لا يمكن أن يكون هناك يسار غير صهيوني في أوساط الجمهور اليهودي في إسرائيل. معنى وجود يسار هو رفض مبدئي لحق تقرير المصير للجمهور اليهودي في البلاد. فهجرة اليهود إلى البلاد واستيطانهم هنا هو الأساس الذي قامت عليه دولة إسرائيل. إن إنكار هذا الحق لم يسمع في يوم ما من قبل من يسمون «يسار غير صهيوني». هذا اليسار عاد وأكد خلال سنوات وطنيته الإسرائيلية. ويجدر التذكير بأن مئير فلنر، وهو رئيس الحزب الشيوعي الإسرائيلي «ماكي» كان قد وقع على وثيقة الاستقلال. أكثر من مرة أشاد فلنر بمساهمة الشيوعيين، يهودًا وعربًا، في استقلال إسرائيل، وذلك لكونهم شاركوا في الحرب ضد عصابات القاوقجي، حسب تعبيره. زعماء «ماكي» احتفلوا بيوم الاستقلال في السنوات الأولى من قيام الدولة. وكان نشيد «هتكفاه» خلال عشرات السنين يختتم مؤتمرات «ماكي»، وإذا كان الأمر هكذا فما هو جوهر الدولة اليهودية؟
الإجابة نجدها في محاضرة للبروفيسور اهارون براك، رئيس المحكمة العليا المتقاعد، في عام 2012 في الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم («قيّم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية»). «دولة يهودية»، قال، «هي دولة تاريخها مندمج ومضفور بتاريخ الشعب اليهودي، ولغتها الأساسية هي العبرية، وأعيادها الأساسية تعكس النهضة القومية.. دولة استيطان اليهود في حقولها ومدنها وفي مستوطناتها هو أول اهتماماتها. الدولة تطور الثقافة اليهودية والتعليم اليهودي ومحبة الشعب اليهودي.. دولة يستوفون قيمها في المقام الأول من تراثها الديني. والتوراة هي الكتاب الأساسي في كتبها، وأنبياء إسرائيل هم الأساس لتراثها». البروفيسور براك يربط وبصورة وثيقة بين القومية اليهودية، أي الصهيونية، وبين اليهودية كدين يرتكز على تراث إسرائيل: «هناك علاقة وطيدة بين الجانب الصهيوني وجانبها التراثي، وغالبًا هناك تطابق بينهما».
يبدو أن قانون القومية إنما هو كما نسخ من محاضرة البروفيسور براك، وإن كان بطرح مبدأ المساواة منها، الذي أكد عليه في أقواله: «عندما يكون شخص داخل وطنه القومي فهو يستحق المساواة، مهما كان دينه أو قوميته».
الحقيقة هي أنه حتى الأحزاب التي تسمى «عربية» التي تشملها القائمة المشتركة، ليست مناهضة للصهيونية، إذ إن مشاركتها في الانتخابات للكنيست هي في الأساس اعتراف بالصهيونية التي أنشأت الدولة وأسست الكنيست. في كتاب قوانين إسرائيل ثمة قوانين أخرى مرتبطة بهذا الموضوع ـ قانون الأساس: الكنيست وقانون الأحزاب ـ هذه القوانين تضع قيودًا وشروطًا على تسجيل الأحزاب المسموح لها المنافسة في الانتخابات. في قانون الأحزاب ورد: «لا يتم تسجيل حزب إذا كان في أحد أهدافه أو أفعاله بصورة صريحة أو بصورة غير مباشرة، واحد من الآتي: نفي وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.. فهذا الأمر يدل على أمر بسيط في جوهره: كل الأحزاب المسماة «عربية» التي هي في الكنيست لا يوجد أي هدف من أهدافها أو أفعالها لا بصورة صريحة أو بصورة ضمنية نفي وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وإلا سيتم منعها من التنافس في الانتخابات».
هذه المسألة طرحت أكثر من مرة على المحكمة العليا. التماسات ضد شطب قوائم عربية مثل «بلد» و«راعم» و«تاعل» من التنافس في الانتخابات بحثت في المحكمة العليا. ممثلو هذه الأحزاب عادوا وادعوا أمام القضاة أنه لا يوجد في برامجهم الانتخابية أي نفي لحق وجود إسرائيل كدولة يهودية. وكما هو معروف فإن المحكمة العليا قبلت ادعاءات الملتمسين، هذه الأحزاب انتخبت للكنيست، كما أن عضاءها أقسموا يمين الولاء.
إذا كان الأمر كذلك فأين هو اليسار المناهض للصهيونية في إسرائيل؟
هآرتس 28/8/2018