«فوضى السلاح» طريق إسرائيل لضرب فلسطينيي الداخل واحتلال قلاعهم

حجم الخط
0

 

الناصرة ـ «القدس العربي»: منذ هبة القدس والأقصى عام 2000 يواجه فلسطينيو الداخل عدوا داخليا أشد خطورة من كل عدو خارجي يتمثل بتفشي الجريمة وفوضى السلاح، كما تظهر المعطيات، ويتهم قادتهم إسرائيل بمحاولة تحطيمهم واحتلال قلعتهم من الداخل عبر إشغالهم بحرائق لا تخبو تمزقهم وتستنزف طاقاتهم وتجعلهم فريسة أكثر سهولة. وحسب المعطيات الرسمية قتل منذ العام 2000 نحو 1237 شخصا فلسطينيا داخل أراضي 48 وتبلغ نسبة جرائم القتل العربية من مجمل الجرائم في إسرائيل نحو 60 في المئة رغم أن فلسطينيي الداخل يشكلّون 17 في المئة فقط من سكانها. ورغم النزيف والانتقادات الموجهة لها والمخاوف من «كيد مرتد» ومطالبتها بلم السلاح وملاحقة المجرمين ووقف مسلسل الجريمة، تكتفي السلطات الإسرائيلية بالأقوال دون أفعال حقيقية على الأرض وهي متهمة بصرف النظر عن الجريمة والمجرمين في الشارع العربي لغاية في نفس يعقوب. وردا على سؤال «القدس العربي» يرى رئيس لجنة المتابعة العليا داخل أراضي 48 محمد بركة، أن إسرائيل فوجئت بانتصار الفلسطينيين فيها لأشقائهم في الأرض المحتلة عام 1967 وللقدس والأقصى فسارعت لقمع احتجاجاتهم بالرصاص الحي وقتلت 13 شابا منهم وأصابت العشرات بجراح جراء إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. وينوه بركة أن إسرائيل تنبهت لتمسك الفلسطينيين فيها بانتمائهم وهويتهم الوطنية وبقدسهم وبسعيهم للتبلور كأقلية وطن قومية ولذا لجأت لضربهم من الداخل من خلال تشجيع انتشار السلاح والعنف وعائلات الإجرام. ويتابع «حتى مراقب الدولة في إسرائيل اعترف بأن السلاح في الشارع العربي مصدره الجيش الإسرائيلي وهذا يعني أن إسرائيل تعمل على تحطيمنا على مبدأ فخار يكسر بعضه».
ويستذكر بركة، أن الشرطة الإسرائيلية لا تعتقل تجار ومستخدمي السلاح في الشارع العربي وتبقي المجرمين طلقاء، وتساءل كيف يمكن أن تصل يد إسرائيل لأرشيفات المشروع النووي في قلب إيران وتعجز عن وضع يدها على تجار الدم والموت في الشارع العربي داخلها؟ في المقابل أكد بركة على العامل الذاتي داعيا كل أب وصاحب أسرة لأن ينبذ العنف ويسعى للمساهمة في إصلاح عائلته ومحيطه من أجل تفويت الفرصة على نشر هذا الداء والوباء.
يشار إلى أن مراقب الدولة الإسرائيلي كرّس تقريرا رسميا موسعا للظاهرة وجّه فيه انتقادات قاسية للسلطات الإسرائيلية المعنية. وقال، إن أجهزة الأمن، وخاصة الشرطة وجهاز الأمن العام «الشاباك» فشلت في منع انتشار واستخدام السلاح غير المرخص في المجتمع العربي. وعدد المراقب في تقريره، الصادر تحت عنوان «مواجهة الشرطة لحيازة السلاح غير القانوني وأحداث إطلاق النار في بلدات المجتمع العربي والمدن المختلطة في الأعوام 2014 -2016» مجموعة من الإخفاقات في معالجة السلطات لهذه الظاهرة التي تواصل حصد الأرواح. وحسب المراقب، فإن انعدام التنسيق بين الشرطة والشاباك والجيش الإسرائيلي أدى إلى فقدان معلومات استخباراتية في التحقيقات بشأن انتشار الأسلحة في الشارع العربي خاصة في الحالات التي حققت عدة جهات فيها بالتوازي. وادعت الشرطة في ردها على التقرير أن «الشاباك لا يسلمها معلومات استخباراتية بصورة دائمة، الأمر الذي يضع صعوبات أمام تطبيق القانون بشكل فعّال. كما تزعم الشرطة أنها لا تنجح في فك رموز جرائم القتل العربية لعدم تعاون المواطنين العرب في إسرائيل معها بمجال التبليغ والمعلومات».
وأوضح المراقب أنه رغم ادعاء الشرطة بأنها تحارب ظاهرة حيازة السلاح واستخدامه في المجتمع العربي، إلا أن الواقع يؤكد على أن عدد هذه الجرائم ارتفع، الأمر الذي يدل، على «صعوبة مواجهة الشرطة بشكل فعال لهذه القضية. ووفقا لمعطيات الشرطة الإسرائيلية الواردة في تقرير المراقب، فإنه في العام 2016 طرأ ارتفاع بنسبة 75 في المئة في سرقة قطع السلاح قياسا بالعام 2015، كما سجل حجم تهريب السلاح من الأردن وتركيب أسلحة في مناطق السلطة الفلسطينية ارتفاعا كبيرا. واعتبر المراقب أن النقص في القوى العاملة في الشرطة بين أسباب ظاهرة انتشار السلاح، وأنه «ليس بمقدور المحققين التعامل مع كافة نتائج عمل الدوائر العملياتية ونتيجة لذلك فإن قسما كبيرا من هذه الأنشطة تذهب أدراج الرياح». واعتبر أيضا أن النقص بالقوى العاملة في الشرطة أدى إلى تراجع ملموس في تقديم لوائح اتهام. وأورد على سبيل المثال، أن 3.7 في المئة فقط من مجمل التحقيقات في جرائم كهذه تم تقديم لوائح اتهام فيها. وقال المراقب إن الصعوبات في تأكيد الشبهات حول حيازة واستخدام السلاح نابعة من انعدام ثقة المجتمع العربي بالشرطة الإسرائيلية وعدم تعاون شهود عيان مع المحققين. ويتصاعد عدم التعاون هذا في الحالات التي تجري فيها «صلحة» بين الأطراف المتخاصمة. وأوضح أن وثائق الشرطة تبين أنه في حالات عديدة تتسبب الصلحة في عدم تعاون من جانب ضحايا أو شهود، وأن مسارها يمس قدرة الشرطة على محاكمة الضالعين في الجريمة بعد وقوعها مباشرة.
وتظهر معطيات الشرطة الواردة في تقرير المراقب أن نسبة المواطنين العرب الضالعين في جرائم عنف وسلاح أعلى بكثير من نسبتهم بين السكان. وحسب المعطيات، فإن 40 في المئة من مخالفات العنف التي تعاملت معها الشرطة ضالع فيها مواطنون عرب، وهم ضالعون في 60 في المئة من جرائم القتل التي وقعت في البلاد خلال فترة التقرير. ونسبة مخالفات السلاح وإطلاق النار في المجتمع العربي أعلى بـ17.5 مرة من نسبتها في المجتمع اليهودي، وحوالي 70 في المئة من مخالفات إطلاق النار في المجتمع العربي منسوبة لمواطنين بدون ماض جنائي. كما أن 95 في المئة من مخالفات إطلاق النار في مناطق سكنية وقعت في بلدات عربية. وفي إطار تقاعس الشرطة، فإنها لا تطبق خططا حكومية لمحاربة العنف، ومشروع «مدينة بدون عنف» الذي يشمل تشغيل كاميرات مراقبة، يُنفذ في 18 سلطة محلية عربية فقط، غير أن ثلث هذه الكاميرات ليس مرتبطا بمركز مأهول، الأمر الذي يعني أنه لم تجر مراقبة أثناء وقوع الجريمة. وأظهرت معطيات وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلية أنه فقط في ستة مراكز شرطة تخدم المجتمع العربي توجد فيها نقاط مراقبة أثناء وقوع الجرائم، بينما مثل هذه النقاط متوفرة في 20 في المئة من مراكز الشرطة التي تخدم السكان اليهود.

الغصن والشجرة

وتعنى النائبة عن حزب التجمع في القائمة المشتركة، حنين زعبي بموضوع العنف منذ سنوات وقد جاء تقرير «مراقب الدولة» بعد سلسلة لقاءات وتقرير خاص قدمته النائبة حول ظاهرة انتشار السلاح غير المرخص ودوره في جرائم القتل في المجتمع العربي ودور الشرطة السلبي في هذا الشأن. وقدمت من خلاله أدلة واضحة حول تورط الشرطة في ازدياد عدد الجرائم من خلال التقاعس ومن خلال علاقات مشبوهة مع منظمات الجريمة. وتوضح زعبي لـ «القدس العربي» أن فتح مراكز شرطة جديدة في البلدات العربية ليست حلا بسبب المعطيات المقلقة والمتزايدة في البلدات العربية التي تحتوي مراكز شرطة. وتتفق زعبي مع بركة في أن الارتفاع الحاد جدا وغير المسبوق في تفشي الجريمة منذ العام 2000 يعني أن إسرائيل ترمي لاحتلال القلعة من داخلها لاسيما أنها تنظر بقلق كبير للتطور الكمي والكيفي لفلسطينيي الداخل منذ النكبة وتحولهم من غصن نجا من القطع عام 1948 إلى شجرة وارفة الظلال خضراء تهدد يهودية الدولة. منوهة إلى أن الحديث بدا واضحا في التقرير أيضا عن عدم كفاءة عمل المحققين والنقص في هذا الجانب، والذي من خلاله يدفع المجتمع العربي سنويا ثمن عدم فك رموز الجرائم في بلداته، وبالتالي إطلاق سراح مشتبهين، وبقاء مجرمين خارج السجن. ولفتت زعبي إلى أن «التقرير لم يتطرق لفحص الربط بين منظمات الجريمة وبين عمليات إطلاق النار». معتبرة أن هذه العمليات هي نتيجة فرض سيطرة المنظمات وانتشار نفوذها في الاقتصاد والحياة الاجتماعية للبلدات العربية، وليست شأنا فرديا. كما طالبت زعبي المراقب بتقديم «توصيات من خلال فحص عميق حول أحداث قتل النساء ودور الشرطة في حل هذه القضايا ومحاكمة المجرمين». من جهة أخرى تطرقت للحديث حول ضرورة تقديم التقرير توضيحا لعمل مشروع «مدينة بلا عنف» واصفة إياه بالمشروع الوحيد الذي تعتمد عليه السلطات المحلية العربية لمواجهة العنف، وهذا ما يجعله دائم المراقبة والانتقاد وإمكانيات التطوير أو حتى التغيير الجذري في حال لم يقدم نتائجه.

مناهضة العنف

وقال مدير مركز «أمان» لمكافحة الجريمة، المحامي رضا جابر لـ «القدس العربي» إنّ ارتفاع عدد ضحايا العنف في الشارع العربي مذهل وصادم وهو الدليل أن مجتمعنا وأيضا الدولة ومؤسساتها فشلت في تنفيذ التصريحات والنوايا لعمل جدي له مردود فعلي يناهض الظاهرة ويقلل منها. ودعا جابر فلسطينيي الداخل أن يأخذوا مصيرهم بيديهم ويبنوا وينفذوا مشروعا وطنيا لإعادة بناء وهيكلة مجتمعهم من جديد وإعادة وترميم المنظومة الأخلاقية التي حكمته في السابق ولجم من استقوى عليه من أفراده فعاث فيه فسادا. وتابع «يجب بناء برامج على امتداد مجتمعنا، بكل بلد وبلد، على كل المستويات والصعد، من تربية وتعليم، فرض النظام العام والحفاظ على الممتلكات العامة، تأطير الشباب وإنقاذهم ببرامج عينية من تأهيل وفرص عمل وأيضا تشكيل لجان شعبية بهذا الشأن تعمل بتوافق مع السلطة المحلية التي يجب أن تأخذ دورها كممثلة شرعية للمواطنين أمام سلطات الدولة وفرض القانون فيها وإجبارها على القيام بعملها والتي أثبتت بأنها بقيت على نفس نهجها وسياستها بالتعامل السطحي مع الموضوع على تشعباته وتعقيداته وعمقه». وأكد جابر أن مناهضة العنف تحتاج إلى قرار سياسي برصد الميزانيات وبالأساس تغيير السياسات المتبعة في كل الوزارات والمؤسسات الخاضعة للدولة إلى سياسة تتجه نحو تجفيف مستنقع المسببات الحقيقية للعنف من فقر، فرض القانون العادل الناجع والمتساوي، وحل مشكلة السلاح غير المرخص وكسر طوق الخوف من عناصر الإجرام في مجتمعنا. وخلص للقول «للأسف بغياب مشروع وطني جاد يبقى العمل وفق أسلوب إخماد الحرائق، ولذلك يجب إكمال العمل الذي بدأت به لجنة المتابعة العليا ووضعه بإطار عملي والشروع بتنفيذه».

تسليح الإسرائيليين

وأقدمت إسرائيل على تسهيل حيازة الإسرائيليين للسلاح رغم التحذيرات من أن ذلك سيؤدي لانتشار محاكم إعدام ميدانية خاصة بحق الفلسطينيين لاسيما أن منسوب الكراهية مرتفع جدا وهناك مخاطر بأن لا يجيد حملة السلاح استخدامه كما يجب. جاء ذلك بعدما عمم وزير الأمن الداخلي، غلعاد أردان قبل أيام تعليمات لمكاتب وزارته ومقرات الشرطة في البلاد، تقضي منح التسهيلات لطلبات الحصول على تراخيص للسلاح وبموجبها سيتم السماح بتسليح مئات آلاف الإسرائيليين. وحسب التعليمات، سيتم تخفيف الشروط للحصول على ترخيص لحيازة الأسلحة، بحيث أن تقليل مثل هذه القيود والشروط سيؤدي إلى تسليح مئات آلاف الإسرائيليين. ووفقا للتعليمات الجديدة التي يشملها طلب الحصول على التراخيص، سيكون بمقدور كل مواطن قام بالخدمة العسكرية الحصول على ترخيص لحيازة السلاح. يذكر أن تخفيف الشروط لمنح تراخيص لحيازة السلاح من صلاحية وزير الأمن الداخلي، الذي صادق في العام 2016 على المعايير التي توسع دائرة الحاصلين على هذه التراخيص، وذلك في أعقاب تصاعد العمليات الفردية التي ينفذها فلسطينيون في القدس والضفة المحتلتين.

200 ألف مسلح جديد

وحسب «هآرتس» فإن الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن 145 ألفا من مواطني إسرائيل يحملون السلاح بموجب تصاريح من الوزارات ذات الصلة، علما أن هذه الإحصائيات لا تشمل عناصر الأمن، الشرطة وقوات الجيش، بحيث أن التراخيص لحيازة السلاح سارية المفعول لمدة ثلاث سنوات ما يستوجب تجديدها بعد هذه الفترة.
وتقدر الوزارة الإسرائيلية أن بين 35 – 40 ألف مواطن من مئات الآلاف ممن يستوفون الشروط الجديدة قد تقدموا بطلبات للحصول على رخصة سلاح، ليترفع عدد الحاصلين على الترخيص إلى 200 ألف مواطن في الفترة المقبلة.
يشار إلى أن الشروط الأساسية للحصول على رخصة سلاح، تقتضي أن يكون مقدم الطلب تجاوز سنه الـ21 عاما، ويتمتع بصحة جيدة، عدا عن ذلك تتطرق بعض البنود لمكان سكناه، مع منح الأفضلية لمن يسكن المستوطنات والمناطق الحدودية.
ومنذ تولي أردان منصبه في وزارة الأمن الداخلي، أبدى دعمه لتسليح الإسرائيليين، عبر رفع أعداد من يحملون السلاح بشكل شخصي، وسوغ موقفه هذا بـ»ارتفاع التوتر الأمني والعمليات المسلحة في البلاد».

«فوضى السلاح» طريق إسرائيل لضرب فلسطينيي الداخل واحتلال قلاعهم

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية