بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية نشأت «مشكلة لاجئين ألمان»: ألمان كانوا يسكنون منذ أجيال في دول وسط أوروبا وشرقها، أو وطنهم فيها النازيون مع احتلالها، هربوا خوفا من أعمال الثأر أو طردوا بمنهاجية من بولندا، وتشيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفياتي، وهنغاريا، وألمانيا، ويوغسلافيا.
وتراوح عدد النازحين الألمان بين 12 و14 مليون نسمة، وحجم الممتلكات التي خلفوها وراءهم قدر في حينه بمئات مليارات الماركات.
12 ـ 14 مليون نسمة، بحجم دولة متوسطة. كلهم استوعبوا في الألمانيتين اللتين قامتا بعد الحرب ـ ولا سيما في الغربية. ولم تؤسس الأسرة الدولية وكالات غوث خاصة لأولئك اللاجئين. فقد كان أمرا مفهوما من تلقاء ذاته أن الألمان ـ رغم وضعهم الاقتصادي المتضعضع، بصفتهم مبادرين للحرب العالمية ـ هم من سيحرصون على العناية بجماهير لاجئيهم، وهذا ما حصل بالفعل: فاللاجئون الألمان أنزلوا بداية في معسكرات مؤقتة أو في بلدات خاصة، ولكن بسرعة شديدة ـ وأساسا بفضل «المعجزة الاقتصادية» لألمانيا الغربية في الخمسينيات والستينيات ـ استوعبوا في سوق العمل واندمجوا في المجتمع. لم يخلدوهم كـ «مشكلة سياسية» في ظل الإبقاء المقصود والممنهج لمسكنتهم وبؤسهم. كان واضحًا للألمان أن أحدًا لن يشفق عليهم وأنه من أجل اندماجهم من جديد في حضن أوروبا والعالم عليهم أن يتنازلوا عن أحلام «العودة»، والتعويض أو استعادة الممتلكات. كما تخلى الألمان عن مناطق نزعت من ألمانيا وضمت بعد الحرب إلى دول أخرى.
وها هي ألمانيا ذاتها تصبح سيدة «مشكلة اللاجئين الفلسطينيين» ووكالة الغوث التي أقيمت لضمان تخليد هذه المشكلة، إلى أن يتمكن «اللاجئون الفلسطينيون» من العودة إلى ديارهم، أي حتى تصفية دولة إسرائيل.
تعرف ألمانيا جيدا كيف ينبغي التعامل مع «مشكلة اللاجئين الفلسطينيين». فلو طبقت أساليب الاستيعاب الألمانية لأولئك الذين فروا في الـ 1948 وفي الـ 1967 من أراضي بلاد إسرائيل لكان ممكنًا منذ زمن بعيد التقدم نحو تسوية سياسية. ولكن ألمانيا قررت تأييد النهج العربي الذي يخلد مسألة «اللاجئين الفلسطينيين» بشكل يصبحون فيه إلى جانب أنسالهم والأبناء المتبنون أيضا تلقائيا لاجئين يستحقون الإغاثة الدولية. لقد انكشف حجم المساعدات الألمانية للوكالة في البوندستاغ مؤخرا: في عام 2005 بلغت هذه المساعدة 2 مليون يورو، أما في 2017 فبلغت أكثر من 80 مليون. وكما هو معروف، فإن عدد «اللاجئين الفلسطينيين» لا يكف عن الازدياد ضمن أمور أخرى بفضل دعم ألمانيا التي تهرع الآن لسد «الثقب» الذي أحدثته الإدارة الأمريكية في صندوق الأونروا. وينشأ السؤال: ما هي المصلحة الألمانية في تخليد «مشكلة اللاجئين الفلسطينيين»؟ هل الصديقة الأفضل لإسرائيل مجندة لفعل تصفيتها؟
لألمانيا مال كثير، وذلك بفضل نجاحها في دمج لاجئي 1945 في الاقتصاد الألماني. لقد كان صعبا جدا على الألمان أن يدفعوا التعويض للناجين من الكارثة. ولكن بدلامن أن يستخدموا هذا المجال لهدف يتآمر على دولة اليهود، فلعله من المجدي أن يجروا إعادة الحساب للمسار: تقديم مساعدة ألمانية سخية لتصفية مخيمات اللاجئين وإسكان «اللاجئين الفلسطينيين» بشكل دائم ومرتب وإنساني في أماكن سكنهم في أرجاء الشرق الأوسط. مثل هذه السياسة ستكون تعبيرا مناسبا لصداقة شجاعة يفترض أن تكون بين ألمانيا وإسرائيل.
إسرائيل اليوم 2/9/2018