إسطنبول – «القدس العربي» : بعد أن استمرت المباحثات المتعلقة بمصير محافظة إدلب السورية أشهراً طويلة مقتصرة على الجانبين التركي والروسي وبدرجة أقل إيران والنظام السوري، أخذت هذه المباحثات بعداً دولياً واسعاً في الأيام الأخيرة، بالتزامن مع دخول المفاوضات بين موسكو وأنقرة مرحلة صعبة وخطيرة في ظل تصاعد التحشيد العسكري على حدود المحافظة والتكهنات بقرب اندلاع «المواجهة الكبرى».
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن قوى دولية كبرى وبعد أن تراجع دورها وتدخلها في الأزمة السورية لسنوات عادت للواجهة من جديد في مسعى لمنع سيطرة النظام السوري على إدلب وهو ما سيعتبر بمثابة إعلان رسمي لانتصار روسيا في الحرب السورية وعودة سيطرة النظام على معظم الأراضي السورية. وفي الوقت الذي لا تريد فيه واشنطن أن تعتبر سيطرة النظام على إدلب بمثابة انتصار لروسيا، تركز دول أوروبية محورية على ضرورة عدم اتاحة الفرصة للنظام للسيطرة على كامل الأراضي السورية وانهاء المعارضة بكافة أشكالها وذلك قبيل دفع النظام للاستجابة إلى المطالب الدولية المتمثلة في تعديل الدستور وإجراء انتخابات والإفراج عن المعتقلين وغيرها من المطالب.
ويضاف إلى ذلك، خشية المجتمع الدولي من أن يلجأ النظام السوري وروسيا إلى ارتكاب مجازر واسعة في إدلب على غرار ما جرى في حلب، وربما استخدام أسلحة كيميائية وغازات سامة مثلما حصل في الغوطة الشرقية، وهو ما دفع الغرب مجدداً للتلويح بحتمية توجيه ضربة عسكرية قوية للنظام في حال حصول ذلك.
حشد روسي كبير
هذا التهديد الذي أخذته موسكو على محمل الجد، أعاد تسخين العلاقات الروسية الغربية بشكل كبير جداً ودفع موسكو لحشد أسطولها في البحر المتوسط لتسجل أكبر تواجد عسكري روسي قبالة سواحل سوريا منذ عام 2011، قبل أن تعلن، الخميس، عن إجراء مناورات حربية بحرية في المتوسط خلال الأيام المقبلة، وذلك بعد أن اتهمت واشنطن بحشد سفن حربية محملة بصواريخ مجنحة قرب سوريا.
وأطلقت كبرى الدول الغربية تحذيرات متتالية لروسيا والنظام السوري من حصول «كارثة إنسانية» في حال مهاجمة إدلب، حيث صدرت مواقع متتابعة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، قبل أن يحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الأربعاء، من «كارثة إنسانية» في حال مهاجمة إدلب، ويزيد من تحذيره، الخميس، بالمطالبة بضرورة سرعة فتح ممرات إنسانية لخروج المدنيين، في إشارة لتوقعات أممية بقرب مهاجمة المحافظة.
هذا الحراك الدولي رأت فيه أنقرة دعماً كبيراً لموقفها كونه جاء بالتزامن مع تعاظم الضغوط الروسية عليها للتوصل إلى صيغة لإنهاء ملف إدلب. هذه الصيغة التي ما زالت بعيدة عن الموقف التركي الذي يصر على حماية المدنيين وتجنب كارثة إنسانية في المحافظة الواقعة على حدودها ويقطنها أكثر من 3 ملايين مدني لن يجدوا أمامهم سوى الحدود التركية في حال مهاجمة مناطقهم.
وعلى الرغم من وجود توافق روسي – تركي يتعلق باعتبار هيئة تحرير الشام «تنظيماً إرهابياً» يجب هزيمته في إدلب، إلا أن الخلاف الأساسي ما زال يتركز حول آلية هزيمة التنظيم، حيث ترجح موسكو كالعادة الهجوم العسكري المباشر والواسع وتسعى تركيا لحل دبلوماسي أو عمليات عسكرية محددة لا تلحق الضرر بالمدنيين ولا تدفعهم للهجرة من مناطق سكنهم.
لكن أنقرة التي طلبت من موسكو تأجيل ملف إدلب لأكثر من مرة تجد نفسها اليوم أمام إصرار روسي غير مسبوق على إغلاق ملف إدلب في ظل تقلص الخيارات التركية بشكل كبير لا سيما مع رفض هيئة تحرير الشام حل نفسها أو التجاوب مع الطروح التركية بتسليم أسلحتها الثقيلة وغيرها من الطروح التي تحاول من خلالها أنقرة سحب الذرائع من موسكو.
وقبيل أيام من قمة متوقعة تجمع رؤساء روسيا فلاديمير بوتين، وتركيا رجب طيب اردوغان، وإيران حسن روحاني في مدينة تبريز الإيرانية في السابع من الشهر المقبل، تجري مفاوضات عسكرية واستخبارية على أعلى المستويات بين أنقرة وموسكو في محاولة للتوصل إلى صيغة توافقية تمنع انهيار مسار أستانة بين البلدين من خلال صيغة مرضية تضمن آلية لمحاربة «هيئة تحرير الشام» دون إلحاق الضرر بالمدنيين، وهو ما زال مستبعداً حتى الآن.
حل الهيئة
ولتحقيق المطلب الروسي بضرورة حل هيئة تحرير الشام، تواصل المخابرات التركية مفاوضاتها مع الهيئة حيث تقول مصادر تركية وسورية إن خط مباحثات دائماً ما زال قائماً بين الطرفين في محاولة أخيرة للتوصل إلى صيغة ما قد تجنب المحافظة هجوماً عسكرياً كبيراً، لكن دون وجود مؤشرات إيجابية كبيرة حتى الآن عن قرب التوصل لاتفاق بين الجانبين، وهو الاحتمال الذي دفع الجيش التركي للعمل على تعزيز نقاط المراقبة التابعة له في محيط إدلب استعداداً لجميع السيناريوهات.
وبعد زيارتين متتاليتين لوزير الدفاع التركي ورئيس الاستخبارات هاكان فيدان إلى موسكو، جرى الخميس اتصال هاتفي جديد بين وزيري دفاع البلدين وذلك قبيل يوم واحد من زيارة مفاجئة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى أنقرة التقى خلالها الرئيس اردوغان، ضمن سلسلة تحركات روسية تركية إيرانية تتركز جميعها حول مستقبل إدلب.
وفي إشارة جديدة على استشعار خطر قرب حصول هجوم عسكري لروسيا والنظام على إدلب، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الخميس، إن بلاده تسعى إلى ضمان سلامة حوالي 4 ملايين شخص من دون انهيار وقف إطلاق النار في المحافظة. وبينما أشار أكار إلى أن الهدف من إقامة الجيش التركي 12 نقطة مراقبة عسكرية في إدلب، ضمن مسار «أستانة» كان تحقيق الأمن والاستقرار، لفت إلى أن النظام السوري يواصل هجماته في الآونة الأخيرة من البر والجو على مناطق يسكنها الأبرياء في إدلب. وقال أكار: «نواصل المباحثات اللازمة حيال هذا الأمر على المستويين الدبلوماسي والعسكري»، مشدداً على أن «الدولة التركية تبذل جهودًا لمنع الهجمات على إدلب بتدابيرها التي ستتخذها من خلال التباحث والتحدث مع الدول المعنية»، وختم بالقول: «إن شاء الله سنمنعها».