محمود قرني في ‘لعنات مشرقية’: العالم حكاية لحكاية!

حجم الخط
0

في ديوانه الثامن ‘لعنات مشرقية’ الصادر عن دار الأدهم للنشر والتوزيع، بعد ‘حمامات الإنشاد وطرق طيبة للحفاة والشيطان في حقل التوت وأوقات مثالية لمحبة الأعداء وقصائد الغرقى…’.
يعرِّج الشاعر المصري محمود قرني على إحدى حكايات كتاب ‘ألف ليلة وليلة’ المعروفة باسم ‘حكاية أنس الوجود مع محبوبته الورد في الأكمام’؛ ليقدِّم لنا سردية ترى العالم حكاية لحكاية.. فتحيل الحياة إلى بديل ما.. إلى قاضٍ أخير يوجد في مكان بعيد.. إلى حيز لانهائي من التفاوض مع خيارات الإنسان الذي يمثل لنفسه العالم الناقص الذي تقترحه عليه الحكاية التي يتزاوج فيها الواقعي بالأسطوري.. والتخييلي بالشفهي.. والوظيفي بالرمزي.. عبر التداعيات الدائرية التي ينفتح فيها الحلمي على الكابوسي.. والموت على الصيرورة.. والغياب على الحضور.. والذات على الآخر.. ضمن إستراتيجية فنية تُمارَس في إطارها مستويات دلالية تغدو نسيجا من الإحالات اللامتناهية التي تخلخل بؤرة الحدث ومركز ثقله، على نحو يكف فيه الواقع عن أن يكون واقعيا، فتتعدد مرجعياته وحيواته، ويرمي بنا إلى أرض وعرة.. مؤكدا حيوية الذات الفردية وقدرتها على التعبير عن ماهيتها الداخلية، وما يتراكب داخل وعيها من طبقات تُفضي إلى انصهار أفقي الحياة والسرد.
وكما يمنحنا الفن التشكيلي من خلال الصورة استبصارات ومتعة تحوِّل إدراكاتنا وتشحننا بطاقة جديدة.. كذلك الحكاية.. ليست ما نرويه فحسب.. بل هي ما يتطور بالموازاة مع ما تسمعه الذات وتقرؤه.. فتصبح لنا ذاكرات متعددة تقترب من الماضي لتبتعد عنه ؛ متطلعةً إلى لحظة تجمع بين التاريخ والحرية.
يتكون ديوان ‘لعنات مشرقية’ من قصيدة واحدة طويلة تتألف من ثلاثة وأربعين مقطعا، تنهض على أشكال عدة منها الحكايات الصغيرة وتنويع أصوات السرد وزوايا رؤية الحدث؛ لتخلق مسارات درامية متنامية ومرويات مغايرة، يتخلل الصمت أعطافها، ويتسلل البياض إلى سواد كتابتها؛ الأمر الذي يضعنا أمام أنطولوجيا جديدة تزيح النقاب عن واقع ملتبس تصوغه مفارقات راهننا. وقد كان بورخيس يقول: ‘لست أدري ما إذا كان الأمر قد حصل بالفعل.. ما يهم اليوم هو أن هذه الحكاية قد رويت فأعتقد في صحتها’.. أي أن الممكن يقابل الواقع، أما الافتراضي فيناظر الراهن. وبذلك تنفتح الحياة على السؤال، على حزمة من الإشكاليات تتعلق بالتاريخ والإبستيمولوجيا بصدد الخلاف التأويلي الذي يشغل النظرية الأدبية المعاصرة، ونرى المتخيل الأفق الجمالي المشرع على الحياة، منتصرا لأيروس، في صراعه مع تاناتوس. من هنا؛ جاء الألم صنوا للحياة، والشعر وليد المأساة، والقلق والتوتر محايثيْن للحب. وقديما قالوا: بُني الحب على الجوْر، فلو أنصف فيه المعشوق لَسَمُجَ. فشرط العشق أن يواصل العاشق مكابدة الألم حتى يتحقق من جوهر العشق.
لهذا استهل الراوي في ديوان الشاعر محمود قرني’لعنات مشرقية مونولوغه ‘ بكلام الخادم الذي ألفى أنس الوجود جالسا على باب قصر الورد في الأكمام الذي بناه لها والدها الوزير إبراهيم في ‘جبل الثكلى’ لخشيته على ابنته من العشق، وعلى أنس الوجود من غضب السلطان الذي يحبه حبّا جمّا ولا يطيق فراقه، فبادره بالسؤال: من أنت، ومن أوصلك إلى هنا؟ فقال أنس الوجود: من أصبهان، وكنت مسافرا في البحر بتجارة، فانكسر المركب الذي كنت فيه، فرمتني الأمواج على ظهر هذه الجزيرة. فبكى الخادم، وعانقه، وقال: يا وجه الأحباب/ إن أصبهان بلادي/ ولي فيها بنت عم كنت أحبها/ وكنت متولعا بها/ فغزانا قوم أقوى منَّا/ وأخذوني في جملة الغنائم../ كنت صغيرا فقطعوا إحليلي/ وهاأنا على حالي/ بعد أن باعوني خادما../ تقدَّم يا أنس الوجود/ فـ ‘الورد في الأكمام’/ تركت اسمك على فم طائر القمري/ لكن لا تنسَ من يريدون أن يفكوا قيودهم’.
وبذلك يُحيلنا هذا المفتتح إلى لحظة تاريخية معقدة مسكونة بالهشاشة والقوة، تعيدنا إلى الزمن الفردي والجماعي الذي طُردنا منه، لتنقلنا إلى فضاء المصير المشترك والهوية الوطنية الجمعية، بعد أن اكتشف كلاهما أنس الوجود محظي السلطان والخادم أنهما ضحية سيرورة من التهميش والإقصاء، وهيراركية تسلطية مستبدة حرمتهما حق الوجود الحر والتعبير الطليق. وبذلك استطاع الراوي أن يجعل من لحظة لقائهما لحظة تصارع وحوار مع الزمن؛ لحظة توهج وتجسيد للدراما الإنسانية في آنٍ، عبر مرآة الذات المجدولة على همومها الإنسانية، وأسئلتها المفتوحة على الجهات الأربع.
يقول الراوي: هكذا نظرتِ الملاكة إلى إفريزها/ الذي غلَّفه ضباب رقيق/ وحاولت أن تملأ اللوحة الفارغة / فرسمتْ شجرة / رسمتِ امرأة / ثم رسمتْ رجلا .. وقالت: / هاهي الشجرة التي أنجبتِ الخطيئة / عمَّا قليل/ ستأتي الخمارة بالسكارى / الذين يقلقون بال النظام/ ستأتي التفاحة وهي تتمشى / في صحبة عشيقها / وسيأتي قارب العشاق / ليأخذ حصته من الألم’. إن سردية الشاعر هنا تعيد خلق الحياة وإدراكها الجمالي للغة؛ فتنأى عن الواقعية المباشرة، وحمولات السنتمنتالية الفضفاضة المترهلة؛ لتصنع تشكيلها المفارق.
غير أن سرديته الشعرية تقوم على بنية سردية متخيلة تُلغي الزمن الخطي وتتوسل الصوغ الحواري الداخلي والخطوط المتوازية التي تضم في إهابها الماضي والحاضر اللذيْن يلتقيان ويتقاطعان في نقطة ما تجمع بين التاريخ ولازمنية الشعر في غموضه الشفيف، عامدا إلى تشظية الحدث، ومحورة وقائعه حول أزمنة متعددة تشكِّل جغرافيا متحولة تقيم في اللامكان وأمدائه المفتوحة، وتعتمد التنوع والاختلاف مبدأ للوجود الإنساني.
‘لم أعد أذكر ذلك الوجه/ ورد الأكمام/ تلك الأميرة التي هربت من إخوتها/ قبل أن تداهمهم الآلام/ ويحل بمركبهم العطب./ كثيرون منهم الآن يتعلقون بخشبة/ في جوف المحيط/ وآخرون يترأسون قبائل/ عميقة الأثر في حياة أممهم/ سمعنا عن كثيرين منهم/ يقيمون المصانع ويدخنون الحشيش/ ويخرجون في نزهات شاطئية/ ويقولون إن ذلك من أجل الصالح العام/ وهناك آخرون يتاجرون في السلاح/ دفاعا عن الأغطية الوثيرة لشعوبهم’.
وعلى هذا النحو، ينهض النص على حراك دلالي يُفسح للانزياح حيزا كبيرا في بنية الصورة الشعرية، بما يكشف عن مسلسل الانهيارات الكبيرة في أرض الواقع وشبكاته الميتافيزيقية وشموليته التسلطية، ووهم امتلاك العالم، والتأكيد على التقاطع العنيف بين المعنى واللا معنى.. بين الحقيقة واللاحقيقة.. ومن ثم؛ الكشف عن طبيعة القوى الاجتماعية والسياسية المهيمنة عليه، وما لحق المجتمع على يديْها من تجريف وتكريس لنهج التمايزات، ترفدها منظومة شاملة من الفساد تُماهي بين النخبة والكارثة.. بين السلطة والهزيمة. غير أن فنتازيا النص تلعب دورا حيويا في التمييز بين الواقع المباشر وحقيقة أعمق.
لذلك لا يسعى النص هنا إلى تصوير الواقع المألوف، ولكن إلى تمزيقه والكشف عن تعقده واستحالة اختزاله.. متجاوزا فكرة التعاقد مع القارئ وتوقعاته. وهذا النقض للعهد مع القارئ ليس مجانيا ولا من قبيل العبث، بل يتناغم مع شك حقيقي حيال ماهية العالم الذي نعيش فيه.. ‘ستكون الحسرة نبيذا معتقا / وسنشرب حتى تقع السماء بين أيدينا../ قال الثعلب لصديقه، ثم أضاف:/ أرجوك لا تتهكم على بغلتي العرجاء / فهي من يعرف طريق الخمَّار../ عندئذ وقف ديك الأميرة على أطراف أصابعه / وصاح كما يفعل الخطباء البارعون: / التحية لأخي الثعلب / الذي بادر بالسلام / هكذا يمكنني أن أخدم وطني / وأنا في عنفوان نشوتي’.
وبذلك نغدو حيال حاضر مأزوم، يجري تأميمه بعنف التأويل، وتحويل يوتوبياه وأوهامه إلى واقع يُفرض بالقوة، وإنتاج نظام رمزي بمقدوره التمويه على غياب منطق/ نظام الحدث والفعل، وتقديم تمثيل مغلوط له. لهذا انتقل الشاعر من دائرة البوح الشعري، إلى دائرة الحوار الواسع مع الذات والعالم، وطرح الأسئلة المتعلقة بمصائرنا ومآلاتنا العامة.
غير أن نص ‘لعنات مشرقية’ تعددي الرؤى والوجوه، نُسج على أرضية يطبعها الانفصال، لا تني تخاطبنا بلغة الحدس والمخاطرة، ووصلها على نحو عميق بعالم الأشياء، من خلال اختبارات الجسد والروح في مظان الحياة ومجاليها، عبر الارتحال إلى عوالم متباينة، وطبقات شتى للواقع . لهذا تنسرب بين حنايا النص غنائية رهيفة تضع الإنسان بكل ملكاته العقلية والشعورية واللاشعورية في فضاء الامتلاء بالذات والتحقق.. ‘في حضرة العشاق / يتناجى خلفها مريدون هائمون / ومحبون يتنازعهم الغرام / وفي المراعي التي خلبتها الموسيقى / ينشدون بلسانها../عند ذلك تهتز أصابع المنشد / وتكاد تتفتت كبدُه / فينشد مليكته:
يا من يُساكن ورد الخدِّ والخالِ
أبكي لحالِكِ أم أبكي لأحوالي
بنتُ العصائر تمضي، فوق كاحلها
طيرُ الغَضَى غنَّى، طير الغَضَى خالي
كلُّ المحبين يشتاقون سكرتنا
كلُّ المحبين أعمامي وأخوالي
فتشدو الملكة : قلبي من الزاد والعشاقُ أموالي
فانظرْ إلى بدني وانظرْ إلى حالي
نقش الحُجَازِ على أطراف راحلتي
بُرْدُ العمومة أو قمريَّةُ الخالِ
مِفتاحُ قولِكَ منذورٌ لقائلةٍ
والعشق يسكن بين القيلِ والقالِ

لهذا يستيقظ الإنسان على حقيقته الإنسانية، عبر مغامرته الوجودية التي تأتلق روحه في مساربها، بنبيذ أشواقه ورغائبه، ومعايشة الحياة بالحواس، وما تسره النفس لبياضها المستحيل.
لهذا تغدو ‘الورد في الأكمام’ رمزا متعدد المستويات ينطوي على أبعاد عدة تنزل من الوحدة إلى الكثرة ؛ ومن ثم العثور عليها في صور الحب والوصال وتحرر الوعي وتحدي الموروثات والاستقلال والتمييز والإخفاقات الذاتية والهزائم العربية والهندسة الاجتماعية؛ وكأنها الحركة التي تصعد من عمق الزمن كتمرين قاسٍ على الحب والموت..على نحو يتيح استكشافا معقدا للمواقف التي يتماس فيها طريق الذات مع كل المصائر الحقيقية التي تولِّد طاقة المعاناة..’تقف ورد الأكمام/ حافية القدميْن/ تنتقي زهرة مطلية بالغرام/ تغني للأرامل في الساحة/ تُلقي حصاة في النبع/ ثم تتأمل صورتها على صفحة المياه/ وعندما يمر اليمام/مطأطئا/ خلف جثامين الجنود/ تناشد الجراد أن يغادر العتبة/ فيقف الصيارفة متأهبين/ على أطراف أصابعهم/ عندها يتقدم رجل/ يتحدث عن ثروات الأرض/ وكيف أنها ستظل سرا للمحاربين القدامى/ وكنزا للكهنة والسعادين/ وما علينا نحن- كشرقيين أخيار-/ سوى أن نطعم قلوبنا/ للحب والرهبة/ ونتوقف، بطريقة لائقة،/ لتمجيد المحزونين/ الذين يولدون أسفل التلال/ ثم ينفقون أعمارهم/ في التطلُّلعِ لأعاليها’. لذا لا تكف ‘الورد في الأكمام’ عن تدوير الواقع وتقليب النظر فيه، وفق منطق تركيبي يتضافر مع تكوينات الكادرات، وإيقاع الصراع السياسي فيه، ومنح قلقها إزاءه معادلا سرديا، يميط اللثام عن حقيقة العنف الذي يسم طبيعة العلاقة بين الرأسمالية والمستعمَرة، ويتحول فيه العنف السياسي إلى عنف قانوني،فعنف اقتصادي. لهذا راح ‘السير رابندرا’ يتذكر الحرب/ ولا يكاد يصدق/ أن الدوقة التي أهدته القبلة الرقيقة/ نبتت لها كل هذه الأنياب/ فيضع قلبه تحت الحذاء/ ويعود إلى مسقط رأسه في ‘كلكتا’/ لم يكن كسيرا ولا ميتا/ بل كتب إلى الدوقة نفسها/ يسترد القبلات/ التي طبعها على مؤخرتها/ في ضباب لندن وجزر الهند الشرقية/ وعندما أراد أن يعتذر لأبناء بوذا/ من قتلى الحرب والمجاعة/ وقف على مبعدة شبر واحد من الموت/ وطلب إلى معلمه النصيحة’.. في إشارة إلى ‘مذبحة البنجاب’ التي ارتكبتها قوات الاحتلال البريطاني عام 1919 ؛ لقمع أصوات ثوارها المطالبين بالحرية والاستقلال ؛ ولتكريس سياستها الرامية إلى تمزيق المجتمع الهندي، وتأبيد الأشكال البالية للمرحلة ما قبل الرأسمالية، وتراكم أشكال العنف، وتعميق الاستقطاب والتبعية . من هنا؛ تأتي أهمية قيام الراوي بإعادة قراءة التاريخ في ضوء جديد، سواء كان إسلاميا عبر فتوحات ‘قتيبة بن مسلم الباهلي’ لبلاد آسيا الوسطى في القرن الأول الهجري، وما انتهى إليه أبو عبد الله محمد الثاني عشر آخر ملوك الأندلس المسلمين، أو مصريا من خلال حروب محمد علي باشا الذي أرسل ابنه إبراهيم باشا على رأس حملة لفتح نجد والحجاز، أو هنديا إبان ثورة البنجاب على الهيمنة الكولونيالية البريطانية؛ في محاولة لإعادة الإنسان إلى دوره الطبيعي في ملحمة الكون، وتحريره من وهم ادعاء الذات بالسيادة على العالم والاستعلاء على الآخر والتمحور حول المركزية الإثنية كما فعل ‘كلود ليفي شتراوس’ و’ليفي بروهل’ وسواهما. والتأكيد- من ثم- على حيوية الحوار بين الثقافات وتعدديتها كشركاء متساوين نملك حرية الوصول إلى المجال العام. وهو ما يقتضي من وجهة نظر النص، إعادة تقويم ماضينا، وقراءته بشكل مغاير للسائد..’من سيدع الماضي يمر عفو خاطره/ دون أن يعض على شفتيْه المخدرتيْن/ ويحدق في حظوظه العاثرة/ على ذيل نجمة خرقاء؟’.. منتصرا بذلك لفردية معاصرة لا تستوحي من الماوراء حقيقتها، مُثَمِّنا الاستقلالية الذاتية للعقل البشري، وقدرة الإنسان على الابتكار الدلالي والكشف الوجودي للذات، ودمج سيرورتها في إطار المفاهيم الفلسفية والفيلولوجية والسسيولوجية والتاريخية . لذا أتى حوار محمود قرني مع ‘طاغور’و’جوته’ و’بورخيس’ تأكيدا على ضرورة الحوار المستمر بين مختلف التقاليد والتوجهات الفكرية، وأنه ليس بمقدور عقيدة سياسية ولا إيديولوجية أن تمثل الحقيقة الكاملة للحياة البشرية.. ومن ثم؛ يتعين توسيع حدود التفكير وضروبه المهيمنة، وإغناء الروح.
لهذا طاردت سردية الشاعر محمود قرني اللعنات المشرقية بقيمها التعددية والتحررية، ونزعتها الإنسانية، وثراء إرثها الروحي، ونظرها الصوفي الباطني المتوقد، وجوهرها الحر المستقل، حتى إن شاعر ألمانيا العظيم’جوته’ رأى أن من السمات اللافتة في الأدباء المشرقيين’أنهم يرجعون، غالبا، إلى موضوعات حسية ومرئية’، وأن العرب’يولدون شعراء، وينشأون كذلك’، وأن الشعر الشرقي يتميز ب’النظرة الشاملة إلى عالم الأشياء، والسهولة في النظم’، وأن’الطابع الأعلى للشعر الشرقي، هو ما نسميه – نحن الألمان- بال’geist’، أي الروح، غير أن الأمة كلها تمتاز بالفطنة والدعابة، كما يستنتج من الحكايات والنوادر التي لا حصر لها’.. وهو ما توقف محمود الراوي عند بعض ملامحه الفلكلورية وصوره الميثولوجية في مقطعه الثالث والأربعين الذي دعاه باسم ‘إنها اللعنة المشرقية’:’يولد الطفل في الصباح/ فيذهبون به إلى البحيرة/ حيث هناك من يُعَمِّده/ هناك من يرفع الأذان/ فوق رأسه/ وبعد أن يعيدوه إلى غرباله/ يضحكون حوله/ ينثرون الملح/ ثم ينثرون الحلوى/ ويختتمون أربعينيته الأولى../ في الظهيرة/ يسير على قدميْه/ – بقلب مؤمن شجاع -/ ثم يتأبط أسفاره/ متجها إلى المحراب/ حيث هناك من يقول له:/ يا صاحب النظر/ اذهبْ فأنت معافى/ أينما تكون../ وعندما يحل المساء/ ويكون قد انحنى ظهره/ يقف الناس لتحيته/ تصحبه الحسناوات من يده دون خجل/ ثم يعدنه/ سالما، إلى الأهل، فهناك من يحزن من أجله/ وهناك من يقول له:/ أيها الشرق الحزين/ لم يسعْك العالم الفاني/ فنمْ قريرا في غسق الأبدية’. وكأني بالنص يذهب مذهب ‘جوته’ – الذي توقف عنده في ديوانه هذا- حين كتب يبشر صديقه الوزير الألماني ‘كريستيان هاينرش شلوسر’ بنجاحه في اقتناء المخطوطات الشرقية للمكتبة الأميرية :’عند إمعان النظر؛ يتبين أن الدراسات الجديدة التي أعكف عليها الآن، هي نوع من ‘الهجرة’. إنها هروب من العصر الحاضر إلى قرون من الزمن بعيدة، وإلى مناطق يتوق المرء إلى أن يعثر فيها على ما يشبه الفردوس’.. متسلحا في ذلك بدرس ‘طاغور’ الذي ختم به مذكراته أو ذكرياته التي ترجمها ‘صلاح صلاح’ التي هاجم فيها بضراوة آلهة الجغرافيا الشريرة : ‘هذا العالم حلو/ لا أريد أن أموت/ أود أن أحيا في تيار الإنسانية’.. أو بتعبير محمود قرني:’هناك في الأعالي يتحدث رابندرا/ عن تلاميذه المخلصين/ وعن حويصلاتهم الجافة/ بينما يقتربون من سريره/ ويقولون له:/ قمْ أيها المعلم/ لدينا الكثير مما نفعله/ الهند تنهض في مذبح الرب/ ومن روحها التي فوقنا / صنعنا لك ريشة ومحبرة/ وخِطْنا لك الإزار’.. ألم يقلْ له ولنا ‘طاغور’: ‘أجهدت نفسي في شبابي لأصل إلى الإنسانية، كما كنت أتوق في طفولتي إلى العالم الخارجي من داخل الدائرة الطبشورية التي رسمها حولي الخدم؟’.. مشدودا دوما إلى لعبة الحياة التي تخايل الشاعر، مؤمنا بأن’ عقول البشر متصلة معا بوسيط عميق مستمر، وأن أي اضطراب في جزء يصل سرّا إلى الأجزاء الأخرى’.. غير أن النص راح يطلعنا على غنى عالم الشرق، وما يحفل به من ذخائر، دفعت ‘جوته’ إلى الإعجاب ب’حافظ الشيرازي’وقصائده ذات الطابع الشرقي وبحكايات ألف ليلة وليلة، وإلى التضلع في الإسلام والشعر الجاهلي؛ ومن ثم دراسة اللغة العربية وتعلمها؛ حتى إنه كتب إلى صديقه الوزير ‘كرستيان هاينرش شلوسر’ في رسالته المذكورة سالفا يقول له: لم يبقَ إلَّا القليل وأبدأ في تعلم العربية أيضا، وإني لأود، على الأقل، أن أتعلم أبجديتها لكي أكون قادرا على تقليد التمائم والطلاسم والأختام بصورتها الأصلية. وربما لا نجد لغة أخرى يتحد فيها الفكر والكلمة والحرف اتحادا أوليا أصيلا، كما هي الحال في العربية’.. وهو ما عبَّر عنه الراوي بقوله:’تاجر ‘البن والشيلان’/ يطل من بوابة شيراز/ على إيوانه الشرقي/ وعلى الملأ/ يتكلم عن الطِلِسْمَات الغريبة/ التي استطاع فكَّ رموزها/ وهو يتطوَّح على ظهر ناقته’.. بل إن ما أعجب ابن حركة الأنوار وروحها الليبرالية المتحررة ‘جوته’ في ‘حافظ الشيرازي’ كان ‘إيمانه الهادئ’، وأنه مثله عرضة ‘في بعض الأحايين لنوبة تشكك تجعلهما هدفا لهجوم المتشددين والمتزمتين الذين ينفون عنهم صدق الإيمان’، وأن ‘تدينهما لم يحلْ بينهما وبين الإقبال على الدنيا، وانسجامه (التدين) مع ما كان يخالجهما من، حين لآخر، من حمق وطيش’ على نحو ماذهبت ‘د.كاتارينا مومزن’الأستاذة بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الأميركية في دراستها القيِّمة عن ‘جوته والعالم العربي’.. لذلك يشير الراوي إشارة لافتة في هذا السياق، تربط بين ‘جوته’ وما كان ينتظره من مصير مظلم، وما حاق بالشاعر الوزير المعروف ‘بالطغرائي’ من غبن وسوء فهم أفضيا إلى قتله، فيقول:’ تاجر البن والشيلان/ يضحك من أعماقه/ يحلم بمقعد إلى جوار ‘أبي إسماعيل الطغرائي’/ دون أن تمنحه المشيئة شرف الموت/ كهَرْطوقي فاجر/ فيسرِّح بغلته/ ويمضي نحو الشرق بطيب خاطر’. وبذلك تغدو المعرفة الحقة دربا ملكيا إلى الموت، أو بتعبير الراحل الكبير’بدر الديب’: ‘طريق المعرفة هو الحب، وطريق الحب هو الفناء أو الموت’. بَيْدَ أن النص يشير في معرض استلهامه تراث المشرق العربي، وما يتصل به من أسئلة تتعلق بالتفاعل الحضاري الخلاق وإرساء إطار مشترك للحوار يؤكد على التنوع والتعدد، يشير إلى ولع ‘بورخيس’ بحكايات ألف ليلة وليلة وافتتانه بها؛ حتى إن زوجته ‘ماريا قداما’ قالت عنه إنه كان يريد أن يرحل عن هذا العالم وهو عارف باللغة العربية؛ حتى يتمكن من قراءتها في العوالم الأخرى بلغتها التي أحبها؛ فعَنْوَنَ أحد مؤلفاته بالحرف الأول من الأبجدية ‘ ‘aleph(ألف)؛ تأسيا ب’ابن عربي’ الذي يعد الألف أصل الحروف، ويستمد قوته من رمزيته الإلهية..’العجوز الأعمى/ الذي أفنى عمره في المكتبة الوطنية/ في ‘ريو دي جانيرو’/ يقلِّب أوراقه الصفراء/ بحثا عن فساتين ورد الأكمام/ وعن إخوتها’..
وبذلك يأتي لقاء ‘بورخيس’ مع ‘الورد في الأكمام’ امتدادا لتوقه غير المشبع للحياة؛ حين يرى مفارقتها حديقة ذات سبل متشعبة، أو ضربا من مغامرة لها أشكالها الارتيابية المتعددة، أو بنية لذاكرة أدبية تشير إلى أن الحكاية في صميمها- ليست ما يكتبه الكاتب، بل ما يمكن للآخرين أن يكتبوه. ولعل ذلك ما توخاه الشاعر ‘محمود قرني’ في ديوانه’لعنات مشرقية’؛ حين وضع العالم في الالتباس البادي بين الحقيقة ووهمها؛ ليمسي انزياحا بين المتخيل والواقع يشكِّل تهديدا لاستقرار الواقع ودوامه.
*نص الورقة التي أسهم بها الكاتب والناقد المصري، في الندوة التي أقامها’بيت الوادي للدراسات والنشر’ لمناقشة ديوان’لعنات مشرقية’ للشاعر محمود قرني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية