النهضة وسباق المطبات المتلاحقة

تعتبر المواقف التي تبديها حركة «النهضة» من مختلف المشاغل التونسية محل متابعة على المستويين العربي والدولي وذلك بالنظر إلى الدور «المزدوج» الذي تضطلع به الحركة في تجربة «الربيع العربي» من جهة وحركة «الإسلام السياسي» على المستوى العربي من ناحية أخرى.
ولا شك ان التوفيق بين متطلبات الانخراط من موقع متقدم في ارساء تجربة ديمقراطية غير مسبوقة في الوطن العربي واحترام «ما هو معلوم من الدين بالضرورة» ليس بالأمر الهين ويحتاج إلى الكثير من ضبط النفس من جهة وإلى القدرة على التفاعل مع تداخل المعطيات الداخلية والخارجية، وهو ما كان حاضرا لدى قيادة حركة «النهضة» منذ ان أعلن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي منذ عام قبل الآن عن تشكيل «لجنة الحريات العامة والمساواة» لتقدم اقتراحات لتطوير التشريع في مجالات يعتبر أغلب الإسلاميين ان من غير الممكن المساس بها ويكفي ان نذكر خاصة المساواة في الإرث.
ومن هذا المنطلق اعتبر عدد من الملاحظين أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، حرص على إحراج شركائه في الحكم والتوافق لأنه وضعهم في موقف امتحان صعب مع قواعدهم التي ترتبط أغلبيتها بقراءة نصية للقرآن، وأيضا مع الشركاء الأوروبيين الرافضين لكل شكل من أشكال التمييز القانوني بين النساء والرجال. وهذا «الاحراج المزدوج» دفع حركة النهضة إلى بلورة خطاب يكتفي في مرحلة أولى بالتذكير بثوابت فيها من العموميات الشيء الكثير وذلك في انتظار صدور تقرير «لجنة الحريات العامة والمساواة».
ومن أهم العموميات التذكير بأن الإسلام لم يحرم المرأة من حقوقها علاوة على ان الاجتهاد في ما ليس فيه نص قطعي الدلالة هو أمر ممكن. وقد تغيرت مقاربة حركة النهضة أيضا واستفادت من الرفض الشعبي لأغلب توصيات التقرير لتعبر عن تحفظاتها ورفضها بوضوح أكبر خاصة وان المجتمع التونسي يبقى في جوهره محافظا ورافضا بالتالي لإلغاء عقوبة الإعدام ولتوفير مقبولية اجتماعية وتغطية قانونية للمثلية الجنسية.
ولا شك ان «الامتحان الحقيقي» بالنسبة لحركة النهضة سيكون حين يتم عرض مشروع القانون الخاص بالمساواة بالإرث أمام مجلس نواب الشعب لان الأمر سيكون عندها تصويتا قد يؤدي إلى تحويل المشروع إلى قانون أو إلى وأده في المهد. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ان مشروع القانون قد جاء بدوره توافقيا لأنه ترك لصاحب الممتلكات حرية التوصية بتقسيم تركته بالتساوي بين وارثيه المباشرين أو وفق قاعدة «وللذكر مثل حظ الانثيين» وأيضا ما عبر عنه مؤخرا عضو المكتب السياسي لحركة «النهضة» محمد القوماني من انه «لم تعد هناك نصوص قطعية في القرآن» يمكن التكهن بأن حركة النهضة ستقدم تنازلا جديدا يجعلها تتجاوز مطبا آخر ويزيد من تأكد المتابعين خاصة في الخارج انها عنصر استقرار في التجربة التونسية وانها أيضا تخطو خطوات هامة على طريق الفصل بين الدعوي والسياسي.
لكن ما هو أكيد أن هناك تشكيكا متواصلا في مدى عمق المراجعات وصلابة المواقف لدى حركة النهضة يثير الكثير من الشكوك. ولكن هذا لا يمنع الملاحظة الموضوعية المتمثلة في قدرة حركة «النهضة» على التأقلم وعلى الانحناء أمام العاصفة وهذا أيضا جانب من جوانب العمل السياسي.

11HAD

النهضة وسباق المطبات المتلاحقة

ماجد البرهومي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية