لندن ـ «القدس العربي»: لعب محمد صلاح «الكل في الكل» كما يقول المُعلقين التونسيين، بتصعيد حربه الباردة مع الاتحاد المصري لكرة القدم، بشكل غير مسبوق، وذلك بالصوت والصورة في مقاطع الفيديو، التي نشرها عبر صفحته على الموقع الاجتماعي «فيسبوك»، لكشف الحقائق أمام الرأي العام من جانب، ودفاعا عن نفسه بعد تدشين حملة تشويه صورته أمام بسطاء مصر، كضريبة على مطالبه السبعة التي لا تختلف كثيرا عن عجائب الدنيا السبع وفي «أم العجائب» بصوت فيروز في رائعة سيد درويش الخالدة.
إحضرونا يا خلق
بالكاد. هذا ما طلبه صلاح من متابعيه قبل نشر مقاطع فيديو الهجوم الشرس على الجبلاية، ليُبرئ نفسه سريعا من التهم المُنتظرة، من نوعية «الاستعلاء والتجبر الغرور» على مصر، بعد تأكده من صحة البيان الذي وُصف فيه بالشخص المدعو صلاح، وما سبقه من تقارير محلية، تُحاول إظهار وكيل أعماله رامي عباس، في صورة العدو، الذي لا يفعل أي شيء في حياته سوى تضليل وتحريض صلاح على الاتحاد المصري، ومن تابع ردود الأفعال في الصحف والمواقع المحلية بعد التغريدة الأولى التي فضح خلالها تجاهل رئيس الاتحاد رسائل محاميه عبر البريد الإلكتروني، لاحظ مدى التغير والاختلاف في محتوى ما يُكتب عن صلاح بالكامل، بشبه حظر على الأوصاف والألقاب الصحافية المعروفة عنه، مع تركيز الحملة الموجهة ضد عباس وكأنه كبش فداء، بعدما كانت هذه الصحف والمواقع ذاتها، تتسابق لنشر أدق تفاصيل حياته الشخصية، بخلاف «البروباغاندا» الإعلامية الضخمة التي تُسلط عليه مع كل تألق داخل المستطيل الأخضر. فجأة شعر أن الأرض تهتز تحت قدميه.
أخذ الحق حرفة
مقولة يحفظها أبو صلاح عن ظهر قلب، لكنه تجاهلها تماما في نزاعه مع المهندس هاني أبو ريدة وبقية خصومه في مقر الجبلاية، وكان يملك أكثر من حل «سلمي» لتحقيق مطالبه الشخصية المشروعة جدا في عالم الاحتراف الحالي، الذي حّول النجم السوبر ستار لعلامة تجارية عالمية، لعل أبسط هذه الحلول وأقلها تعقيدا، اللجوء لساحات المحاكم الرياضية الدولية مثل «كاس» أو تقديم تظلم للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، على الأقل لن يلومه أحد، بقوة «الحق» و»الأصول»، كما يفعل صاحب الحق بعد وصوله لمرحلة اليأس من تجاهل الرد على طلباته، وإذا أردنا التحدث بلغة العقل والمنطق أو بالأحرى الوقوف على موقف الحياد بين الطرفين، فمن المفترض أن مُشكلة «عويصة» كهذه، من الأفضل حلها بالطرق القانونية المتاحة للجميع، لا بإثارة الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الطرفين على حد سواء، فالاتحاد المصري تصرف بحماقة مُبالغ فيها، بنشر البيان الذي وُصف فيه نجمنا بالمدعو صلاح، وكأن الزمان عاد بنا إلى أواخر القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين.
أدهم الشرقاوي كرة القدم
لولا أن نطقها صلاح بلسانه في مقطع الفيديو، بالتأكيد على صحة بيان «المدعو» حتى بعد نفيه من قبل المسؤولين في الاتحاد، بجانب اعترافه بصحة خطاب عباس، الذي تم تسريبه في العالم الافتراضي، بشكل مخالف للأعراف والقوانين، لما أخذت المشكلة هذا المنحنى الخطير. أحد نواب مجلس الشعب، الذين يُمارسون مهنة الإعلام الرياضي كمقدم برامج على قناته الخاصة، اختلط عليه الأمر أثناء تنفيذه للتعليمات على الهواء مباشرة بقوله «محمد صلاح؟ هو ما يعرفش إن وكيله اللبناني الكولومبي ده بيسيء لمصر؟ اتحاد الكرة المصري ده تبع الدولة… لازم ياخد باله!»، ولا أحدثكم عن علامات الدهشة والاستغراب المصطنعة على وجهه، في مشهد لا يعكس جهله وحسب، بل طاقم إعداده وضيوفه بدون ذكر أسماء، الذين لم ينتبهوا إلى خطورة ما قاله النائب المحترم. فقط يكفي لتعليق نشاط الكرة في البلاد لأجل غير مُسمى، لمخالفة أهم لوائح الفيفا، بمنع أي تدخل سياسي على اتحاد كرة القدم واللعبة بُرمتها، أضف إلى ذلك، التدليس الواضح في الأخبار المُتداولة عن القضية، مثل الخبر الشهير الذي نشرته أشهر صحيفة رسمية في البلاد، عن غضب عمال غرفة خلع ملابس المنتخب وعمال اتحاد الكرة، من صلاح من مُنطلق أنه يبحث عن مصلحته الشخصية على حساب بقية اللاعبين، وخبر آخر بعنوان أكثر تدليسا، يقول أنه بمكالمة هاتفية فان الفيفا أنصف هاني أبو ريدة في أزمة صلاح!!! بالتزامن مع الخبر المتداول في كل صحف ووكالات الأنباء في العالم عن تغريدة الفيفا الخاصة لصلاح والتي انتهت بعبارة «من الذي لا يُحب صلاح».
المفارقة هنا، أن الصحيفة ذاتها التي بدأت تنقلب على الفرعون، هي نفسها التي عنونت خبر مقتل أدهم الشرقاوي قبل قرابة 100 عام، وتحديدا يوم 13 أكتوبر 1921، بـ»مقتل شقي». ذاك الشاب الأسطوري، الذي اختلفت الروايات القديمة حوله، سواء باعتباره «هجاما» كما وصفته الصحف التابعة للدولة، أو روبن هود مصر وفق مرسي جميل عزيز، وما يُقال أنه كان المثل الأعلى للرئيس الأسبق أنور السادات، كونه من أوائل من طالبوا بتقسيم الممتلكات بالعدل بين الجميع بدون استثناء، هذا في أوج زمن الإقطاعيين، حيث لا يجرؤ الفلاح الفقير، حتى النظر لصاحب الأرض، فما بالك بمن يُطالب بحقوق الآخرين؟ في الغالب يواجه المجهول كما جرت العادة كلما ظهر أي شخص يُطالب بتغيير أي شيء روتيني عفى عليه الزمن. ما حدث مع صلاح ما هو إلا نموذج ومثال يتكرر يوميا مع آلاف وربما الملايين من المصريين، الذين تتأخر مصالحهم الشخصية على توقيع مدير أو مسؤول بارز في مصلحة حكومية، أليس هذا ما تسبب في انفجار صلاح ومحاميه؟ دعك من عدم الرد على رسائل البريد الإلكتروني الخاص برئيس الاتحاد المصري، لها مُبرر أن الرجل من كثرة مسؤولياته وعمله المحلي والفيفا، لا يجد وقتا للاطلاع على بريده الإلكتروني الشخصي. أين المهندس هاني أبو ريدة من الوعد، الذي تم الاتفاق عليه من بعد العودة من روسيا؟
يُؤخذ على صلاح
ما يؤخذ على صاحبنا، أنه جانبه التوفيق في رسائله المباشرة إلى من هم وراء الاتحاد المصري لكرة القدم، ولا يُخفى على أحد، أن هؤلاء هم بالكاد المتحكمين في اللعبة الاستثمارية لكرة القدم، والإشارة إلى الشركات الراعية للأندية والاتحاد والمعروفة في الوسط انها المُسيطرة على السوق بيد من حديد، بسلاح المال، ومع هؤلاء مجموعة رجال الأعمال التي تتصدر المشهد في الوقت الحالي. وبطبيعة الحال، ما قاله عن رفضه التقاط الصور مع من وصفهم «VIP» لا يروق لهم، وكما أشرنا. هذا بدأ ينعكس بوضوح في تغير نغمة الحديث عن صلاح في وسائل الإعلام التابعة للأثرياء، ربما كان من الأفضل بالنسبة له، تجنب اقتحام «عش الدبابير» على طريقة «كل لبيب بالإشارة يفهمُ»، بدلاً من أسلوب التشهير غير المناسب لحسم صراعات من هذا النوع، والذي أيضا قد يُكلفه ثمنا باهظا في المستقبل، وكما يقول المختصون: «وكله بالقانون»، إلى أن يتخلص من الشوكة العالقة في ظهره، بتخطي السن المطلوبة للتجنيد في القوات المسلحة المصرية (31 عاما).
صحيح أنه من المُستبعد جدا طلبه لأداء الخدمة العسكرية على الأقل في الوقت الراهن، لكنها تبقى أقوى وأبرز ورقة ضغط من قبل الاتحاد عليه شاء أم أبى، أخطر من ذلك، صداع تحريك الشكاوى باستخدام مجموعة المحاميين الباحثين عن الشهرة و»تحيا مصر»، وهؤلاء بالذات ما أكثرهم، وعلى أتم الاستعداد لجعل صلاح اخوانيا وأكثر خطرا على الأمن القومي من محمد أبو تريكة.
في المرة القادمة
قد يخرج صلاح منتصرا من معركته مع الاتحاد، بالحصول على جرعة مُسكنة، بتعيين حارسين شخصيين لمنع المُعجبين من الالتفاف حوله، وقد تغيب وجوه «VIP» في بداية الاتفاق، لكن عليه مراجعة نفسه أكثر من مرة في المرات المقبلة، عندما يُحاول توجيه أي انتقاد لاتحاد الكرة، أو من هم وراء الكيان، هذا ليس ترهيبا له، لكن من يعيش الواقع في مصر، ويعرف كيف تُدار المنظومة الإعلامية، خصوصا الرياضية المرئية، ويفهم خطورة الطريق الذي قرر صلاح سلكه، قد يخرج سالما هذه المرة، رغم كثرة هفواته في الفيديو، بما فيها حالة التوتر التي كان عليها، وعدم استعداداه ذهنيا ولا تحضيره الجيد للنقاط التي أراد التحدث عنها، وضح ارتباكه واختلاط أوراقه بنسيان البنود ومحاولة تذكرها بالبحث من خلال هاتف وكيل أعماله أو الشخص المُدخن الذي كان بالقرب منه لحظة توثيق الفيديو، أما في المرة المقبلة عندما يتجدد الخلاف أو يحدث اختلاف في وجهات نظر أخرى، عليه توخي الحذر من مسلسل «الاستقواء» بعشاقه، قد ينقلب عليه كما ينقلب السحر على الساحر، خاصة وأن الهوجة هذه المرة، كانت أقل بريقا من هوجة النزاع على غلاف الطائرة، بدون تحيز، هناك تزايد في الأعداد التي لا تتفق مع صلاح، خاصة في الشق المتعلق بطريقة تعامل وكيل أعماله وأسلوب التهديد والترهيب الذي يلوح به من وقت لآخر، نعم هناك شبه إجماع على أحقية اللاعب في مطالبه لدى الرأي العام، لكن الخلاف على فحوى رسائل عباس للاتحاد، بعيدا عن حدتها التي تُظهره دائما وأبدا في موقف الطرف الأقوى، فهي لا تتماشى مع عقلية المشجع المصري العادي، الذي يتصور في مخيلته أن عباس هذا اللبناني الكولومبي، يتعالى على الاتحاد المصري، وهذه الفكرة تم تصديرها بنجاح مُنقطع النظير لفئة أحمد موسى ومُدمني برامج التوك شو السياسية، الذين يضعون أي شيء بجانبه اسم مصر كخط أحمر، غير قابل المساس به، وهذا في حد ذاته، أول ناقوس خطر على محمد صلاح، وعليه التخلص منه عاجلاً وليس آجلاً.
طلبك مرفوض
أول من أشعل فتيل الحرب الإعلامية ضد صلاح، هو عضو اتحاد الكرة أحمد مجاهد، الذي لمح بشكل عفوي أمام الصحفيين، أنه المسؤول عن تسريب خطاب رامي عباس، بطريقة تهكمية على أسلوب الخطاب، وما يتضمنه من تهديدات ترجمها على أنها تُطالب الاتحاد بموعد مُعين لتقديم الاستقالة، ليُثير الرأي العام ضد الوكيل، باعتباره «طرفا ثالثا»، هدفه ابتزاز مصر للحصول على أكبر عائد مادي من وراء المنتخب، ولسوء حظ صلاح، هذه النغمة هي السائدة والمُستمرة إلى الآن في أغلب وسائل الإعلام المفروضة على المصريين، ومن الصعب، بل ربما من المستحيل تغيير هذه النغمة «المقصودة»، والوارد تضخيمها على نطاق أوسع إذا لزم الأمر… فما الحل إذن؟ هذا حتى بعد الموافقة على كل طلباته كما لمح عضو مجلس الإدارة الآخر الخلوق الكابتن حازم إمام، بالاقرار في أحقية صلاح في طلباته، خصوصا في ما يتعلق بعدم إزعاجه في أوقات متأخرة في الليل من أجل التقاط صورة مع أحد رجال الفن أو رجال الأعمال أو أي مسؤول بارز أيا كان اسمه أو وضعه.
هل تقصد رأس عباس؟
بالطبع لا. الآن وها قد تبين للجميع أن محامي صلاح ومستشاره القانوني الأول، بصرف النظر عن قوة موقفه القانوني وحقه المشروع في مطالبه، لا يُجيد لغة الحوار مع المسؤولين في الاتحاد، والأسوأ من ذلك وأكثر ضررا على اللاعب، أنه تسبب عن غير عمد، في تقليل الأصوات الداعمة، التي لا تتفق مع لهجة الحديث، ولا تعرف ثقافة التمييز لأبناء الوطن، حتى لو كان الاسم صلاح، لذا من الأفضل أن يحتفظ رامي عباس في منصبه، كأقرب المُقربين لنجمنا، في المقابل، يقوم بتعيين شخص آخر، ولو بمُسمى متحدث رسمي لصلاح في مصر والشرق الأوسط، يكون على دراية كاملة بثقافة وعقلية المسؤول والمشجع العربي والمصري، وهذا أمر طبيعي جدا، بُحكم ما أراد النجم إيصاله للجميع، أن الأندية التي يواجهها ليفربول خارج إنكلترا، تقوم بحمايته بشكل مُميز عن بقية نجوم الريدز. أي أننا أمام نجم عالمي لا يحتاج فقط متحدث رسمي في مصر والشرق والأوسط، بل في الولايات المتحدة الأمريكية والصين والبلدان الكبرى من حيث الكثافة السكانية، ليُعزز اسمه وعلاماته التجارية في مختلف أنحاء العالم، بالصورة التي يرسمها لنفسه في المستقبل، بالمنافسة على جائزة أفضل لاعب في العالم.
أما العناد بالإبقاء على رامي عباس في مكانه على الأقل في تعامله المباشر مع كل ما هو مصري في المرحلة المقبلة، فلن يجلب إلا المشاكل لمحمد صلاح، صحيح إلى الآن، يُحسب له، حفاظه على تركيزه داخل المستطيل الأخضر، بتسجيل هدفين في أول ثلاث جولات من حملة البريميرليغ الجديدة، لكن مع تزايد الضغوط النفسية والعصبية، قد يحدث ما لا يُحمد عقباه، ويتأثر مستواه داخل المستطيل الأخضر، هذا سيكون السيناريو الأسوأ، الذي لا يتمناه أحد أن يتسبب عدم النظام والعشوائية في قتل طموح أفضل نموذج مصري مُشرف في الخارج، لذلك التحدي المقبل لصلاح، هو حفاظه على معدله التهديفي ومدى تأثيره في عودة ليفربول للمنافسة على لقب الدوري الإنكليزي الغائب عن «أنفيلد» منذ قرابة ثلاثة عقود… فهل ستبقى حُمى الملك المصري حتى إشعار آخر؟ أم سيتأثر بالمعركة الطاحنة؟