لا يخفى على أحد تصاعد النبرة الطائفية في الخطاب الديني والاعلامي في المنطقة العربية منذ احتلال العراق 2003 وإلى الآن، كما لا يخفى على أحد – ربما- وجود أطراف داخلية وخارجية ساهمت في تأجيج اللغة الطائفية وشق المجتمعات العربية والاسلامية منها على وجه التحديد، لا الى أعراق عرب وغير عرب أو مسلمين وغير مسلمين، بل شق الجسد الاسلامي نفسه إلى سنة’وشيعة، الأمر الذي يستدعي التساؤل عن دور العقلاء والمفكرين ورجال الدين ووجوه المجتمع من شيوخ ومثقفين وفنانين وسياسيين، في ما يحدث من شق المجتمعات وقطع أواصر التواصل والائتلاف بين شرائح المجتمع المختلفة، كما نتساءل أيضا عن المكونات الثقافية في المجتمع العربي، التي وقفت عاجزة عن استيعاب مفرداتها أو صهرها في بوتقتها الوطنية، كما نتساءل كذلك عن الذاكرة العربية والاسلامية التي احتفظت بخلاف سياسي بين عشائر من قبيلة قريش اختلفت على الحكم، واجترت الذاكرة هذا الخلاف وحملته على امتداد هذه القرون، إنها أسئلة واقعية لا يمكن التغاضي عنها، ولم تتم الاجابة عنها منذ طرح هذه الاشكالية من قبل العديد من المفكرين، الذين وجدت منهم المفكر العراقي علي الوردي الذي يقول ‘ان الطائفية ليست سوى نمط معين من العصبية، أي أنها تقوم على أساس من الانتماء الاجتماعي اكثر مما تقوم على اساس من الدين والحرص على سلامة تعاليمه’. خرجت الطائفية – حسبما أرى – من عباءات بعض رجال الدين، الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الناس، مانحين أنفسهم حق المعرفة وحق التأويل والتفسير واعطاء المواعظ واصدار الفتاوى، بينما توقف العامة عن البحث وعن منح أنفسهم حق التفكير في ما يقال، واستسلموا لما يقوله الشيخ والمفتي، أي أن العامة احالوا عقولهم إلى التقاعد المبكر وتكاسلوا عن المطالعة ومقارنة الحجة بالحجة، وهذا ما أدى إلى اعفاء الفرد من مسؤوليته تجاه نفسه أولا ومحيطه ثانيا، بالركون إلى ما يقال على المنابر أو في الخطاب الديني لأي طائفة كانت، التي تزعم أنها صاحبة الحق وأنها الفرقة الناجية، أما بقية الطوائف الاسلامية فهي في النار، وهنا تأتي الاساءة إلى الاسلام من داخله أي ممن يدينون به، إذ قسم المسلمون أنفسهم إلى مذاهب وطوائف، متناسين أن الشهادة التي تدخل الانسان إلى الاسلام تقول ‘لا إله إلا الله محمد رسول الله’، وأنهم يعبدون ربا واحدا ويدينون بدين واحد ونبيهم واحد، ولكن السياسة هي التي شتت الأمة. وهنا يحضرني مثال حي استحضره كلما عرج الحديث عن الفرق الاسلامية، فقد زارني منذ سنتين اكاديمي اسباني من جامعة مدريد متخصص في اللغة العربية، وكنا حين نجلس في مجلس أو يقابلنا أحد في مناسبة اجتماعية أو ما شابه يتحدث الناس مع صديقي الاسباني عن فضل الدين الاسلامي، وهو يستمع لهم، وحين ضجر من الحاح الناس عليه بالدخول في الاسلام، قال لهم أنا مستعد لاعتناق الاسلام لكنني محتار في اي مذهب ادخل، فإذا دخلت الاسلام السني فماذا سيقول لي الشيعة والاباضية؟ وإذا اعتنقت الاسلام الشيعي فماذا سيكون موقف السنة والاباضية؟ ثم ماذا سيقول السنة والشيعة إذا اعتنقت الاسلام حسب المذهب الأباضي؟، هنا احتار الدعاة الذين حاولوا اقناع صديقي الاسباني باعتناق الاسلام، وختم حديثه مع أحد العامة قائلا له: لماذا تريدني أن أصبح مسلما، فرد عليه الآخر: لأنك إذا اسلمت علي يدي فسأدخل بسببك الجنة، فقال له الاسباني: وما مصلحتي إذا انت دخلت الجنة على حسابي، لماذا لا تدخلها بأعمالك وأخلاقك؟ هذه الحالة تذكرني بقصر فهم البعض للدين الاسلامي، وعن ضعف في التكوين الثقافي لمن ينصب نفسه وصيا على الآخرين. لكن ما العمل لمواجهة الخطر الطائفي المحدق بمجتمعاتنا؟ إنني أرى أن ترسيخ مفهوم المواطنة واحترام حقوق الانسان ووضع التشريعات والقوانين التي تحفظ لكل المكونات العرقية والطائفية حقها في اي بلد، هو المخلص الوحيد والآمن للمجتمعات من آفة الطائفية والعنصرية البغيضة، التي تشكل خطرا اسوأ من الاحتلال والتدخل الاجنبي، كون الطائفية تفتك بالجسد الوطني وتقضي على أي محاولة للمقاومة، كما أرى أن على الأفراد نفض التكاسل الفكري والبحث عن طريق الحق، كل حسب طريقته وبإمكانياته الشخصية بعيدا عن الفتاوى المعلبة أو الجاهزة، التي لا تراعي الزمان ولا المكان ولا المناسبة، لقد آن الأوان لإعادة ثقة الفرد بنفسه أولا ومساهمته في تحمل مسؤولية الحفاظ على اللحمة الوطنية ثانيا، وتقديم مصلحة الوطن قبل مصلحة الطائفة والمذهب ثالثا.