عمان – «القدس العربي: هل يحتاج قانون الضريبة الجديد فعلاً للمزيد من «الحوارات» لدرجة صدور الإرادة الملكية بدورة استثنائية للبرلمان خالية تماماً من بند التشريع الأكثر إثارة للتجاذب والجدل في الأردن؟
هذا السؤال قفز وبقوة خلال اليومين الماضيين في عمق السطح السياسي والشعبي الأردني على أساس فضول يحتاج لتغذية وإرتياب بمستجدات خلف الكواليس حصلت وتحصل وإنتهت بتنازل حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز عن أحد ابرز أهداف أجندتها الزمنية عبر الإستغناء عن ضم القانون المعدل للضريبة لجدول أعمال إستثنائية البرلمان.
حتى رئيس مجلس النواب عاطف طراونة شعر بوجود «نقص معلومات» واستغرب الاندفاع الحكومي لعقد دورة استثنائية تناقش تعديلات قانونية على سلسلة تشريعات يمكن تأجيلها ولا تشملها صفة «الإستعجال». البوصلة الشعبية والبرلمانية كانت متموقعة في منطقة إنتظار عارمة وقلقة لصدور إرادة ملكية تقضي بعقد إستثنائية مخصصة لمناقشة وإقرار قانونين في غاية الأهمية والاستعجال هما الضريبة والجرائم الإلكترونية.
التمهيد لملف الضريبة تم بجملة دعائية منظمة طوال شهرين ونصف وطوال الأسابيع الأربعة الماضية مهدت الدولة من القمة للقاعدة وبكل التعبيرات لعرض قانون يفرض قيوداً على الجريمة الالكترونية عبر الاسترسال في التحذير من «إغتيال الشخصية». حتى عندما التقى القصر الملكي بممثلين لصحافة المواقع الإلكترونية برزت جملة ملكية صلبة وسريعة تستنكر ثقافة اغتيال الشخصية، الأمر الذي سبق ان حذر منه الملك عبدالله الثاني شخصياً وعلناً بمناسبتين.
الأجواء شعبياً وبرلمانياً وإعلاميا كانت تماما في مزاج ترقب إستثنائية البرلمان الطارئة التي تتضمن حسم مسألتي الضريبة والجرائم الإلكترونية..هذا تماماً ما استشفته «القدس العربي» من نقاش مع الركن البرلماني البارز خليل عطية وعدة مرات. حتى الشارع كان يريد الحسم وإغلاق هذه الملفات المثيرة للجدل. عملية «تبريد» مباغتة حصلت للمناخ السياسي المحلي ولدت فتقررت دورة البرلمان الاستثنائية بدون البندين معاً. والأهم بتعديلات تخص ستة تشريعات يمكن تاجيلها بإستثناء تعديل بخص قانون التقاعد المدني على اساس إلتزام علني لرئيس الوزراء عمر الرزاز بخصوص تقليص رواتب تقاعد الوزراء.
وبعد صدور الإرادة المعنية بالإستثنائية سجلت الحكومة هدفين غامضين. الرزاز سارع لإطلاق تصريح – بلا مناسبة واضحة – يتوعد فيه بمعاقبة قانونية لكل من يثبت تورطه في قضية فساد التبغ مع إضافة لا تخلو من «الخبث البيروقراطي» تتوعد ايضا كل موظف او مسؤول إرتكب مخالفة «إدارية» بسياق ملف السجائر والتأشير مجدداً على محاسبة من ساهم في «هروب» المطلوب الاهم في هذه القضية رجل الاعمال عون مطيع.
لاحقاً دخلت على الخط الناطق الرسمي الوزيرة جمانة غنيمات في جرعة شرح تقول أن حكومتها تريد «إستكمال» الحوارات بشأن تعديلات قانون الضريبة وبعد ايام فقط من إيحاء الرجل الثاني الدكتور رجائي المعشر بان الحوارات «شبه إكتملت».
فجأة تناولت الحكومة عن أولويات أجندتها الزمنية بالتشريعات…سأل الجميع بدهشة: ما الذي إستجد؟ أغلب التقدير أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي دخلت في منحنيات حرجة قليلاً أو غير متوقعة . وأن الرزاز «متوجس» نسبيا من إرسال قانون الضريبة بأجندة غير شعبية قبل التعمق أكثر في التفاصيل ويريد «الإمساك» بالشارع مجدداً وتجنب المجازفة بحلفاءه الشعبيين في التيار المدني ونشطاء حراك الدوار الرابع الذين هددوا الحكومة التي حملوها على الاكتاف على قاعدة»إن عدت ..عدنا».
فنيا يصبح السؤال : إلى اي حد تستطيع حكومة الرزاز الإسترسال في مثل هذه اللعبة السياسية؟ هنا ايضا صعب حسم الإجابة لأن صندوق النقد وكما سمعت «القدس العربي» مباشرة من طاقم وزاري طلب إنجاز الأمر مع نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وإعداد الميزانية الجديدة ماليا للعام 2019.
ولأن – وهذا الأهم إستراتيجياً- كل الإندفاع الحكومي لإقتناص «تسوية» منطقية مع صندوق النقد الدولي معناه المباشر الإخفاق الواضح والمؤكد في بناء خطة وطنية استراتيجية قابلة للتنفيذ تحت عنوان تم إرهاق الجميع به العام الماضي بإسم» الإعتماد على الذات». من جهة مفكر سياسي بحجم عدنان أبو عودة تلك الإشارة واضحة وصعب إنكارها ومرتبطة مجدداً بكل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي. لكن صدور إرادة عقد الإستثنائية بدون معدل الضريبة بعد دخول الجميع بمزاج الانتظار.
وبدون معدل الجريمة الإلكترونية بعد العرض المتواصل لمسألة «إغتيال الشخصية» يعني ببساطة ان الرزاز طلب تبديل أولوياته التشريعية مرحلياً ومؤقتاً لأسباب قد تتضح لاحقا وحظي بدعم وموافقة مؤسسة القصر المرجعية .
يبقى في السياق التوثق من ان سلوك الحكومة التشريعي هنا لا علاقة له بجزئيتي البقاء في دائرة «رضى الشارع» فقط أو «تأجيل الملفات» على أمل ان يتغير شيئا ما مما يعيد المسألة الإقتصادية بالرغم من الإهتمام الشديد بها إلى المربع الأول حيث أزمة في الواقع الموضوعي مالياً بصحبة حكومة لا تريد المجازفة بإثارة شارع اصلا يرفع السقف ودخل في حساسية تجاه الدولة وليس الحكومة فقط. وحيث سقوط مريع سياسياً لفلسفة «تجريب الإعتماد على الذات» والاضطرار لإستحقاقات وإلتزامات «الاقتراض». أو إكتشاف صعوبة تجاوز مطبات في غاية الأهمية يزرعها المانحون الدوليون اليوم وهم يريدون حكومة شاملة في مجال الولاية العامة وبناء ميزانيات مالية تطال شفافيتها كل صغيرة وكبيرة في بند»النفقات العامة» ..تلك بكل حال قصة أخرى تثير الإحراج والتقولات والحساسيات.