أحزاب أخرى عن نداء تونس زعزعت كيان حزب رئيس الجمهورية وملأته تصدعات، الأمر الذي انعكس سلبا على تماسك الحزب وكتلته النيابية وجعل حركة النهضة تصبح صاحبة أكبر كتلة في البرلمان.
وحتى حزب مشروع تونس الذي أسسه الأمين العام السابق لحزب نداء تونس محسن مرزوق، عرفت كتلته مؤخرا انشقاقات تسبب فيها تصويت بعض أعضاء الكتلة لوزير الداخلية الجديد الذي عينه الشاهد. ويبدو أن مشروع محسن مرزوق بصدد الأفول وأنه لا مفر من عودة الإبن الضال، إلى حزبه الأم حركة نداء تونس».
ويرى مروان السراي الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق، أن حركة النهضة هي الأكثر انضباطا من بين جميع الأحزاب التونسية ولم تعرف كتلتها هجرات كالتي عرفتها بقية الكتل في إطار السياحة الحزبية. و السبب في ذلك، حسب السراي، هو أن الحركة الإسلامية التونسية هي تنظيم عقائدي وليست حزبا سياسيا بالمفهوم الصحيح للأحزاب في علم الاجتماع السياسي.
ويضيف محدثنا قائلا لـ«القدس العربي»: «لن تشهد كتلة حركة النهضة أي انشقاقات ولن تعرف مصير الحزب الأغلبي السابق حركة نداء تونس وستبقى النهضة عنوانا من عناوين الاستقرار في المشهد السياسي التونسي. لكن ذلك لا يمنع من القول بأن الحركة ساهمت في هذه الفوضى السياسية من خلال الدستور الجديد لسنة 2014 والذي ركز نظاما سياسيا هجينا لا وجود لمثيله في دساتير العالم، فرق السلطة على أكثر من جهة وجعل استقرار الحكومات أمرا مستحيلا وكأن بها ترغب في البقاء منفردة على الساحة.
وجب منع السياحة الحزبية في تونس بكل السبل المتاحة الأمر الذي سيمكن من ترشيد هذا النظام الغريب الذي ينال فيه رئيس الحكومة المعين صلاحيات أوسع من رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب. فما يحصل اليوم من تأسيس لكتلة جديدة داخل البرلمان يقال أنها تابعة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد هو مهزلة بكل المقاييس وعبث بإرادة الناخب الذي لم يختر فلانا كنائب إلا بسبب انتمائه إلى هذا الحزب أو ذاك وليس لشخصه وذلك بالنظر إلى نظام الاقتراع على القوائم المعتمد في تونس».

11TAG

السياحة الحزبية في تونس إلى أين؟

اشترك في قائمتنا البريدية