المركزية الغربية والثورات العربية
إن حالة الفصام بين السياسي والقيمي التي نلحظها في المواقف الغربية، قد تجد جذورها في بعض الخلفيات الفكرية التي يصدر عنها هؤلاء، خصوصا بالرجوع إلى ما يسمى ‘المركزية الثقافية الغربية’ التي لا تعتبر بقية العالم، خصوصا المنطقة العربية، جديرة بالديمقراطية، باعتبار قصورها عن ادارة ذاتها من خلال قرارها المستقل، بالإضافة إلى خشيتها المبررة بالنسبة لها من أن أي نظام ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية لا يمكن بأي صورة من الصور أن يخدم المصالح الغربية، بل ويمكن أن يتصادم معها بالضرورة، لا سيما في الموقف من الكيان الصهيوني على سبيل المثال.
إن الرؤية الإستراتيجية الغربية للإقليم الجغرافي العربي (ما يُسمى غربيا بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا) تجعله منحصرا في كونه مجرد مجال حيوي لممارسة الهيمنة السياسية والعسكرية والتنافس الاقتصادي لا أكثر، انه مجرد سوق مأهولة بمستهلكين فعليين أو افتراضيين، انه فضاء تجاري لإنتاج وتسويق السلع المختلفة المادية منها والرمزية، وهذا التصور الغربي المرتبط بمنطق السوق وبالمصلحة وبالتصور البراغماتي، من حيث أن معياره الأساسي هو الربح وسيولة رأس المال، يجعله بالضرورة في موقع مناقض ومناهض لما هو قيمي، وهو ما يفسر حالة التوجس من أي دور سياسي فاعل للجماهير العربية. لقد ظلت الأنظمة الغربية ورغم الشعارات البراقة التي ترفعها تستلهم خطابا إيديولوجيا مسكونا بمشاعر التفوق وممارسة ادوار الهداية وشيطنة الآخر، باعتباره حاملا للعنف، مسكونا بالإرهاب، كل ذلك في إطار نظرية استعلائية تعتبر الثقافات الأخرى ـ خصوصا العربية الإسلامية منها ـ ثقافات تهدد القيم الكونية التي تزعم الثقافة الغربية أنها الحامل لها. وانطلاقا من هذه الخلفية يمكن فهم الحرج الذي أصاب مراكز القرار الغربية في تعاملها مع ثورات عربية كان هدفها الحرية وهاجسها الديمقراطية والحقوق المدنية، ولم تستخدم العنف للتغيير بل تمكنت من التغلب على اشد الديكتاتوريات عنفا وولوغا في الدم من خلال احتجاجات سلمية وتعبيرات مدنية راقية.
لقد كشف الموقف الأمريكي الداعم للانقلاب العسكري في مصر، على سبيل المثال، وكذلك التآمر الفرنسي شبه المعلن ضد التحول الديمقراطي في تونس ـ تصريحات وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس بتاريخ 6/2/ 2013 ، ‘انه يتعين على باريس دعم الديمقراطيين في تونس لضمان عدم خيانة القيم التي قامت من أجلها ثورة الياسمين’، متهما حركة النهضة المشاركة في الحكم ‘بالفاشية الإسلامية ـ أو الموقف الروسي من التطورات السورية.
ان السياسة التي تنتهجها الدول الغربية المحورية تنطلق من وجهة نظر تتلازم فيها المصلحة بالعداء الثقافي للآخر المختلف، وهو هنا الشعوب العربية الإسلامية، إلى الحد الذي يصدق فيه ما قاله يوما صامويل هنتنغتون ‘ان الهوية الثقافية هي العامل الرئيسي في تحديد صداقات دولة ما وعداواتها’، فسمات التصور الغربي إزاء المنطقة العربية الإسلامية يقوم على:
ـ دعم التفكك الإقليمي: بمعنى ضرب الوحدة الجغرافية للدول ودفعها نحو مزيد من التشظي والتفكك، وإثارة النعرات الإقليمية والطائفية، وهي بالمناسبة سياسة معتمدة منذ بداية الغزو الاستعماري للمنطقة العربية/ الإسلامية ـ وتشكل اتفاقية سايكس/ بيكو التعبير الأوضح عنه.
ـ الدفع نحو التفكك الإيديولوجي والحضاري: وهو ما يجد تفسيره في ضرب الهوية القومية والدينية، وضخ مزيد من الدماء في الصراعات المحلية القائمة على الطائفية السياسية، وهو ما يعني تصدع الأسس القيمية وانهيار المنظومات الأخلاقية وتفكك المرجعيات المنتجة للدلالة والمعنى، مما يجرف شعوب المنطقة العربية الإسلامية في فضاء عولمي، مفتوح لا أفق له ولا تخوم.
على أن توصيف الموقف الرسمي الغربي لا يمنع من الإقرار بوجود تعاطف من المثقفين الغربيين مع الثورات العربية، والرغبة المتوقدة نحو تحقيق الحرية واستقلالية القرار، موقف الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي على سبيل المثال، ولكن يظل هؤلاء بعيدين عن أن يكونوا هم صانعي القرار أو المحددين للسياسات الرسمية الخارجية، التي لا تسترشد في الواقع بأية قيمة ولا تستهدف أية غاية قيمية باستثناء مقولات المصلحة والربح ومقولة القوة والهيمنة الشاملة، مع ما تعنيه هذه المفردات من رغبة ثاوية حينا ومعلنة أحيانا في إبقاء المنطقة العربية الإسلامية خاضعة للهيمنة والإطاحة بأي نفس تحرري فيها.
لقد بدأت الشعوب العربية بصنع أسطورتها الثورية الخاصة التي دخلت بها التاريخ من أوسع أبوابه، فقد تحدت عنف الحكام بكل طغيانهم وتمردت على القولبة الغربية بكل صيغها وفرضت شعارها المركزي ‘الحرية أولا وأخيرا’.
‘ باحث في الفكر السياسي ـ تونس