في هجاء التكنولوجيا… من يربح الوقت؟

حجم الخط
0

تونس ـ«القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: لأن الفلسفةَ وسعت من آفاق أسئلتها ولم تعد تكتفي فيها بمجال الميتافيزيقا وحسبُ، وإنما انفتحت بها على معيش الناس في كل الظواهر الاجتماعية والإتيقية التي فيه، وهو ما صار يُعرف اليومَ بـ«البُوبْ فيلوسُوفي»، وقد ارتأت «القدس العربي» أن تعرض على قارئها وجهةَ نظرٍ في ظاهرة من ظواهر معيشه اليومي، في ما يمكن أن نسميه التفكرَ الجديدَ في مفرداتِ الراهن. وفي هذا الشأن، تعرض عليه اليوم مقالةً للباحث الفلسفي أدريان أدولفوس حول علاقة الابتكارات التكنولوجية بحرية الفرد.
يذهب الباحث إلى اعتبار أن الحلمَ الكبير لكل مبتكري التكنولوجيات الحديثة إنما هو جَعلُ الإنسان يربح مزيدًا من الوقت وحُسْن استغلاله. لكن هذا الحلم يُواجَه دوما بسؤال: منذ متى يريد الإنسان أن يستفيد من وقت فراغه؟ أليس هو نفسه يَكد في جعل تلك الأدوات التقنية الحديثة وسيلةً لإضاعة وقته، ونسيان نفسه، والقيامِ بقفزات بلهاءَ مثل قِرْدٍ وَخَزه النحلُ، فإذا هو ينتفض بدون أن يفعل أي شيء ذي بالٍ سوى أنه يضيع الوقت الذي لم يعد يعرف كيف يوظفه لصالحه الشخصي أو للصالح العام؟ ألا يجد الخوف الكبير من الحرية دواءً له في استلاب أنشطتنا المتزايد، وانشطارها الدائم، وهو ما صيرَها خاليةً من أي معنى؟ ألم نتحول إلى قردة تُمضي وقتها في مراقبة بعضها بعضا، وفي «التهام قملها» الوفير في مواقع تواصلنا الاجتماعي التي امتلأت بالسبابِ والتفاهة والعصبية التي تنزلق جميعها على لوحاتنا الإلكترونية؟ يجب على المرءِ أن يكون مهرجًا أصلا ليطرح مثل هذا السؤال: هل صرنا نمتلك حريتنا إزاء تلك الآلات والابتكارات؟ لأن كل العالم يعرف الإجابة في أعماق قلبه المضطهد والمثقل، وما يثقل على قلوبنا ويمثل داءَها، ويجعلها تتعذب في الصمت، هو الإحساس بأننا لم نعد أسيادا في أجسادنا، وفي بيوتنا، وبأننا لا نمتلك أي حكمةٍ نرجع إليها لمواجهة أعدائنا المتكاثرين، وعجزنا فعليا عن فعل أي شيء ذي معنى، وأن نكون باستمرار مشتتين وخاضعين لهيمنة هؤلاء المبتكرين التكنولوجيين المهيمنين علينا.
كل إنسان يحتقر ذاته سرا عندما يرى نفسه من الخارج تائها في عشق «حلي تقني صغير وتافه»، ولكنه مدمرٌ، وطفيلي، يجعله يقضي كل يوم ثلاث ساعات كاملة من وقته وهو يتأمل صورة جاره الباهتة على جداره الفيسبوكي، ويرى نفسه يكذب بدوره ليثير الغيرة وليعيش مجردَ حياة لا تساوي عُشر أي حياة أخرى مبهجة، يعني حياة تزعم أنها ما تزال تمتلك رأسًا يُحسن إدارةَ شؤونها، وهو لأمرٌ نادرٌ. لقد صارت حياتنا بشعةً، وفقدت كل نزوعٍ إلى أن تكون أصلية وطريفة، وأن تظل انعكاسا فخورا لما يمكننا أن نكون عليه، ولما لا نعرف كيف نصير عليه. لكن مثلما يتساءل توماس مان حول الكيفية التي تُمكن المرء من فعل ما هو أفضل عندما يكون كل المجتمع بدون رأس، وبدون مَثَلٍ أعلى، وعندما لا نقترح شيئا سوى «النجاح» والرفاهية. إن إجابة توماس مان هي التالية: يجب أن يكون المرء بطلا لا أكثر ولا أقل.
الأسئلة الجوهرية هنا هي التالية: من قد يرغب منا في أن يخصص وقته ليكون بطلا، والحالُ أنه صار من الممتع جدا بالنسبة إليه الضياع في المتاهات الإلكترونية، التي لا ترغب سوى في الكسل والجبن؟ وأي امرئ قد يرغب في أن يكون بطلا، في حين أنه يشعر بكل يأس بأن وجوده صار بَرانيا أكثر فأكثر، وأنه بدأ يفقد السيطرة عليه، بل أصبح يتواصل مع ذاك الوجود الشخصي، كما يتواصل مع غريب؟ أي امرئ قد يرغب في أن يكون بطلا في حين أنه لا يمتلك من القوة إلا ما يمكنه من أن يتبع التيارات التي تحمله نحو الانحدار ومدافن الأرواح الميتة في أجساد نابضة بالحياة؟
أنْ يكون المرء إنسانا حرا ومبدعا ويحيا حياة أكثر شجاعة وبطولة، هو أمرٌ يتطلب أكثر طاقة وأكثر وقتا. ولكن: أي طاقة وأي وقت؟ إن أولئك الذين يؤكدون لنا أنهم يعملون (يبتكرون الوسائل التكنولوجية) لصالح البشرية من أجل جعلها أكثر رفاهيةً، هم مجرمون بأتم معنى الكلمة، ويجب أن يُحاكموا بالقانون، لأنهم أفقدوا الإنسانَ كل مظاهر وجوده الحر، وكل تطلعاته العميقة والخصوصية بتعلةِ أن منتجاتهم تُنهي عذاب البشرية الاقتصادي والاجتماعي والجسدي. والحال أننا لم نبلغ شيئًا من ذلك، بل أصبحنا بعيدين جدا عن بلوغه. ولم يبقَ لنا إلا أن نُلَطخَ ألواحَنا الإلكترونية وهواتفنا الذكية أو نرمي بها بعيدا عنا، حتى نعود إلى أنفسنا: أيْ نعود إلى براءة الإنسان فينا.
6taj

في هجاء التكنولوجيا… من يربح الوقت؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية