العنف البعيد

جلست‭ ‬مرة‭ ‬أستمع‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأغنيات‭ ‬التراثية‭ ‬المحلية،‭ ‬التي‭ ‬يسمونها‭ ‬أغنيات‭ ‬الحماس،‭ ‬وتستقطب‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المستمعين‭ ‬والراقصين‭ ‬على‭ ‬موسيقاها،‭ ‬والمشاركين‭ ‬بترديد‭ ‬كلماتها‭ ‬مع‭ ‬المغنين‭ ‬إن‭ ‬صادف‭ ‬ورددوها‭ ‬في‭ ‬أعراس‭ ‬أو‭ ‬مناسبات‭ ‬وطنية‭ ‬أو‭ ‬حكومية‭.‬

كان‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأغنيات‭ ‬كلها،‭ ‬وبعضها‭ ‬استخرجها‭ ‬مغنون‭ ‬كبار‭ ‬من‭ ‬بطن‭ ‬التراث،‭ ‬وعرضوها‭ ‬للناس‭ ‬في‭ ‬إيقاعات‭ ‬حديثة،‭ ‬وبعضها‭ ‬صيغ‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬الأغنيات‭ ‬التراثية‭ ‬لمدح‭ ‬زعيم‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬معاصر،‭ ‬بإيهام‭ ‬أنه‭ ‬يُمدح‭ ‬بإلهام‭ ‬قديم،‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬بعيد‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.‬

ما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأغنيات‭ ‬حقا،‭ ‬أن‭ ‬البطل‭ ‬المبجل‭ ‬فيها‭ ‬والممدوح‭ ‬بكل‭ ‬صفات‭ ‬القوة‭ ‬والمروءة‭ ‬والكرم،‭ ‬لابد‭ ‬سافك‭ ‬للدماء،‭ ‬إما‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬عشائرية‭ ‬تنشب‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬أو‭ ‬غارات‭ ‬غير‭ ‬منطقية‭ ‬يشنها‭ ‬مع‭ ‬قومه‭ ‬ضد‭ ‬أقوام‭ ‬آخرين،‭ ‬البطل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬قد‭ ‬جز‭ ‬عشرات‭ ‬الأعناق‭ ‬بسيفه،‭ ‬نخر‭ ‬مئات‭ ‬البطون‭ ‬بحربته،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬ملأ‭ ‬سروج‭ ‬الأحصنة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقل‭ ‬الرجال‭ ‬بالدم‭.‬

هنا‭ ‬أتساءل،‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الأعداء‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يموتوا‭ ‬بهذه‭ ‬الطرق‭ ‬العنيفة‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فيها‭ ‬أصلا‭ ‬ما‭ ‬يغري‭ ‬بالعداوة؟‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬بسطاء،‭ ‬ويفترض‭ ‬أنهم‭ ‬مسالمون،‭ ‬وأي‭ ‬مناوشات‭ ‬قبلية‭ ‬قد‭ ‬تحدث،‭ ‬يوجد‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقللوا‭ ‬من‭ ‬شأنها،‭ ‬ويضعوها‭ ‬في‭ ‬درب‭ ‬السلام،‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها؟‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يضمدوا‭ ‬الجروح‭ ‬المعنوية،‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬ثمة‭ ‬جروح‭ ‬معنوية‭ ‬حدثت‭.‬

من‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يجز‭ ‬عنقه؟‭ ‬ويملأ‭ ‬الدم‭ ‬المتقاطر‭ ‬من‭ ‬قلبه‭ ‬سرج‭ ‬الجواد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقله،‭ ‬وهل‭ ‬فعلا‭ ‬تملك‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬تذبح‭ ‬بهذا‭ ‬العنف،‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬العطف‭ ‬والحنان‭ ‬للصغار‭ ‬الموجودين‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬ينتظرون‭ ‬النصر؟‭ ‬والدفء‭ ‬العاطفي‭ ‬للنساء‭ ‬اللائي‭ ‬يجهزن‭ ‬زغاريدهن‭ ‬انتظارا‭ ‬لعودة‭ ‬القتلة‭ ‬الظافرين؟

الأغنيات‭ ‬تقول‭ ‬للبطل‭ ‬أنت‭ ‬سافك‭ ‬للدم‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬البراري،‭ ‬والغابات،‭ ‬والساحات‭ ‬المغبرة،‭ ‬وصاحب‭ ‬قلب‭ ‬طيب‭ ‬وحنون‭ ‬ودافئ‭ ‬وعطوف‭ ‬وكريم،‭ ‬حين‭ ‬تصافح‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭. ‬الأغنيات‭ ‬تمنح‭ ‬التناقض‭ ‬الأخاذ،‭ ‬فهي‭ ‬تمدح‭ ‬وتذم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬من‭ ‬ينتهج‭ ‬العنف‭ ‬واللين‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬وشخصيا‭ ‬كتبت‭ ‬عن‭ ‬القتلة‭ ‬السايكوباثيين،‭ ‬أي‭ ‬الذين‭ ‬يولدون‭ ‬وجينات‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬دمهم،‭ ‬هؤلاء‭ ‬كتبتهم‭ ‬كما‭ ‬وصفهم‭ ‬الطب‭ ‬النفسي،‭ ‬أي‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬يشخص‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عاطفة‭ ‬ولا‭ ‬إكراه،‭ ‬القتلة‭ ‬طراز‭ ‬جيني‭ ‬واحد‭ ‬بلا‭ ‬أي‭ ‬عاطفة،‭ ‬ولن‭ ‬يتبنى‭ ‬ذلك‭ ‬الطراز‭ ‬أي‭ ‬سلوك‭ ‬طيب‭ ‬مهما‭ ‬كان‭.‬

أفهم‭ ‬قوانين‭ ‬الحروب‭ ‬طبعا،‭ ‬وأن‭ ‬الناس‭ ‬قد‭ ‬يدافعون‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬أوطانهم‭ ‬أو‭ ‬أعراضهم‭ ‬أو‭ ‬ممتلكاتهم،‭ ‬وقد‭ ‬يضطر‭ ‬جندي‭ ‬مكلف‭ ‬بالمشاركة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المهام‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬عدو‭ ‬حاول‭ ‬انتهاك‭ ‬مقدس‭ ‬ما،‭ ‬لكن‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأغنيات‭ ‬التراثية،‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬فيه‭ ‬مكسب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬العنف‭. ‬إذن‭ ‬لماذا‭ ‬نحن‭ ‬محاطون‭ ‬بالعنف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي؟‭ ‬لماذا‭ ‬ثمة‭ ‬تفجير‭ ‬هنا،‭ ‬وفي‭ ‬مكان‭ ‬لا‭ ‬يغشاه‭ ‬إلا‭ ‬أشخاص‭ ‬طيبون‭ ‬وأبرياء،‭ ‬إما‭ ‬يتجولون‭ ‬بغرض‭ ‬التسلية‭ ‬أو‭ ‬يتسوقون،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬يتداوون‭ ‬في‭ ‬مستشفيات‭ ‬وعيادات؟‭ ‬وتفجير‭ ‬آخر‭ ‬هناك‭ ‬وفي‭ ‬صرح‭ ‬تعليمي‭ ‬فيه‭ ‬تلاميذ‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬المستقبل؟‭ ‬لماذا‭ ‬الخناجر‭ ‬مشرعة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان،‭ ‬والكلمة‭ ‬البسيطة‭ ‬الطيبة،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقولها‭ ‬كاتب‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬السلام‭ ‬والتمسك‭ ‬بمبادئ‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬تقرها‭ ‬كل‭ ‬الشرائع‭ ‬السماوية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬بخناجر‭ ‬أولئك‭ ‬الغابرين‭ ‬في‭ ‬أغنيات‭ ‬التراث،‭ ‬ومستعدين‭ ‬لسربلة‭ ‬سروج‭ ‬الجياد‭ ‬بالدم؟

أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬الجزئي،‭ ‬طبع‭ ‬جيني‭ ‬أو‭ ‬وراثي‭ ‬كما‭ ‬أسلفت‭. ‬لكن‭ ‬العنف‭ ‬بفوضاه‭ ‬الكبيرة،‭ ‬مبدأ‭ ‬يتعلمه‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬أخطاء‭ ‬التراث،‭ ‬نحن‭ ‬نرقص‭ ‬في‭ ‬أبيات‭ ‬سربلة‭ ‬السروج‭ ‬بالدم،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬نتحمس‭ ‬ولا‭ ‬نطرب‭ ‬ولا‭ ‬نتشنج،‭ ‬حين‭ ‬يردد‭ ‬أحدهم‭ ‬أغنية‭ ‬يناجي‭ ‬فيها‭ ‬حبيبة‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬القلب،‭ ‬أو‭ ‬يعلن‭ ‬عن‭ ‬صفحه‭ ‬عن‭ ‬جار‭ ‬نهب‭ ‬منه‭ ‬جملا‭ ‬أو‭ ‬عنزة‭ ‬تافهة،‭ ‬وهذه‭ ‬أغنيات‭ ‬لا‭ ‬نعثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬العادة‭.‬

لا‭ ‬مانع‭ ‬من‭ ‬التحدث‭ ‬عن‭ ‬الشهامة‭ ‬والكرم،‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق‭ ‬الجيدة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والأعداء‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬لا‭ ‬مانع‭ ‬من‭ ‬التغني‭ ‬بالعيون‭ ‬السود،‭ ‬والسيوف‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬للزينة‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الأعراس‭ ‬في‭ ‬الليالي‭ ‬الكبرى‭ ‬والاحتفالات،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬عند‭ ‬الضرورة،‭. ‬لا‭ ‬مانع‭ ‬من‭ ‬تشبيه‭ ‬عيني‭ ‬البطل‭ ‬بعيني‭ ‬الصقر،‭ ‬وقوته‭ ‬بالإعصار‭ ‬الذي‭ ‬يقتلع‭ ‬الأشجار‭ ‬من‭ ‬عروقها،‭ ‬وهيبته،‭ ‬بتلك‭ ‬التي‭ ‬عند‭ ‬الأسد‭ ‬شخصيا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إقحامه‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬مثل‭: ‬ضرب‭ ‬وقتل‭ ‬وذبح‭.‬

إنها‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬التربية‭ ‬كما‭ ‬أظن،‭ ‬الاتجاه‭ ‬لثقافة‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬فقط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬كل‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬نشاهدها‭ ‬اليوم‭ ‬ونقف‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬حلها‭.‬‭ ‬ومعلوم‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬تفكك‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬كانت‭ ‬منارات‭ ‬للمعرفة،‭ ‬بسبب‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬من‭ ‬ورائها،‭ ‬العنف‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬والإخوان‭ ‬المتقاتلون‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ولا‭ ‬يعرفون‭ ‬لماذا‭ ‬يتقاتلون‭ ‬أصلا؟‭ ‬الأوطان‭ ‬حقيقة‭ ‬مثل‭ ‬الأمهات،‭ ‬لها‭ ‬صدور‭ ‬تتسع‭ ‬لكل‭ ‬مواطن،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬غريب‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يقطن‭ ‬فيها،‭ ‬وبشيء‭ ‬من‭ ‬التسامح‭ ‬والأخلاق‭ ‬الجيدة،‭ ‬والقطيعة‭ ‬الجادة‭ ‬لما‭ ‬يرسله‭ ‬لنا‭ ‬التراث‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬البلدان‭ ‬من‭ ‬ومضات‭ ‬قاتلة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬النقاء‭ ‬ويعود‭ ‬الصفاء‭ ‬إلى‭ ‬شعوب‭ ‬طحنت‭ ‬وتكاد‭ ‬تنقرض‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬العنف‭.‬

أخيرا‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الدامي‭ ‬صفحات‭ ‬مضيئة،‭ ‬ينبغي‭ ‬اتباعها،‭ ‬ولكنني‭ ‬بينت‭ ‬رأيي‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الاستماع‭ ‬المتأني‭ ‬لما‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬مدح‭ ‬الأبطال‭ ‬وذم‭ ‬أعدائهم،‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬إما‭ ‬إخوانهم‭ ‬أو‭ ‬أبناء‭ ‬عمومتهم‭. ‬لن‭ ‬أعترض‭ ‬على‭ ‬وصف‭ ‬البطولات‭ ‬ضد‭ ‬المستعمر،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يربض‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬أوطاننا‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬فذاك‭ ‬شأن‭ ‬آخر‭.‬٭‭ ‬كاتب‭ ‬سوداني

العنف‭ ‬البعيد

أمير‭ ‬تاج‭ ‬السر

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية