ذات عيد

حجم الخط
1

قرّرَ الرّجلُ الحريصُ الحصيف شراءَ حمَلٍ صغير قبل عيد الأضحى بمدّة، وذلك بعد أن أجرى حساباتٍ مطوّلةٍ دقيقة، خرجَ منها بدراسةٍ لجدوى اقتصاديّة تفيد بأنَّه سيوّفرُ الكثير من المال بهذه الطّريقة، خاصّة مع ارتفاع أسعار الأضاحي في السّنوات الأخيرة، فعادَ إلى أسرته مزهوّا ليستقبلَ الأولادُ المخلوقَ الوديع بفرحٍ ودهشةٍ وذهولٍ.
مضت الأيّام وهم منشغلون بالضّيف الجميل، وساد البيتَ الكثيرُ من الهرجِ والمرج، وتوّزعَ الأطفالُ المهمّاتِ في ما بينهم، فالصّغيرة كانت مسؤولة عن إطعامِه، فيما تولّى أخوها الأكبر شؤونَ تنظيفِه والعناية بالفناء خارج البيت، حيث يقطن الوافد الغالي، أمّا الأوسط، فتولّى مهمّةَ التّرفيه وتحديدِ أوقات لعبهم مع صديقِه ذي الصّوف الأبيض الجميل.
كان أوّلُ ما يفعلونه في الصّباح؛ هو الاطمئنان على أوضاع الحمَل الذي بدأ حجمُه بالازدياد تدريجيّا، وبدأ يكتسبُ سمةَ الخروفِ مكتمل البنية، ما زاد من فرحتهم به، خاصّة حين كان يبادلُهم اهتمامَهم به بحركاتٍ طريفة كانت تضحكُهم كثيرا طوال الوقت.
صباح العيد، أفاق الجميعُ بحماسة ليبدأوا الاستعدادَ لليوم الاستثنائي، وفيما كان الصّغارُ منشغلين بارتداءِ ثيابهم الجديدة، وصلَهم صوتُ أبيهم يناديهم من الخارج، فهرعوا إليه بفرح تحوّل إلى ذعر لمّا شاهدوه يحملُ سكينا غليظة بيد، ويُطبقُ على رأس الخروف باليد الأخرى، فتعالت صيحاتُهم بفزع وهم ينظرون نحو صديقهم الذي كان يتطلّعُ نحوهم بتوسّل وجزع، ويُصدرُ أصوات استغاثة دبّت في قلوبهم الصّغيرة الرّعب، لكن كان الأبُ قد بدأ بتمرير السّكين على رقبته ليسيلَ الدّمُ غزيرا أمام أعينهم، وارتفعَ في المكان نحيبٌ جماعيّ ليبادرهم الأب بصيحةٍ مجلجلة وهو يزمجرُغاضبا: «دعوتكم للمشاهدة حتى تقوى قلوبُكم، كيف تبكون؟ هيا إلى الدّاخل، لا أريد أن أرى أيّا منكم هنا، هيا!».
خرجت الأمُّ مذعورة مع ارتفاع الأصوات، فاحتضنتهم وقادتهم إلى الدّاخل بهدوء لتجلسَهم حولها وتشرح كيف أنَّ الّلحم سيُوّزعُ على الفقراء، مع محاولةٍ لشرحِ الحكمة والغاية والمبرّر لما حدث، لكنَّ كل ما ذكرت لم ينفع في كفكفة دموعهم، أوإسكاتهم عن الشّهيق الطّفولي الذي يفطرُ القلب!
ومضت أيّام العيد وهم منزوون في غرفتهم، في حين مضت ليالٍ عصيبة وهم يحلُمون بكوابيسَ مرعبة، فيهرعون لبعضهم في عتمة الليل بدون أن يملك أيّا منهم سبيلا لمواساة الآخر.
مرّت سنواتٌ طويلة على ذلك اليوم، اليوم الذي قرّر فيه الكبيرُ منهم الامتناع التّام عن أكل الّلحوم على أنواعها، فصارَ معروفا في محيطه على أنّه نباتي، وحين يخطرُ في بال أيٍّ كان سؤاله عن السّبب، يجده يتهرّب من الإجابة، ويُغيّر الموضوع تماما! أمّا الابنُ الأوسط، فصار يعاني من موجة اكتئابٍ تجتاحه في كلِّ عيد، بدون أن تجدي محاولاتُه عبر السّنين لتجاوز الموضوع! أمّا الصّغيرة التي تحوّلت إلى شابّة، فما زال لديها موقفٌ ما من أبيها… ولم تتمكّن من مسامحته حتى الّلحظة!

٭ كاتبة أردنية ووزيرة سابقة

ذات عيد

لانا مامكغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية