إسطنبول ـ «القدس العربي» ـ إسماعيل جمال: على الرغم من أن انفجار الأزمة الأخيرة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية ارتبط بشكل مباشر باعتقال أنقرة الراهب الأمريكي أندرو برانسون، إلا أن حجم الأزمة وتطوراتها كشفت عن وجود أسباب أخرى أبرز وأخطر أدت إلى وصول الحليفين في «الناتو» إلى هذا المستوى من الصدام السياسي والاقتصادي.
ومع دخول الأزمة مراحل متقدمة، لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تخفي غضبها من التقارب التركي مع روسيا والذي تمثل في أبرز صوره بشرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس 400» وهو ما ترى فيه واشنطن تهديداً مباشراً لأنظمة حلف شمال الأطلسي وابتعاداً صريحاً عن قيم الحلف.
وفي تطور لم يكن على ارتباط مباشر بأزمة القس برانسون، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراً رسمياً بوقف تسليم تركيا طائرات اف 35 والذي أعده نواب في مجلس الشيوخ الأمريكي ليكون رداً من واشنطن على شراء أنقرة منظومة إس 400 من روسيا.
وقبل أيام، زار وفد من الكونغرس الأمريكي أنقرة، وسلم رسالة واضحة ومباشرة للمسؤولين الأتراك مفادها أن واشنطن مستعدة لإعادة تفعيل برنامج تسليم تركيا طائرات اف 35 المتقدمة مقابل تخلي أنقرة عن شراء صفقة منظومة اس 400 من روسيا.
وبينما ما تزال واشنطن تأمل في تراجع تركيا عن صفقة اس 400، فإن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يصب كل جهوده حالياً من أجل الضغط على روسيا لتسريع بدء تسليم المرحلة الأولى من الصفقة، بالإضافة إلى التلويح باستبدال مشروع طائرات اف 35 بشراء طائرات روسية متقدمة.
والجمعة، قال اردوغان: «تركيا بحاجة إلى أنظمة الدفاع الصاروخية ‘إس ـ 400 الاتفاقية حولها انتهت. إن شاء الله سنأخذها في أقرب وقت». كما شدد على أن تركيا شريك في برنامج صناعة طائرة اف 35 ودفعت 900 مليون دولار من قيمة صفقة شراء 120طائرة من هذا الطراز، لكنه أكد على أن «معادلة القطب الواحد انتهت من العالم» وأن بلاده سوف تلجأ للحصول على طائرات متقدمة من جهات أخرى في حال رفضت واشنطن ذلك، في إشارة إلى الخيار الروسي. وقبل أيام، وفي اتصال هاتفي جرى بين اردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين حث الرئيس التركي موسكو على ضرورة تسريع تسليم بلاده منظومة إس 400 فيما يتوقع أن يجدد اردوغان طلبه في القمة المنتظرة بين زعماء تركيا وروسيا وإيران في طهران في السابع من الشهر الجاري، حيث يتوقع أن تتسلم تركيا أول بطارية اس 400 العام المقبل.
كما جدد وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو على أن أنقرة بحاجة إلى منظومة «إس 400» الروسية، مشدداً على أنها ليست خيارا وإنما ضرورة، وقال: «طلبنا سابقا من حلفائنا، وقبل كل شيء الولايات المتحدة، تزويدنا بمثل هذه المنظومات. وهم لم يبيعوها لنا، أم لم يرغبوا في البيع. إلا أننا بحاجة إلى تلك المنظومة وإس 400 ليست خيارا وإنما ضرورة».
وخلال السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التهديدات المقبلة من سوريا والعراق، كثفت تركيا مساعيها بشكل غير مسبوق من أجل الحصول على منظومة دفاعية متقدمة، وأجرت مفاوضات مع الصين وروسيا والناتو للحصول على منظومة دفاعية، كما وقعت اتفاقيات مع شركة إيطالية فرنسية لصناعة منظومة دفاعية وطنية، إلى جانب منظومات محلية متوسطة يجري العمل على تطويرها حالياً.
وعقب أشهر طويلة من المباحثات، أعلن وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، نهاية العام الماضي أن بلاده أنهت الاتفاق مع روسيا بشكل كامل من أجل شراء 4 بطاريات «إس ـ 400» للدفاع الجوي، حيث تعتبر هذه المنظومة مضادة لطائرات الإنذار المبكر، وطائرات التشويش، وطائرات الاستطلاع، ومضادة أيضًا للصواريخ البالستية متوسطة المدى، وذلك بعد أن اتهمت أنقرة واشنطن و«الناتو» بـ«المماطلة» في بيعها منظومة «باتريوت».
وقبل أشهر، أعاد ترامب طرح مسألة بيع تركيا منظومة الدفاع الجوي والصاروخي «باتريوت» في اتصال هاتفي مع اردوغان، حيث كشفت وسائل إعلام تركية عن ان ترامب اعترض على لجوء تركيا إلى شراء منظومة دفاعية استراتيجية من روسيا رغم أنها أحد أبرز دول الناتو طارحاً بين أنقرة منظومة «باتريوت»، لكن الناطق باسم الحكومة آنذاك بكير بوزداغ قال: «اردوغان أبلغ ترامب، أن تركيا طلبت من الولايات المتحدة شراء منظومة باتريوت، إلا أن الطلب قوبل بالرفض ما دفع أنقرة إلى سد احتياجاتها من مكان آخر»، وتابع: «ترامب عرض على اردوغان، بيع بلاده المنظومة، ورد اردوغان على العرض أن بلاده مستعدة لتنويع منظومات دفاعها الجوية» دون أي إشارة إلى إمكانية اعتبار المنظومة الأمريكية بديلاً عن الروسية.
وإلى جانب أزمة اس 400، تبدو موسكو كمن تلقف الخلاف التركي الأمريكي حول طائرات اف 35، والتهديد التركي باللجوء إلى روسيا، حيث أعلن فيكتور كلادوف، منسق التعاون الدولي لدى «روسته» الروسية للصناعات الدفاعية (حكومية) أن «أنقرة وموسكو تمتلكان القدرات الكافية لتصنيع مقاتلة حربية مشتركة من الجيل الخامس» في خطوة من شأنها ترسيخ التعاون العسكري والتقني بينهما، على حد تعبيره.
وبينما يرى مراقبون أنه ما زال من المبكر الحديث عن وجود حظر نهائي بمنع بيع تركيا طائرات اف35 كونها جزءا من مشروع صناعة الطائرة وعدم رغبة الناتو في ابتعادها أكثر نحو روسيا، يجمعون على أن احتمال تخلي أنقرة عن صفقة اس400 بات من الماضي، وأن قضية استلامها وتفعيلها على الأراضي التركية باتت مسألة فقط في حال لم تتعثر العلاقات بين موسكو وأنقرة لأسباب أخرى.
11TAG