باريس- “القدس العربي”- آدم جابر: أكدت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في تقرير نشرته في عددها الصادر الأربعاء، أن الهجوم الشامل للجيش النظامي السوري على إدلب قد يتسبب فعلاً بكارثة إنسانية جديدة في سوريا، ولكنه سيشكل أيضا ضربة قاسية بالنسبة لأنقرة، التي يفترض أنها الحامية لجماعات المعارضة المسلحة في المنطقة، ويهدد مصالحها الإقليمية، المتمثلة أولاً برغبتها في إحباط ظهور منطقة تهيمن عليها القوات الكردية السورية على طول حدودها.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن النظام السوري والمعسكر المؤيد له يستخدم وجود الجهاديين في إدلب لإضفاء الشرعية على هجومه، في مواجهة الضغوط الغربية، حيث حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الاثنين، من مغبة أن “مأساة جديدة تلوح في الأفق” في سوريا، في الوقت الذي يحدق فيه خطر هجوم على إدلب. ودعا في نفس الوقت إلى “زيادة تعزيز الضغط على النظام السوري الذي لا يظهر أي رغبة حتى الآن في التفاوض على أي تحول سياسي”.
“لوموند” تابعت التوضيح، أنّ فصائل هيئة تحرير الشام تشكل المجموعة الأقوى عسكرياً في إدلب، وأن قادة هذه الفصائل يستبعدون أي مفاوضات مع النظام وداعميه. وقد بدأت هذه الفصائل منذ شهر يوليو/ تموز الماضي بتعزيز قوتها على الأرض في إدلب استعداداً لهجوم النظام السوري، حيث قامت باعتقال العديد من الرجال الذين تتهمهم بالسعي إلى التفاوض مع النظام، أو بالانتماء إلى الخلايا النائمة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، المنافس الجهادي الذي تقدمه هيئة تحرير الشام كطابور خامس للنظام.
في المقابل، يقف المعسكر المؤيد لدمشق، من جهته، على مشارف إدلب منذ أوائل آب/ أغسطس الجاري، حيث تحدثت مواقع إخبارية مؤيدة للأسد عن تعزيزات أرسلت إلى محافظة إدلب، بما في ذلك على جانبي جسر الشغور إلى الغرب، كما أن الجيش النظامي أسقط قبل أيام منشورات على المدينة، داعياً سُكانها إلى “الالتزام باتفاقات المصالحة المحلية كما فعلت المناطق السورية الأخرى”.
وكانت مثل هذه الدعوات بمثابة مقدمة للهجمات السابقة على المناطق التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة المسلحة.
ويأتي ذلك في وقت، تعمل فيه روسيا على تعزيز نظامها القائم على البحر، والذي يكمل وحدة من ثلاثين طائرة مقاتلة منتشرة بشكل دائم في قاعدة حميميم الجوية، بالإضافة إلى عدة آلاف من الأشخاص على الأرض يقومون بمساعدة قوات النظام السوري والإشراف عليها. فقد وصلت، الأحد الماضي، الفرقاطتان: الأميرال غريغوروفيتش والأميرال إيسن إلى شرق البحر المتوسط.
وأكدت صحيفة “إزفيستيا” الروسية، الثلاثاء، أن هذه القوة الروسية تضم عشر سفن معظمها مسلحة بصواريخ كروز من طراز كاليبر بعيد المدى، معتبرةً أن ذلك يندرج في إطار أكبر حشد للبحرية الروسية منذ تدخل موسكو في الصراع السوري.
هذه الخطوة اعتبرت صحيفة “لوموند” أنها تمثل “رسالة رادعة للدول الغربية”، تبينُ موسكو من خلالها قدراتها التكنولوجية لواشنطن وللعواصم الأوروبية الداعمة للمعارضة السورية. وذلك في وقت كثفت فيه المسؤولون الروس في الآونة الأخيرة من اتصالاتهم الدبلوماسية مع نظرائهم الأتراك بشأن مصير إدلب، إذ يدرك القادة الروس أنه ليس من مصلحتهم الإساءة إلى تركيا التي لا يمكنهم الاستغناء عنها من أجل فرض تسوية سياسية للصراع، كما تؤكد الصحيفة الفرنسية، مشيرة في نفس الوقت إلى أن المسؤولين الأتراك يدركون أن النظام السوري لا يمكنه شن هجوم على إدلب من دون دعم جوي روسي.
وعن الهجوم العسكري المرتقب على إدلب، نقلت الصحيفة الفرنسية عن آرون لوند، الباحث المتخصص في سوريا، قولَه إن: “من الصعب على النظام -حتى بدعم من الروس- الاستيلاء على إدلب خلال هجوم واحد، معتبراً في الوقت نفسه أن السيناريو الأكثر احتمالاً هو أن تكون هناك عملية محدودة”. ولكن حتى إن كان هذا الهجوم محدوداً، تقول “لوموند” فإنه قد يدفع عشرات الآلاف من المدنيين إلى الفرار من إدلب باتجاه الحدود التركية، وهو سيناريو كارثيٌ بالنسبة لأنقرة.
ومع ذلك اعتبر آرون لوند أن “هذا الخيار وإن كان ليس مثالياً للأتراك، إلا أنهم قد يضطرون إلى قبوله، حتى لو كانوا يفضلون الوضع الراهن”.
وخلصت “لوموند” إلى القول إن محافظة إدلب قد تكون بمثابة ورقة مساومة بين القوى المؤثرة في الصراع السوري. فـ”مصير إدلب لا علاقة له بقضية الجهاديين، بل بمعادلة جيو-استراتيجية أوسع يجد فيها ثلاثة ملايين مدني أنفسهم محاصرين”، وفق ما نقلت الصحيفة عن سام هيلر، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية.