التصنيف الائتماني لإسرائيل والأمن القومي

حجم الخط
0

الاقتصاد هو أحد العواميد الفقرية للأمن القومي، والتصنيف الائتماني هو أحد المقاييس لحصانته. فالتصنيف الائتماني للدولة هو مؤشر، من ناحية شركة التصنيف، يستهدف تقدير معقولية قدرتها على الإيفاء بتسديد ديونها المالية وفقًا لشروط القروض (وبشكل عام شهادات الدين التي أصدرتها). كلما كان التصنيف أعلى يسهل على الدولة تجنيد القروض، وبفائدة أقل. أما شركات التصنيف فهي شركات تجارية، يفترض أن تكون موضوعية. وشركات التصنيف الدولية البارزة، التي تصنف الاقتصاد الإسرائيلي أيضًا هي: Fitch, S&P,. Moody’s وتكون الفوارق في التصنيفات التي تصدرها هذه الشركات في الغالب طفيفة.
لقد رفعت شركة التصنيف الائتماني S&P في 4 آب 2008 التصنيف الائتماني لإسرائيل درجة واحدة ـ من مستوى A زائد إلى AA ناقص مع أفق مستقر (Stable). وهذا تصنيف ذروة بالنسبة إلى الماضي. قبل عقد كان التصنيف الائتماني لإسرائيل A، وقبل عقدين A ناقص وقبل ثلاثة عقود BBB ناقص (مستوى التصنيف الأدنى في مجموعة التصنيف للاستثمارات الثابتة). بمعنى أن مكانة إسرائيل تحسنت مع السنين حتى وصلت إلى هذه الذروة. وحسب شركة التصنيف، فإن «اقتصاد إسرائيل هو اقتصاد مزدهر، حديث ومتنوع مع معدلات نمو عالية نسبيًا». في إطار الاستعراض أشير إيجابًا إلى معدل البطالة، الذي يوجد في درك أسفل تاريخي (4.2 في المئة)، تطورات في اقتصاد الغاز الطبيعي، وقوة المؤسسات الاقتصادية في إسرائيل رغم الساحة السياسية المنقسمة.
العلامة الأعلى في سلم التصنيف في شركة S&P هي AAA والأدنى هي D. ومن الدول التي تحظى بتصنيفAAA: سويسرا، وألمانيا، وهولندا، والسويد، وكندا، وأستراليا، وسنغافورة. وفي تصنيف AA زائد تأتي الولايات المتحدة وفنلندا. وفي تصنيف AA تأتي ضمن أخريات انكلترا، وفرنسا، وكوريا الجنوبية، وبلجيكيا، والكويت. وفي تصنيف AA ناقص وفي صف واحد مع إسرائيل تأتي تايوان، وأستونيا، وتشيكيا وقطر.
تحت إسرائيل تأتي: اليابان (+A)، وإيرلندا (+A)، وآيسلندا (A)، والسعودية ( ـ A)، والمكسيك (+BBB)، وإيطاليا (BBB)، وغيرها.
يتم التصنيف أساسًا وفق سجل الالتزام بتسديدات الدين والمقاييس الاقتصادية التي على رأسها النسبة بين الدين العام والناتج. نسبة الدين ـ الناتج في إسرائيل بلغت في عام 2017 نحو 61 في المئة، مقابل نحو 75 في المئة في عام 2009. وانخفاض متعدد السنين في نسبة الدين ـ الناتج ينبع أساسًا من ارتفاع كبير في الناتج الإسرائيلي. والدين العام ارتفع هو الآخر، ولكن بنسبة أدنى من ارتفاع الناتج (في عام 2017 كان الدين عاليًا اسميًا بنحو 25 في المئة مما في عام 2009). وحسب تقدير S&P، فإن اقتصاد إسرائيل سينمو في عام 2018 بمعدل 3.6 في المئة (مقابل 3.3 في المئة في عام 2017)، في عام 2019 بمعدل 3.3 في المئة، وفي عام 2020 بمعدل 3.2 في المئة، وفي عام 2021 بمعدل 3.1 في المئة. وبتقدير S&P، فإن نسبة الدين ـ الناتج ستواصل الانخفاض في السنوات القادمة.
المعنى المباشر للاقتصاد: رفع التصنيف الائتماني لإسرائيل سيحسن قدرتها على تحقيق شروط تمويل أفضل لديونها الخارجية.
هذا الرفع كفيل بأن يحسن أيضًا تصنيف الشركات في الاقتصاد، التي سد تصنيف الدولة طريقها أمام رفع تصنفيها في العالم، ومن هنا يحسن أيضًا قدرتها على تجنيد القروض في الخارج.
وأشارت محافظة إسرائيل، كرنيت بلوغ، إلى أن «قرار S&P لرفع التصنيف الائتماني لإسرائيل يعكس ثقة المؤسسات الدولية في السياسة الاقتصادية للحكومة وفي السياسة النقدية لبنك إسرائيل». ويتوقع وزير المالية، موشيه كحلون، بأن رفع التصنيف سيوفر على إسرائيل نفقات تمويل مليارات الشواكل التي ستوجه إلى الوزارات الاجتماعية. ومع ذلك يعتقد الاقتصاديون بأن التحسن في كلفة التمويل سيكون محدودًا، لأن الوضع الجيد نسبيًا في إسرائيل في هذا المجال بات محسوبًا منذ الآن لدى السوق المالية حتى قبل هذا البيان، وإضافة إلى ذلك متوقع ارتفاع في الفوائد في العالم، ما سيجعل من الصعب تقليص كلفة التمويل للدول بشكل عام. كما أن استمرار عملية تخفيض نسبة الدين ـ الناتج تستوجب استمرار سياسة مضبوطة من ناحية النفقات العامة أيضًا.
صحيح أن التصنيف يقوم أساسًا على مقاييس اقتصادية معينة، ولكن شركات التصنيف تعترف بأن الاقتصاد لا يقف بحد ذاته وهو متعلق بباقي عناصر الأمن القومي. فإلى جانب المعطيات الاقتصادية، فقد أخذ بالحسبان في تقرير شركة S&P أيضًا الوضع الأمني والوضع الداخلي في إسرائيل.
وحسب S&P فإن التعرض العالي للمخاطر الأمنية يثقل على التصنيف الائتماني لإسرائيل، بمعنى أن إسرائيل حظيت بتصنيف عال بسبب الأداء الاقتصادي الاستثنائي، وذلك رغم المخاطر الأمنية الشاذة.
يعكس هذا الأمر أيضًا نجاح جهاز الأمن في السماح لنمو اقتصادي مستقر، في ظروف أمنية غير مستقرة. مثال ملموس على ذلك هو مساهمة منظومة القبة الحديدية في استمرار أداء الاقتصاد الإسرائيلي في ضوء نار الصواريخ من قطاع غزة، ولا سيما في عهد حملة «الجرف الصامد» (50 يومًا من القتال). يوضح هذا المثال بأن نفقات الأمن في إسرائيل، ولا سيما في الحرب غير المتماثلة، ليست بالضرورة معاملالنفقات العدو الأمنية، بل لشدة الضرر المباشر وغير المباشر (خسارة الناتج) الذي من شأن العدو أن يتسبب به، أي «ثمن عدم الأمن» لإسرائيل. ونشدد هنا على أن قدرة الاقتصاد على الأداء في أوضاع المواجهة العسكرية منوطة بقدر كبير أيضًا بطبيعة المواجهة.
إن التصنيف الجديد هو علامة ذات قيمة لاقتصاد إسرائيل وصورته، ولكن لا مجال للتباهي به أكثر مما ينبغي. صحيح أن التوقع الاقتصادي يتجه نحو استمرار وتيرة النمو العالية في السنوات القادمة مقارنة بالدول المتطورة، ولكن وتيرة النمو من المتوقع أن تقل. كما أن التصنيف لا يعكس مقاييس اقتصادية ـ اجتماعية، مثل توزيع الثراء ومداخيل الدولة، التي تصنف فيها إسرائيل في درجة متدنية مقارنة بدول الـ OECD. واستمرار ميل النمو في الاقتصاد الإسرائيلي للمدى الأبعد يستوجب منذ الآن معالجة جذرية للمشاكل الأساسية، وعلى رأسها المشاركة المتدنية في قوة العمل وإنتاجية العمل المتدنية لقسم مهم من السكان، والعبء الهائل على البنى التحتية للمواصلات في الدولة، البارز سلبًا في الـ OECD، والبيروقراطية الزائدة، والفوارق في جهاز التعليم، والتركيز الزائد للسكان والأملاك الاقتصادية في وسط البلاد. وإلى جانب ذلك، مطلوب استمرار تطوير محركات نمو الاقتصاد الإسرائيلي وعلى رأسها قطاع التكنولوجيا العليا، ووجود مستوى أمن عال يعبر عن نفسه بتهدئة أمنية أو في تقليص تأثير الأحداث الأمنية على الاقتصاد.

نظرة عليا 28/8/2018

التصنيف الائتماني لإسرائيل والأمن القومي
الاقتصاد لا يزال يعاني من مشاكل أساسية لا مفر من معالجتها
شموئيل ايفن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية